هذه رحلتي في البحث عن الحبّ

الاثنين 1 فبراير 202102:51 م

كنت في المرحلة الثانوية عندما بدأ الخطّاب يفدون إلى منزلنا طالبين القرب من إحدى أختيّ. كانت أختي الكبيرة ترفض فكرة الارتباط برجلٍ ليس هناك بينها وبينه أية صلة فكرية أو عاطفية، ولطالما رفضت جلسات (الصالون) للتعرف على رجلٍ تقدم لخطبتها، واعتبرت الأمر غير لائق لأنها تريد لنفسها أكثر من مجرد زوج، فكانت تبرر رفضها الدائم بأن الشخص المرفوض "لا يفهمها، ولن...". وبعد سنة من تخرجها الجامعيّ، قابلت حب حياتها، وكان الأمر سهلاً تماماً كما يحدث في الأفلام، فهي جميلة ومختلفة، وهو حاد الذكاء وطيّب ويفهمها. كان ذلك قبل أكثر من 10 سنوات، وتلتها أختي الثانية بالزواج عن طريق الوقوع في الحب أيضاً، ولكن كانت بداية هذا الحب صالون بيتنا، الذي خذل أختى الكبرى. ظننت أنني سأسير على خطاهما، وأقع في الحب ربما في الجامعة، وربما في العمل، أو سأقابل الرجل المناسب في الصالون أيضاً، ويكون هذا قضائي وقدري. لكن الأمر لم يسرِ كما جرت الأمور مع أختيّ. 

ست عشرة محاولة فاشلة 

في الجامعة أعجبت بزميل لي كان يحب الكتب مثلي، وينظم الشعر كما أفعل، وظننت كوننا نحب نفس الأشياء سيكون الأمر الذي يجمعنا، وعندما صرّح بحبه لم أستطع الاحتفاظ بمشاعري نحوه على مدى بعيد، فكان الأمر مجرد حنين إلى الأشياء التي أحبها في هذا الشخص، ولم أجدها في غيره، ولكني لا أكن له حباً لشخصه. وفي سنتي الأخيرة تقدم أحد زملائي لخطبتي وكان الأمر مفاجأة لي لأننا لم نتحدث عن الأمر من قبل، فقال إنني أنسب الأشخاص له، وأخذ يعدد الصفات التي تعجبه بي، ولما سألته عن الحب انعقد لسانه وقال إن التوافق أهم من أي شيء. استسلمت بعد التخرج إذ لم أجد ما أبحث عنه، أو بالأحرى ما كان عقلي يبحث عنه. وخضت تجارب الزواج المدبر (زواج الصالونات) بنفسٍ راضية أحياناً، ومضطرة في أحيان أخرى. فمرة أخطأ الرجل الذي تقدم لخطبتي في اسمي، ثم سألني عنه، فربما لم يكن لديه الوقت ليسأل عنه قبل أن يدق بابنا، ومرة أخرى كانت والدة العريس ترى أن أهم مقومات العروس التي ترضاها لابنها أن تعرف كيف تقوم بإعداد "الكفتة" جيداً، لأن ابنها المدلل يفضلها عاى أي طعامٍ أخر. ثم كان هناك رجلٌ منذ أول جلسة معه أخذ يفتخر بتعدد علاقاته النسائية، وقبل أن يسألني عن علاقاتي السابقة أوضح -بازدواجية تامة- أنه يحتقر أي فتاة لها علاقات سابقة غير رسمية! ومرة جاءتني أخت العريس بصورة له، وقالت: "أنا هجاوبك على أي سؤال عاوزة تعرفيه، وهو شبهي أصلاً، بس عشان هو مسافر بره ومستعجل عاوز ينزل يتجوز وياخد عروسته ويرجع تاني فقالي أختارله". وكأنها كانت لعنة، فمنذ رفضي له، أو بالأحرى لها وللطريقة، واجهت نفس التجربة عدة مرات. فأدركت أن هذا النوع من الزواج شائع للغاية. يكوّن الشاب مستقبله في خارج البلاد، ويُكلف أحد أقاربه، لا سيما أمه، مهمة اختيار زوجة له. وعندما يقع الاختيار على شابة تكمل الأم والعائلة المهمة، من شراء الشبكة، والاحتفال بالخطبة، ثم يبدأ ماراثون التعارف بين الطرفين عن طريق الإنترنت. 

لا أريد خوض تجربة الصالون مرة أخرى، ولا أريد الارتباط بشخص لم ألتق به، ولم أعرفه من قبل، لن أتخلى عن شعوري الكامل بالحب، ولن أقبل أي شخص لمجرد أنه يناسبني

ورغم شعوري بالرفض تجاه تلك الفكرة، والطريقة التي تفتقر لأي منطق يقبله العقل، فقد تمت خطبتي بهذه الطريقة لأحد أقاربي الذي رأيته مرة واحدة في حياتي وكنت حينها في العاشرة من عمري. لم أهضم الأمر برمته تماماً، ولكن أبي قبل هذا الرجل من دون أن يسألني عن رأيي لأنه وجده الأنسب بين جميع من سبقوه، وأقنعتني أمي أن أتمهل في الحكم عليه، وسيكون القرار الأخير لي. 

وبعد شهور من التواصل بيني وبينه عبر "الشات"، وعندما مررت بظرفٍ عصيب ولم يكن بجواري، أدركت أنه لم يكن سوى شبح من خلف شاشة زجاجية. وتم انفصالنا الذي أتى بمشكلاتٍ عديدة على رأسي. وارتبطت مرة أخرى برجل وجدته مناسباً لأحلامي، كان يكن لي حباً عظيماً، ومع هذا الحب أتى العديد من خيبات الأمل لأني لم أكن أبادله نفس الشعور، فأساء معاملتي. 

النجاح المهني والقبول الاجتماعي 

أقلعت بعدها لخمس سنوات عن سيرة الحب، وعروض الزواج، وبدأت حياتي المهنية في الازدهار عن أي وقتٍ سابق، وآمنت أن الحب ليس مقدراً لي. وأن الزواج لا علاقة له بالحب، وفي يوم ما سأضطر لحسم أمري بشأن الزواج والتنازل عن بعض الأفكار التي تبقيني على مسار الرفض في كل مرة. وبدأت دائرة معارفي الصغيرة تتسع، وتابع عملي الآلاف من الناس، وتلقيت عروض زواج وتصريحات بالإعجاب من العديد من الشباب، والمضحك في هذا أنني لم ألتق أي إنسان منهم من قبل، ولم تكن هناك صلة واحدة حقيقية بيننا، وبدأت الكوميديا تسيطر على المواقف؛ فهناك من كان جاداً بشأن الارتباط بي لأنني أجيد كتابة الحكايات، وقال إنه لن يشعر بالملل أبداً معي. وشخص أخر أخبرني أن عدد المتابعين لي هو ثروة يمكنه الاستفادة منه إن قبلته، وتركت زمام الأمور في يده! 

صححتْ مفاهيمي جملة قالتلها صديقتي ذات مرة: "لا يهم متى، أين، كيف، أريد أن أحِب، وأحَب، حتى لو أتى هذا الرجل من المريخ".

إذ ذاك أدركت أن نجاحي الصغير في عملي جعلني مشروع زواج ناجح، وضمن لي القبول الاجتماعي الواسع المدى. لكنه أيضاً باعد بيني وبين أي خطوة حقيقة أقوم بها في حياتي الاجتماعية، فكل ما يحدث على الواقع الافتراضي، يظل له تأثير الشبح، أبعد من أن يحدث تأثيراً حقيقياً له صدى في حياتي. 

اعطِ الفرصة للحب حتى لو كان آتياً من المريخ 

في هذه المرحلة من حياتي حتى لو لم يكن لدي فكرة واضحة عن الذي أريده، فقد كانت لدي فكرة شديدة الوضوح عن كل شيء لا أريده. 

لا أريد خوض تجربة الصالون مرة أخرى، ولا أريد الارتباط بشخص لم ألتق به، ولم أعرفه من قبل، لن أتخلى عن شعوري الكامل بالحب، ولن أقبل أي شخص لمجرد أنه يناسبني، وبالطبع هناك عدة شروط يجب ألا أتخلى عنها في هذا الشخص الذي أضحى هو الآخر كحكاية مختلقة أنسجها في خيالي، يأتي الواقع في كل مرة فيمضي بها، وتذهب مع الريح. 

ظل الأمر على ما هو عليه حتى صادفت room، وهي غرفة دردشة لأحد الأصدقاء، انضم إليها الكثير من الناس وكانوا يتناقشون في الأشكال العديدة التي يأتي بها الحب وتنشأ بها الروابط بين البشر. كان الحديث ممتعاً جداً، ووافقه المنطق، وقالت إحدى صديقاتي: "أنا ما يهمنيش هعرف الراجل اللي بحبه إزاي، في صالون بيتنا، في الشارع، في النادي، في الكلية، ولا الشغل، ولا حتى على النت، إن شالله يكون جاي من المريخ، المهم إني أحبه، ويحبني، وأرضى بيه تماماً، ويكون راضي بيا، ومحسش إن فيه غيره ينفعلي، إنما الطريقة والمكان مش مهم".

في الفترة نفسها راسلني أحد الأشخاص في قائمة أصدقائي، وسألني عن معرض الكتاب، لا أعلم ما الذي أتى به إلى قائمة أصدقائي، وربما هو لا يعلم أيضاً، بدأ الحديث الذي بيننا يتشعب، ويأخذ حيزاً من وقتي ووقته، وكان هناك هذا الشعور الضئيل الذي انتابني بأنني أحب الحديث معه، وبعد شهور ثلاثة كنت قد وقعت في حبه، وصرح لي بحبه. لم نكن مراهقين ومن الجدير بالذكر أن كلينا كان يرفض تماماً الارتباط بشخص ما بهذه الطريقة، كانت بيننا أميال عديدة، رتبنا للقاء أكثر من مرة، ولم يجمعنا مكان، ثم غزت كورونا العالم، وفي الشهور الأولى ظل اللقاء حلماً مؤجلاً يشوبه بعض الشك في احتمال نجاح علاقتنا التي اعتبرناها كالهرم المقلوب الذي بدأ بالحب ولم يسبقه لقاء. 

خوفتني أمي من شكل العلاقة التي التزمتها، وذكرتني بارتباطي السابق الذي لم يفلح، وقالت عمتي ساخرة: "اللي بييجي من النت، بيروح برده على النت!" 

لكننا كنا نتبادل الأعذار كي نستمر، فمن الأدب الذي يحبه كلٌ منا، كانت هناك مي زيادة التي أحبت جبران خليل جبران من دون أن تلقاه مرة واحدة في حياتهما. وكتبت له: "جبران، ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي وأني أخاف الحب، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا وكيف أفرط فيه؟ الحمد لله أنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً من هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً فما أدعك تراني إلَّا بعد أن تنسى".

فردّ عليها جبران: "الكلمة الحلوة التي جاءتني منك كانت أحب لديَّ وأثمن عندي من كل ما يستطيع الناس جميعهم أن يفعلوا أمامي، الله يعلم ذلك وقلبك يعلم". 
كانت علاقة مي وجبران علاقة مثيرة في الوسط الأدبي وقتذاك، فقد أحب أحدهما الآخر بالمراسلات التي دامت 20 سنة، وعندما توفي جبران، حزنت مي ودخلت مصحة نفسية. 

في السينما كنت أشاهد الأفلام التي تطرح معاناة العلاقات العاطفية "عن بعد"/ عن مسافة جغرافية، فمنها فيلم The lake house حيث كيت البطلة تعبر عن حبها وتقول: "الرجل الوحيد الذي لا أستطيع أن أقابله أبداً، أود أن أمنحه قلبي كاملاً" 

مخاوف العائلة والأصدقاء: الحب قد ينتهي بالحظر

خوفتني أمي من شكل العلاقة التي التزمتها، وذكرتني بارتباطي السابق الذي لم يفلح، وقالت عمتي ساخرة: "اللي بييجي من النت، بيروح برده على النت!" 

أما إحدى صديقاتي فشاركت منشوراً ساخراً في الرسائل بيننا وقالت: "هكذا ننخدع بكل ما نشتريه عن طريق الإنترنت، عندما نراه على الحقيقة، حتى الحب الذي يأتي بتلك الطريقة يكون هو الآخر معطوباً..." 

وأصدقاؤه أيضاً لم يظن أي منهم أن علاقتنا جدية، وكان المتوقع لها أن تلقى حتفها عندما ينقطع الإنترنت لسبب مجهول، أو يقوم أحدنا ذات يوم بحظر الآخر من دون سابق إنذار. 

كنا نتبادل الأعذار كي نستمر، فمن الأدب الذي يحبه كلٌ منا، كانت هناك مي زيادة التي أحبت جبران خليل جبران من دون أن تلقاه مرة واحدة في حياتهما.

وبدون ترتيب حدث اللقاء بيني وبين الرجل الذي وددت أن أمنحه قلبي كاملاً، كان اللقاء يدفعني إلى القلق والتوتر، وغرقت في دوامة من التفكير في الأمر، ماذا لو لم يكن الشخص الذي اعتقدته، وماذا لو لم أكن الشخص الذي اعتقده هو. لكن تلك المخاوف تبددت بلقاءات أخرى، حتى تيّقن كل منا أنه وجد ضالته في الآخر. 

ورغم المسافات التي تفصل بيننا وفقر اللقاء نظراً للجغرافيا، وطبيعة عمل كل منا، فإن الذي بيننا يجد كل يوم أسباباً جديدة للبقاء. 

في فيلم Going the distance الذي شاهدناه معاً كمزحة، هو يشاهده من القاهرة وأنا أشاهده من مكان يبعد عنه بمئات الأميال، كان كلا البطلين يعانيان من المسافة بينهما، فهو يقطن في نيويورك وهي تدرس وتعمل في لوس أنجلوس، ورغم محاولات اللقاء الباهظة الثمن، يستسلم الاثنان في مرحلة ما وتنتصر المسافة على الحب، وتفرق بينهما... 

تقول إحدى الشخصيات في الفيلم: "لا يمكننا أن نلتقي كل ثلاثة شهور، ونسمي الذي بيننا: علاقة".

ورغم انفصال كل منهما، لا يجد الطرفان بُداً من العودة بعد مرور شهور، لأن ما بينهما لا يزال أقوى من أن يعوضه وجود شخص آخر، ومرة أخرى وأخيرة ينتصر الحب. 

خلال تلك الرحلة الطويلة التي خاضها قلبي وعقلي، كنت أود كما قال دوستويفسكي: "أريد أن يكون هناك إنسان، إنسان واحد على الأقل، أستطيع أن أكلمه في كل شيء كأنني أكلم نفسي".

وصححتْ مفاهيمي جملة قالتلها صديقتي ذات مرة: "لا يهم متى، أين، كيف، أريد أن أحِب، وأحَب، حتى لو أتى هذا الرجل من المريخ".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard