امتحان البكالوريا سبّب لي الإسهال

السبت 6 فبراير 202111:17 ص

وردت في القرآن الكثير من القصص التي تروي كيف امتحن الله الأنبياء عبر ابتلائهم، كما فعل مع النبي أيوب الذي صبر على البلوى لسنوات طويلة وأصبح مثالاً للصبر بين البشر حتى أيامنا الحالية، إذ يردد كثيرون عبارة "يا صبرَ أيوب!" حين تصيبهم مشكلة كبيرة.

إبراهيم الخليل امتحنه الله بأقسى ما يمكن أن يُمتحن به الإنسان: ألا وهو ذبح ابنه، قبل أن يتدخّل الله في اللحظة الأخيرة ويوقف المذبحة ويثني على نبيّه.

البكالوريا بلائي

بالنسبة إلي، كان بلائي امتحان البكالوريا. قبل موعده بشهر، كنت أشعر بتوتر وضيق في التنفس كلما أفكر فيه. هذا ما كان يجعلني أتسلى وأسهر مع الأصدقاء من أجل تخفيف حدة التوتر، وأقول لنفسي "غداً سأبدأ الدراسة"، وحين يأتي الغد يتكرر السيناريو ذاته، إلى أن أتى اليوم الذي سألني فيه أبي "كيف دراستك؟" فقلت له: "لا تقلق، كل شيء على ما يرام!"، وتذكرت أنه لم يبقَ أمامي سوى عشرين يوماً وبات من الصعب دراسة كل المواد بشكل جيد، فلمتُ نفسي وتمنيت لو أن الزمن يعود إلى بداية السنة الدراسية كي أدرس كل يوم بيومه.

عشرون يوماً للامتحان ولا فائدة من اللوم والندم على ما مضى. يجب التركيز على الدراسة. حسمت الأمر. لن أذهب هذا اليوم للسهر! واخترت المادة الأقل أهمية بالنسبة إلي وهي التربية الإسلامية، وقمت بتصفح سريع للدروس الأولى. استغرق الأمر حوالي نصف الساعة، بعدها أخذت قراراً بالتوقف عن دراسة هذه المادة والرسوب فيها لعدة أسباب أهمها أنني لا أحب مشاهدة أفلام الرعب، فعدد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي فيها وعد ووعيد بالعقاب كان مخيفاً.

انتقلت بعدها إلى مادة التربية القومية، وقبل أن أكمل الدرس الأول تذكرت أيام الصف الأول الابتدائي حين كان كل صباح يصعد أحد التلاميذ على المنصة ويهتف بصوت عالٍ: "أمة عربية واحدة"، فيرد الباقون: "ذات رسالة خالدة"، ثم يأتي صوت التلميذ: "أهدافنا!" فيردّون: "وحدة، حرية، اشتركية"، ثم يرفع التلميذ يده اليمنى أمامه ويقول: "رفيقي الطليعي كن مستعداً لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد والدفاع عنه"، فيرفع كل تلميذ يده بالطريقة نفسها هاتفاً: "مستعد دائماً". بالطبع لم نكن نفهم معنى ما نقوله، ولم يكن مطلوباً منّا أن نفهم بل أن نردد كالببغاوات!

أغلقت كتاب التربية القومية واستثنيت مادة الأدب العربي لأنه كان من الصعب افتتاح يومي الأول بدراسة النحو والصرف والإعراب وقواعد العدد والمعدود التي أعجز حتى هذه اللحظة عن حفظها. أما مادة اللغة الإنكليزية فكان من المستحيل أن أدرسها بدون وجود أستاذ معي لأنّي لا أجيد أكثر من مئة كلمة إنكليزية، وكلها كلمات إيروتيكية حفظتها من خارج المنهاج. وبالنسبة إلى كتاب التاريخ، لم تكن لديّ رغبة في دراسته لأنّي لم أكن بمزاج جيد لأقرأ الأكاذيب.

"ظهرت نتائج الامتحان وكنت من بين الناجحين ولكن بعلامات متدنية، فاستغربت ودهشت ورحت ألقي باللوم على كل ما هو موجود على هذا الكوكب، وفي مقدمتهم نزار قباني وجاكي شان"

بعد كل ذلك، لم يبقَ أمامي سوى كتاب الجغرافيا. قلت، لا بأس فالقراءة عن الأنهار والجبال والمحاصيل الزراعية شيء ممتع إلى حد ما وأفضل من كل ما سبق. فتحت الكتاب وبدأت بالدراسة، وبعد نصف ساعة سكنني ملل من المستوى الذي يسبب توقفاً مفاجئاً للدماغ أو شللاً نصفياً، والعلاج الوحيد له كان مشاهدة فيلم سينمائي ثم قراءة ديوان نزار قباني "طفولة نهد". لو كنت أقدّم البكالوريا في هذه الأيام، كان من الممكن معالجة هذا الملل بالدخول على فيسبوك والتحدث مع الأصدقاء ووضع اللايكات لمدة ساعتين.

بعد مشاهدة الفيلم وقراءة ديوان نزار قباني، شعرت بالعطش، وحين فتحت البراد لأشرب، تفاجأت وصُعقت بأن ضوءه معطل. لم أترك طريقة أعرفها إلا واستخدمتها لإصلاح الضوء ولكن دون فائدة! وفجأة جاء التيار الكهربائي وتم إصلاح العطل تلقائياً!

عدت إلى الدراسة، وقبل جلوسي على الطاولة تذكّرت أني لمحتُ في البراد طعاماً لذيذاً، ولأن الدراسة على معدة فارغة تسبب القرحة، ولأن الجوع يُضعف القدرة على التركيز، قررت إعداد وجبة طعام. وبعد الانتهاء منها أشعلت سيجارة، والتدخين بعد الطعام كما هو معروف يساعد على الهضم السريع، والذي بدوره جعلني أدخل الحمام وفي الحمام تذكرت عدد المواد التي يجب أن أدرسها وما تتضمنه من معلومات فأصبت بإسهال شديد.

"كل ما كنت أريده من هذه البكالوريا هو الحصول على شهادة ودخول الجامعة، لأن أهلي والمجتمع من حولي يرون النجاح والفشل من هذه الزاوية الضيقة. هذا ما جعلني أقرر أن أعاني وأدرس المنهاج للمرة الثالثة. وبالرغم من أني نجحت لم أشعر بالفرح"

حين رجعت إلى طاولة الدراسة، كان الكتاب بانتظاري ككلب وفيّ لم يتحرك من مكانه، مفتوحاً على الدرس الأول، فقلت: انتهى وقت اللعب وقررت ألا أتوقف عن الدراسة لمدة ساعتين، ولكن بعد نصف ساعة أصبت بنعاس شديد وبدأت أتثاءب وأفرك عيني حتى جرى الدمع منهما، فقلت: يلعن أبو الدراسة، رح موت من النعس معقول موت منشان الدرس! لحظتها اتخذت القرار الجميل بإغلاق الكتاب والذهاب إلى النوم.

تمددت على الفراش. شاهدت فيلماً سينمائياً لـ"جاكي شان" ثم غفوت مع الفجر. لو كنت أقدّم البكالوريا في هذه الأيام لدخلت على فيسبوك وكتبت منشوراً عن الامتحان والمشقة التي أعانيها خلال دراستي.

الحق على جاكي شان

ظهرت نتائج الامتحان وكنت من بين الناجحين ولكن بعلامات متدنية، فاستغربت ودهشت ورحت ألقي باللوم على كل ما هو موجود على هذا الكوكب، وفي مقدمتهم نزار قباني وجاكي شان.

في العام التالي، تقدّمت لامتحان البكالوريا مرة أخرى بهدف الحصول على علامات مرتفعة، ومع بداية أول يوم في العام الدراسي أخذت عهداً على نفسي أن أبدأ بالدراسة قبل الامتحان بثلاثة أشهر، ولكن للأسف التسلية والسهر مع الأصدقاء كانوا سبباً في تكرار سيناريو العام الماضي، وبالطبع النتيجة كانت الرسوب بجدارة!

لم أشعر بالامتعاض من رسوبي كما حدث في السنة السابقة بل شعرت أنني فوق المنهاج وأنه لا يضيف إليّ معرفة وأفكاراً ذات قيمة، وخاصة أنني شخص أطلع على الكتب. فالمعلومات والمعرفة والمتعة التي كنت أحصل عليها من الروايات ودواوين الشعر والكتب العلمية والسينما كانت أكثر أهمية مما هو في المنهاج الدراسي.

كل ما كنت أريده من هذه البكالوريا هو الحصول على شهادة ودخول الجامعة، لأن أهلي والمجتمع من حولي يرون النجاح والفشل من هذه الزاوية الضيقة. هذا ما جعلني أقرر أن أعاني وأدرس المنهاج للمرة الثالثة. وبالرغم من أني نجحت لم أشعر بالفرح.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard