ما هو الحبّ؟... رحلة بين الفلسفة وعلم الأحياء والأدب

الجمعة 25 سبتمبر 202012:03 م

لا لست رومنسية بالطبع. يفرحني احتفال صاخب في البحر مثلاً والكثير من القفز ولا تفرحني الشموع بل تعميني. أبحث عن فرحٍ يشبهني، وعن وجهٍ مبتسم بغير غباء، وعن حضنٍ دافىء لا يطيح بحدودي. هذا أقصى مرادي. واليوم في ذكرى ميلادي أردت أن أهديَ نفسي مقالاً عن الحبّ. في عيد ميلادي اليوم أهدي نفسي محاولات الإجابة هذه.

علماً أنني لم أطمح يوماً إلى الحبّ. شككت في أمره واعتبرت أنه قد لا يتعدّى كونه مفهوماً اجتماعياً. ذلك أنني لطالما تمكّنت، حتى بدأ الشيب يتلصّص على شعري، من إيجاد تفسيرٍ منطقيّ يقرّب بين البشر. هي المصلحة تارةً، من دون إخضاعها لاختبار الخير والشرّ، تجعل شخصاً يقاربك ويبقى إلى جانبك. هي الحاجة، أو الضعف، أو الهورمونات، وأحياناً فوبيا الفراغ المادي. يرعبني الفراغ المادي لما يحمله من استعارات تؤجّج المخيّلة. الحبّ هو تلاقي الحاجات أحياناً، يخضع للزمان والمكان والبيئة المحيطة، ولا ضمانة له أبداً. مَن يستطيع أن يضمن لك أنه يحبّك؟

رغم ذلك يقولون إن الحبّ يحقق معجزات، ويتغنّون به، لكن تعريف الحبّ متغيّر بين البشر، تحكمه الثقافات المختلفة وتجعله خارجاً عن تعريف عالميّ موحّد. ثم إن هناك حبّاً مشروطاً وآخر غير مشروط كحبّ الكلب لمعلّمه على سبيل المثال (وشبه الحصر). وهناك أيضاً حبّ بريء وآخر غير بريء، وحبٌّ يحمل نقيضه في الوقت نفسه إذ تجد نفسك تحبّ شخصاً ما وتبغضه في آن. وفوق كل هذا للحبّ مراحل أيضاً!

وهناك الجنس أيضاً، والحبّ الذي ينتج عن ارتباط جسدين. لكنّ هذا الحب أيضاً غير واضح المعالم، تشعر به النساء أكثر من الرجال الذين لا يبنون بالضرورة علاقة عاطفية مع الجسد. هو حبّ أنثوي إذاً، حبّ للنساء فقط... وهل للحبّ جنس؟

اسألوا نساء العالم جميعهن، هل لدى أي منهن تعريف واضح للحبّ؟ ثم هل تعلمون مثلاً أن قبائل منغايا تفصل كلياً بين الحبّ والشهوة وتعتبر أن الأخيرة عائدة فقط إلى حسن استخدام الشريك للتقنيات الجنسية؟

أن تحبّ شخصاً أي أن تهتمّ لأمره. نعم ولا في الحقيقة، إذ يمكنك بكل سهولة أن تهتم لأمر شخص ما من دون أن تحبّه كما يمكنك أن تحبّ شخصاً دون أن تهتمّ فعلاً لأمره. في الفترة السابقة حدّثتني صديقتان عن الحبّ وحاولنا تعريفه في كلّ مرة. في إحدى المرات كان ابن صديقتي مَن فتح نار التساؤل تلك في وجوهنا. لفتني أننا تخطّينا في الحياة مراحل عديدة من دون أن نعرّف الحبّ بشكلٍ واضح إذ صَعُب عليّ للغاية تعريف الحبّ رداً على سؤال ابن صديقتي. أن تحبّ شخصاً أي أن تقف إلى جانبه، أو أن تساعده. أن تشعر به وتتعاطف معه وتتمكّن من فهم احتياجاته. لكن ماذا إنْ لم يكن في وسعك تلبية تلك الاحتياجات؟ هل يجعلك ذلك أقلّ حباً له؟ وماذا إذا كنت غير قادرٍ أساساً على التعاطف، هل ينكر ذلك عنك حبّه؟

ما هو الحبّ إذاً؟ أهو اتحاد ما قد يكون وقتياً أو دائماً؟

ما هو الحبّ إذاً؟ أهو اتحاد ما قد يكون وقتياً أو دائماً؟ كان الفيلسوف البريطاني روجر سكروتن قد عرّف الحبّ انطلاقاً من المصالح، إذ قال إنه "يحدث في اللحظة التي تزول فيها المساحة الفاصلة بين مصلحتي ومصلحتك". هل هو إذاً اتحاد في المصالح؟ لا، يقول شارلز تايلر الذي اعتبر أن الحب غايةٌ ولا يمكن ربطه بمصالح أو غايات أبعد منه. يحكي الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم عن ذلك إذ يقول: "وإن كان أمل العشّاق القرب أنا أملي في حبك هو الحبّ"، في إشارة إلى أن الهدف من الحبّ لا يتعدّى الحبّ نفسه.

هل الحبّ مرتبط بالمتعة أم بالعذاب، أم أن ثمة معادلة كيميائية يحدث عبرها تفاعلٌ بين نسبة محددة من المتعة ونسبة أخرى من العذاب ينتج منه الحب؟ ومَن يمتلك سرّ هذه المعادلة؟ في هذا المضمار أدلى فريدريك نيتشه بدلوه، لكن دلوه هذا كان مليئاً طافحاً برفضٍ وجّهته له ثلاث مرات محبوبته، فاعتبر أن الحبّ غالباً ما تطغى عليه الأنانية والجشع، محاولاً بذلك إسقاطه من عرشه العالي المزيّف ورافضاً رفضاً قاطعاً اعتباره أمراً إيجابياً تنتج منه متعةٌ.

جورج فيلهلم فريدريش هيغل امتلك نظرةً إلى الحبّ وضّحها في أعماله الأولى وبنى عليها في أعماله اللاحقة، إذ رأى أن الحبّ شعور يحدث في اللحظة التي يعيد الاثنان فيها إحياء وحدتهما، "ففي الحبّ تصبح الأشياء المتباينة مترابطة أشدّ ارتباط"، لكنها تظلّ متباينة، مشدّداً على أهمية الفردانية في الحبّ بحيث لا يذوب الواحد بالآخر في وحدة منصهرة.

حسناً متى تنتهي هذه الدوامة من التعريفات والتناقضات؟ ماذا إذا ركّزنا اهتمامنا في حبّ الذات مثلاً؟ هل يساعدنا ذلك على فهم الحبّ؟ ففي قوله عن الحبّ، أكّد أرسطو على ألا مجال لحبّ الآخر من دون المرور بحبّ الذات.

هل الحبّ فعل رعايةٍ إذاً؟ لكن الحبّ للوهلة الأولى شعورٌ وليس فعلاً، ولا يبدو ضرورياً ربطه بأفعال. علماً أن إريك فروم رفض قصر الحبّ على حالة شعورية مجرّدة ذلك "أنَّ المشاعر الناتجة عن الحب تدفع المرء للالتزام بسلسلة من الأفعال". لكن منظوره يبدو شديد الارتباط بأخلاقيات الحبّ وليس بتوصيفه. شخصياً حين أحبّ نفسي فإنني أرعاها لأنني سمعت كثيراً من قبل عن ضرورة أن أرعى نفسي وفهمت أنك لتحبّ نفسك عليك أن ترعاها. أمارس تمارين تأمّل منذ فترةٍ أتخيّل فيها رئتيّ وقلبي وأمسّدهما بأنامل مُحِبّة. أعرف أن تحَمُّلَ سجائري وغضبي أمرٌ ليس بالهيّن. أرسل إلى أعضائي كمّاً من الحبّ لكنني لم أتعلّم بعد كيف أرسل مثله إلى كلّي أو كيف أشعر تجاه نفسي بهذا الكم من الحبّ أساساً. أعضائي تشكّلني وبإمكاني تفكيك نفسي لكن ليس بإمكاني جمعها بعد. كما أنني أنتظر أن يبلغ بي حبّ الذات مبلغاً يجعلني معه أبتعد عن العادات التي تضرّ بي وبصحّتي. لعلّ هذا الحبّ يأتي مع هذا العام الجديد، لعلّه يبلغني وأبلغه كهديةٍ لصمودي كلّ هذه السنوات.

يبدو أنني بدأت أطمح إلى الحبّ

حسناً ماذا بعد أن أرعى نفسي إذاً؟ وهل يعني ذلك أن الحبّ يُختصر بالرعاية؟ ماذا عن الأمّهات اللواتي لم يرعين أبناءهنّ؟ قد يجيب الاختصاصيون بأن الأوكسيتوسين يغلب في هذه الحال بحكم فعل الولادة لذلك نجد بعض الأمهات يجاهرن بحبّهن لأطفالهن الغائبين. إذاً ماذا عن الأمهات اللواتي لا يتمكّن من حبّ أولادهن قبل مرور سنواتٍ على الولادة مثلاً بالرغم من الأوكسيتوسين المفروز؟ أو أولئك اللواتي يتجاذبهنّ حبّ وكرهٌ تجاه أولادهنّ؟ وماذا بخصوص حبّ الأبناء لأهلهم؟ لا يرعى الأبناء أهلهم عادةً لكنهم يحبّونهم. إذاً ليست الرعاية هي المفتاح.

الحبّ مرآتنا، إذ يعكس الآخر الذي نحبّه، صورتَنا بحسب أرسطو. إذاً هو وسيلة لنتعرّف أكثر إلى ذواتنا، وبالتالي فإن ثمة هدفاً للحبّ أبعد من الحبّ نفسه وهو سبب أنانيّ بحت. أما أفلاطون فرأى أن الحبّ ينطلق من الجمال فالخطوة الأولى على سلّم الحبّ تبدأ من الانجذاب إلى الجمال وتحديداً من الجسد. اعتبر أفلاطون أن الجمال شكل وتجربة حسية في الوقت نفسه، يبدأ من الشكل وينتقل ليلامس الحواس ليصبح موضوع الحب عندها هو الجمال بذاته، ما يجعلنا نتساءل كيف يتلقّى شخصٌ غير جميلٍ الحبَّ ويدخلنا أصلاً متاهةَ الجمال النسبي.

واللافت أن أحداً من الفلاسفة الأوائل الذين تحدّثوا عن الحبّ لم يتزوّج سوى سقراط. يذكّرني هذا بحديثٍ أجريته مع صديقٍ لي حين كنّا في سنتنا الجامعية الأولى. كنت حينها غضوبةً وحادة، وكنت أجد بعض الشبّان منتفخين تستوستيرونياً إلى درجة لا يمكنني السكوت عنها. علّق صديقي تعليقاً ما حول شكل جسمي أذكر أنه تمنّى من بعده أن تنشقّ الأرض وتبلعه. لا أذكر تعليقه لكن ردّي ما زال يرنّ في أذني حتى اليوم. "عزيزي متى كانت آخر مرة نظرت إلى نفسك خلالها في المرآة؟ متى كانت آخر مرة تنبّهت إلى شكل رأسك الطويل أو إلى منخرك الممطوط أو إلى صفار وجهك. ثم هلا نظرت من فضلك إلى أسنانك؟ أتوقّع ممّن ينشدون الجمال الأمثل أن يتحلّوا ببعضه على الأقلّ!". أفلاطون منتفخٌ تستوستيرونياً، وهو أمرٌ معروف في أي حال.

"باءت رحلتي للبحث عن فهمٍ الحبّ وقياسه عبر العلم الذي يقيس كلّ شيء، بالفشل إذاً... في النهاية لا بدّ لنا أن ننتبه، لأن الكثير من الأوكسيتوسين - هورمون الحبّ - يسمّم الجسم، وهذه حقيقةٌ مثبتة علمياً أيضاً"

سقراط من جهته آمن بأن للحب مآرب. واعتبر أنه ليس أمراً جيّداً كما أنه ليس أمراً سيّئاً. لا شيء يمكن اعتباره جيّداً سوى المعرفة. يا إلهي ما أنكده! سقراط تزوّج (ولا أعلم صراحةً كيف تحمّلته زوجته) وهو يعتقد أن الحبّ جنون. ثمة مروية تقول إن زنتيب زوجة سقراط أفرغت محتوى وعاءٍ وهو يغلي على رأسه. متوقّعٌ للغاية!

ثمة مروية أخرى عن هذين الفيلسوفين، سقراط وتلميذه أفلاطون، تتعلّق بالحبّ وتتضمّن الحوار الآتي:

أفلاطون: ما هو الحبّ؟

سقراط: سأطلب إليك أن تقطع حقل القمح هذا بحثاً عن أفضل كوز قمح وأكبرها. لكن اعلم أن ليس بإمكانك العودة إلى الوراء كما لديك فرصة واحدة فقط للاختيار.

ذهب أفلاطون ليحضر أفضل كوز قمح لكنه عاد خالي الوفاض. سأله سقراط: لماذا لم تحضر شيئاً معك؟

أجابه أفلاطون: رأيت كوزاً كبيراً وجذّاباً لكنني تساءلت ما إذا كنت سأجد أفضل منه بعد لذا لم أقطفه. وظللت كلّما رأيت كوزاً جيّداً أتساءل عمّا إذا سأجد أفضل منه حتى قطعت الحقل كلّه ولم أجد ذاك الأفضل الذي كنت أبحث عنه.

أجابه سقراط: هذا هو الحبّ.

لم أقرأ يوماً أتفه من هذا التعريف للحبّ، وأتمنى من كلّ قلبي ألا يكون هذا الحوار قد حدث بالفعل.

هذا في ما يخصّ الفلاسفة، بعضهم على الأقلّ، علماً أن الفلسفة لم تتمكّن من إيجاد تعريفٍ موحّد للحبّ.

الحبّ وجيناتنا

علم الأحياء من جهته، لا سيما علم الجينات، أثبت لنا أن اختيار الشريك مرتبط بالجينات، إلى حدّ ما. ففي دراسةٍ قام بها باحثون في جامعة يال حول الدور الذي تؤديه الجينات المستقبِلة للأوكسيتوسين في العلاقات الزوجية، تبيّن أن ثمة أشخاصاً يلمسون دعماً أقلّ من شركائهم العاطفيين، بغضّ النظر عن الدعم الفعلي الذي يقدّمه الشريك، وذلك بسبب المستقبلات لديهم المعدّة جينياً كي تكون نسبة الرضا لديها أضعف. وهؤلاء أكثر عرضةً بالطبع للمشاكل العاطفية.

كما قرأنا عن أنه لن يمرّ وقت طويل حتى تصبح مواقع التعارف تطلب من المشتركين فيها مشاركة خريطتهم الجينيّة لملاءمتها مع خريطة جينية لشريكٍ محتمل لا سيما أن جينات التوافق، وهي الجينات نفسها التي تحدد ما إذا كانت عملية زرع الأعضاء ستنجح، تؤدي دوراً أساسياً في الانجذاب الجنسي الجسدي، ركيزة الحبّ الأولى في نظر أفلاطون. لكن ذلك يبدو غايةً في التبسيط وهو لا يأخذ سوى نوع واحد من الحبّ في الاعتبار متغاضياً عن الحبّ الأخوي مثلاً، أو الحبّ الأبوي.

أفضل من ذلك بعد. الحبّ مجرّد هورمون اسمه أوكسيتوسين يفرزه التلامس.

أفضل من ذلك بعد. الحبّ مجرّد هورمون اسمه أوكسيتوسين يفرزه التلامس. تماماً. إذاً لِمَ يعشق بعض الشباب ممثّلاتٍ لا يلمسوهنّ، أو لاعبي كرة قدمٍ مثلاً؟ هل يمكننا القول إن ما يعيشه هؤلاء الشباب لا يصنَّف حبّاً؟ ثم إن ثمة كيمياء متعددة للشعور بالحبّ، ولا تقتصر على الأوكسيتوسين فقط بل تتضمّن خلطةٌ هورمونية معقّدة. رغم ذلك ثمة تركيبات كيميائية مخدّرة تستنسخ شعور الحبّ وتمنحه بفيضٍ قد يجعلك تشعر بأنك تحبّ حتى الكرسي الذي تجلس عليه.

صنّفت عالمة الأنتروبولوجيا هيلين فيشر الحب إلى ثلاث فئاتٍ هي "الشهوة" و"الانجذاب" و"التعلّق"، ترتبط كل فئة منها مع مجموعة من الهورمونات التي يفرزها الجسم والدماغ. ففي الشهوة تُفرز مادتا التستوستيرون والأستروجين ويكون الدافع الجسدي الأساسي وراء هذه المرحلة هو التكاثر. كما يشير العلماء إلى تعطّل قشرة الفص الجبهي الأمامي من الدماغ في هذه المرحلة فتتعطّل بالتالي قدرة الشخص على التفكير المنطقي ما يفسّر القول الشهير بأن الحبّ أعمى. وهنا لا بد من طرح تساؤل بسيط: ألا شهوة خارج الرغبة بالتكاثر؟

"شخصياً حين أحبّ نفسي فإنني أرعاها لأنني سمعت كثيراً من قبل عن ضرورة أن أرعى نفسي وفهمت أنك لتحبّ نفسك عليك أن ترعاها. أمارس تمارين تأمّل منذ فترةٍ أتخيّل فيها رئتيّ وقلبي وأمسّدهما بأنامل مُحِبّة"

وفي الانجذاب يفرز الدماغ الدوبامين وهو هورمون المكافأة والنوريبينيفرين (النورأدرينالين) وهو هورمون مرتبط بالاستجابة العصبية لحالات الخطر المتمثّلة في خيارَي "القتال أو الهروب". حالة الانجذاب تنتج إذاً هورمونات منبّهة، ومنشّطة، كما أنها تثبّط إفراز مادة السيروتونين وهو ما يفسّر الهوس الذي يشعر به المنجذب تجاه موضوع انجذابه.

أما فئة التعلّق فتطبّق أيضاً على العلاقات غير الغرامية من مثل العلاقات العائلية وعلاقة الأصدقاء بعضهم ببعض. وفي هذه الفئة يتم إفراز هورمون الأوكسيتوسين وهو الهورمون الذي يفرز عند الولادة والرضاعة وعند بلوغ النشوة. إذاً فتعلّق الإخوة ببعضهم مثلاً ينتج عن الهورمون نفسه الذي يحكم رابط الرضاعة بين الأم وابنها؟ كما يتم أيضاً إفراز الفازوبريسين وهو هورمون ارتبط مؤخراً فقط بتسهيل الشراكة وتشجيع الروابط. ثم ما هو تفسير عدم تعطّل قشرة الفص الجبهي الأمامي في حالة التعلّق أيضاً؟

ما هذه إذاً؟ أهي فئات أم مراحل للحب؟ ثم ماذا إذا اختلطت بعضها ببعض؟ يمكن تخيّل أن نتيجة اختلاط الشهوة بالتعلّق خارج العلاقات الغرامية ستكون عقداً مثل عقدتي أوديب وإلكترا. لكن كيف هذا إذا كانت مرحلة أوديب مثلاً ضرورية في نموّ كل طفلٍ ذكر، ولمَ ربط هذا الشعور الطفولي بامرىء فقأ عينيه خِزياً؟

ثم ما هي نسبة التستوستيرون والإستروجين والدوبامين والسيروتوتين والأوكسيتوسين والنورأدرينالين والفازوبريسين اللازمة كي يتحقّق الحبّ؟ والأهم هل يعني كل هذا أن علينا شراء عبوات تحليل بولٍ وإبر سحب دم لنوزّعها على الناس الذين يهمّوننا لقياس مدى حبّهم لنا؟ ثم أين نجد جدول الكمّيات المثلى التي تشير إلى تحقّق كل فئة من فئات الحبّ؟

هل يمكن قياس الحبّ؟

ما زلتُ إذاً، رغم النظريات الفلسفية والجينية والأنتروبولوجية والعصبية، غير قادرةٍ على التوصّل إلى تعريفٍ، وإن شخصيّ، للحبّ. ماذا لو حاولت مقاربة المسألة من وجهة نظرٍ كميّة؟ هل يمكن فعلاً قياس الحبّ؟

ألم يحدث لكم يوماً أن تخيّلتم مأتمكم وتوقّعتم ردّ فعل الأحباب؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تأخذ أهميةً قصوى في نظري. ماذا لو تمكّنتُ من قياس مقدار الحبّ الذي يشعر به أبي تجاهي، أو أمي، أو أختي، أو زوجي، أو أولادي، أو أصدقائي. ألم يحدث لكم يوماً أن تخيّلتم مأتمكم وتوقّعتم ردّ فعل الأحباب؟ لقد حدث لي أن تخيّلت ذلك في مرحلة مراهقتي وكنت في ذلك مدفوعةً برغبتي في الشعور بالحبّ (أو بالانتقام ربما، لا يهمّ حالياً). مَن يتأثّر أكثر يحبّك أكثر، بغضّ النظر عن كيفية التأثّر، سواء أصمَت أم بكى أم صرخ أم... لكن هذا لا يشكّل مقياساً موثوقاً يمكن اعتماده.

يفنّد العلم الحديث أربعة مقاييس أساسية للحب، لا ترتبط بفحوص دم ولا بهورمونات، كان أوّلها مقياساً اقترحه عالم النفس الاجتماعي زيك روبن عام 1970، وهو مقياسٌ علميّ سيكولوجيّ يفرّق بين "الحبّ" و"الإعجاب" علماً أن العلاقات العاطفية الغرامية تجمع بين الحبّ والإعجاب فيما الصداقة مثلاً تكتفي بالإعجاب الأفلاطوني. وفي مقياسه للحب، ورد 13 عاملاً من بينها إنْ كان هذا الآخر يحرّك لدى المحبّ الرغبة في امتلاكه، وإن كان الشخص مستعداً للقيام بأي شيء في سبيل الآخر. لم يستقم هذا المقياس ولم يعد يُعتمد في الأبحاث والدراسات لقصوره في الإحاطة بالحبّ. والأنكى أنه لا يقيم وزناً للجنس والحبّ الجسدي.

في المقابل، اقترح جون لي عام 1973 مقياساً ثلاثي الأبعاد مبنيّاً على الألوان وميّز من خلاله بين ستة أنواع من الحبّ: "إيروس" (الحب القائم على الانجذاب الجسدي للشريك)، "لودوس" (الحب المرح والشبيه باللعبة)، "ستورج" (أسلوب يعتمد على المودة والرفقة التي تتطور ببطء)، "الهوس" (الحب الذي يتسم بالهوس والغيرة)، "أغابي" (حب الإيثار)، و"براغما" (أسلوب عملي يتضمن دراسة واعية للخصائص الديموغرافية والموضوعية للشخص المحبوب). وراح لي يمزج بين هذه الأنواع ضمن معادلاتٍ تنتج نوعاً فرعياً من الحبّ. فعلى سبيل المثال ينتج من إيروس + لودوس حبّ قوامه الاستحواذ، وينتج من إيروس + ستورج حبّ خالٍ من الأنانية وهكذا دواليك.

يجعلني جون لي أصفن. أعلم علم اليقين أن شخصاً واحداً قد يجمع بين كلّ ما سبق من أنواع حبّ، بحسب الزمان والمكان اللذين يوجد خلالهما، وبحسب حالته النفسية، وبحسب أمراضه، إلخ. علماً أن لي أكّد بوضوح أن إيروس نادراً ما يجتمع مع ستورج، وبالتالي فإن الحبّ الخالي من الأنانية نادر للغاية. لم تعمّد تصنيفه إذاً أساساً: هل لأنه الطموح الأعلى للبشر، وهل عنده يصبح المرء مبعوثاً من الرب، اللّه الكامل وحده لا كمال خارجه؟

من بعد روبن ولي حاول الباحثون تطوير مقياس الحبّ، وإذ بالباحثة إلين هاتفيلد تطرح محاولةً أخرى مبنيّة على التفرقة بين الحبّ المترافق مع الجنس والحب غير المترافق مع الجنس. وقد أطلقت على مقياسها اسم "مقياس الحبّ الشغوف"، وحدّدت أن هذا النوع من الحبّ لا يدوم سوى ما بين ستة أشهر وثلاثين. حسناً ليس هذا التعريف الذي أبحث عنه والسيدة هاتفيلد تتحدّث عن أمرٍ آخر لست في صدده هنا.

ثم جاء روبرت ستيرنبيرغ في النصف الثاني من الثمانينيات ليبتدع مقياساً ثلاثي الأبعاد للحبّ يعتمد على "التقارب" و"الشغف" و"قرار الالتزام". واللافت أنه قسّم بالتساوي بين "ما يشعر به المرء" و"ما يقوم به المرء" إظهاراً للحبّ.

يتكرّر ذكر الأفعال في الحديث عن الحبّ وقياسه.

وبالرغم من كلّ هذه المقاييس للحبّ، لا يزال الحائط مسدوداً. فقد تناولت دراسات جامعة عديدة جميع هذه المقاييس وتوصّلت إلى أنها تختلف جذرياً في فهمها وتصوّرها للحبّ، وبالتالي لا يمكن خلطها معاً لاستنباط مقياسٍ عالميّ موحّد للحبّ.

"أبحث عن فرحٍ يشبهني، وعن وجهٍ مبتسم بغير غباء، وعن حضنٍ دافىء لا يطيح بحدودي. هذا أقصى مرادي. واليوم في ذكرى ميلادي أردت أن أهديَ نفسي مقالاً عن الحبّ. في عيد ميلادي اليوم أهدي نفسي محاولات الإجابة هذه"

مجدداً فشل علماء النفس، بعد زملائهم الفلاسفة وعلماء الإنسان والجينات، في إفهامي ماهية الحبّ بدقة. كما أن مقاييس علماء النفس تلك غاب عنها حبّ الذات أي "الفيلوشيا". هل يمكننا إذاً الإجابة عن الأسئلة التي ترد في مقاييس الحبّ وكأنها تقيس حبّنا لذاتنا؟ هل يمكنني القول إنني إذ "أجد من السهل التغاضي عن أخطائي" مثلاً أو "سأقوم بأي شيء من أجل نفسي" فإنني أيضاً أؤكّد أنني أحبّ نفسي؟ وإذا كان الجواب لا، فكيف يمكن أن يُطلق على مفهومين مختلفين (حبّ الذات وحبّ الآخر) اسم الحبّ ذاته؟ وماذا يحدث حين يكون حبّ الذات متناقضاً مع حبّ الآخر؟

الحبّ إبداعٌ أدبيّ ضخم

لم يبقَ أمامي سوى الأدب إذاً، فعلى ما قال جوناثان كالر "مفهوم الحبّ إبداعٌ أدبيّ ضخم".

كتب السومريون أوّل ما كتبوا عن الحبّ من ضمن مواضيع أخرى. حدث هذا قبل أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، وقد اكتُشفت أول رسالة حبّ في العالم على ألواحٍ طينية طمرها التاريخ.

على كارت زفافنا كتبنا زوجي وأنا عبارةً واحدة فقط لميلان كونديرا: "الاستعارات خطيرةٌ والحبّ يبدأ من استعارة". اختيارٌ يبدو لي اليوم، أي بعد أقل من عقد بقليل على زواجنا، مذهلاً إنْ لناحية حاجتنا إلى تعريف الحبّ حينها أم لناحية التعريف الذي اخترناه. لو كان سقراط في وجهي الآن لقلت له: هذا بالضبط هو الحبّ، وليكن شكله كوز قمح لا مانع. لن أدخل هنا في علم الجينات وفرضية أن تكون خريطتانا الجينيتان هما مَن اختارتا لكلّ منّا شريكه.

الأدبَ هو مأساة الحبّ وتحدّيه الأكبر لأن الأدباء استفاضوا في وصف الحبّ بما حمّل الكلمة ذاتها ثقلاً يفوق أي تعريف، وأظهروا أكثر ما أظهروا جوانب الحبّ المتعلّقة بالمعاناة. فكما يقول الشاعر الفرنسي شارل راي "الأشخاص السعداء لا تاريخ لهم"، هذا على اعتبار أن الأدباء يعيدون كتابة التاريخ على طريقتهم، تاريخ الحبّ تحديداً في سياقنا هذا. كيف كتب الأدباء الرجال تحديداً الحبَّ؟ وهل يتلاقون في رؤيتهم مع الفلاسفة الرجال مثلهم مثلاً؟

من بين الأدباء مَن جاء تعريفه أو وصفه للحب متلائمَين مع آراء بعض الفلاسفة أو العلماء، ومنهم من عكس أدبُه واقعَه الشخصي المعاش. وفي حالاتٍ كثيرة اخترت بعضها هنا، كان هذا الواقع الشخصي مترادفاً مع عذابٍ ما مصدره الحبّ أو غيابه.

اعتبر وليام شيكسبير أن الحب يَرى بعين المخيّلة وليس بالعين الفعلية.

اعتبر وليام شيكسبير أن الحب يَرى بعين المخيّلة وليس بالعين الفعلية وهو سعى جاهداً لمواجهة أقوال فلاسفة ربطوا الحبّ بالجمال إذ كرّر مراراً أن الجمال ليس شرطاً للحبّ قائلاً إن "الحب لا ينظر في العينين بل في العقل". ولا يزال لغز شكل شكسبير الحقيقي يحيّر العلماء في غياب أي دليل على أنه لجأ يوماً إلى رسم أو طلب رسم بورتريه له رغم رواج البورتريهات في تلك الحقبة. قد يخطر لقارئ هذا المقال أنني ألمّح إلى أنه كان بشعاً، علماً أنني لا أفعل لكنني أتساءل أيضاً عن مدى حبّه لصورته. ومن اللافت أن جدالاً واسعاً قد انطلق مؤخراً حول ميول شيكسبير الجنسية المثلية بالاستناد إلى سونيتاته.

فيما أكّد الدوق الفرنسي فرانسوا دولاروشفوكو أن المصلحة تحكم كلّ شيء وتفسّره، واعتبر أن "حبّ الذات هو أعلى درجات الإطراء على الإطلاق" منبّهاً من الاستسلام له. كما اعتبر أن "الحبّ الحقيقي شبحٌ يتكلّم عنه الكثيرون لكن قلائل فقط مَن اختبروه"، فمَن يستطيع أن يحبّ غيره دون أن يحبّ نفسه أكثر؟ وهو بتساؤله هذا قبل نحو قرن من الزمن يلتقي مع سؤال ما زال في نظري على الأقل خارج الإجابة حتى يومنا هذا، وهو السؤال عن الحدّ الفاصل بين حبّ الذات وحبّ الغير. وفي حياة الدوق ثلاثُ نساء أثّرن في رؤيته للحبّ وزوجةٌ، كما أنه عُرف بحبّه للغواية. ليت زوجته كتبت عن الحبّ من جهتها، هل كانت لتجده شبحاً أيضاً؟

أما رابندرانات تاكور (طاغور) البنغالي فرأى أن "الحب هو الحقيقة الوحيدة" وعاب علينا السؤال عن مسبّباته معتبراً أن مَن يحبّ لا يسأل لماذا يحبّ، وربط بين الحب والحرية، فالطريق إلى الخلاص يحتّم التخلي عن الصورة السلبية للحرية الأنانية والتوجّه نحو حريةٍ إيجابية تتمثّل في الوعي والمحبّة. حمّل طاغور الحبّ الكثير من المسؤولية واعتبره التزاماً وهو تحديداً ما يهرب منه الكثيرون في تعريفهم للحبّ. إذاً هل غياب الوعي وسيطرة الحرية السلبية يلغيان الحبّ؟ أحبّ طاغور زوجته حباً جماً وفقدُها آلمه للغاية. وبالرغم من بوادر نسوية في أعماله، وبالرغم أيضاً من كلامه عن الحرية والمسؤولية، يظهر تخبّطه في مفهوم الحبّ غير الموجّه للخالق إذ تراه يعتقد أنه، هو أيضاً يصنع المرأة، حين يقول "أيتها المرأة أنت لست مَن صنع الخالق وحده بل أنت يا عروس الأزمان فن الرجال".

وفي ما قاله أوكتافيو باز المكسيكي عن الحبّ إن "الحبّ محاولة لولوج الآخر واختراقه علماً أن المحاولة لا تنجح إلا إذا استسلم الطرفان". وهو بذلك يعرّف الحب عبر تفاعل طرفين اثنين لكأن الحبّ لا يتحقّق من طرفٍ واحد. كما أنه يحكي عن الاستسلام والاختراق حتى يُخيّل إليك أنك في ساحة حرب. يرى باز أن الحب شبه متعذّرٍ في عالمنا أساساً لأن كل شيء يقف في وجهه. كانت نظرة المعركة هذه قد وردت من قبل لدى جيمس بالدوين الذي رأى أن "الحبّ معركة، والحبّ حرب".

أما شارلز بوكوفسكي الألماني الأميركي فاعتبر أن "الحبّ ضبابٌ يخفيه أول شعاع للواقع" وهو بالتالي يشبه الوهم. وهو الذي لم يجد طوال حياته مَن يحبّه، كما فيودور دوستويفسكي الذي شكا من "غياب الحبّ". لم يعرّف دوستويفسكي الحبّ لكنّه عرّف الجحيم بأنه عدم قدرة المرء على الحبّ.

غابرييل غارسيا ماركيز الكولومبي عبّر عن تطوّر الحبّ في مرحلة ما بعد الاستعمار، حيث الحبّ الأمثل يعبر الثقافات ويفهمها من دون أن يوافق بالضرورة عليها. لكنّه في حين جعله "إحساساً مناقضاً للطبيعة البشرية، يحكم على شخصين غريبين بارتباط بائس ووخيم يصبح أكثر عرضة للزوال كلما كان الحب أكثر زخماً"، وضعه أيضاً في مواجهة الدين والسلطة، وجعله يتحدّى الزمن حتى. وتلاقى ماركيز مع تايلر في اعتبار الحبّ غايةً بحدّ ذاته، "الحب نعمة، ليس وسيلةً لأي وصول بل هو الألفا والأوميغا، غاية بحدّ ذاته". وكيف لا وقد جعل بطله ينتظر محبوبته 51 عاماً و9 أشهر و4 أيام!! حبّ ماركيز متطرّفٌ أزليّ.

الياباني هاروكي موراكامي يبدو أكثر اعتناقاً لنظرية أرسطو حول الحبّ الذي يعكس صورتنا إذ يقول إن "كل من يقع في الحبّ يبحث عن أجزاء ضائعة منه". كما أنه يعرّف الحبّ على أنه تعاطف، أن تضع نفسك في مكان الآخر لتفهم منبع تصرّفاته، واللافت جداً أنه قلب المعادلة القائلة بأن مَن لا يحبّ نفسه لا يستطيع أن يحبّ غيره معتبراً أن حبّ الذات ينبع تحديداً من حبّ الآخر وليس العكس: "مَن ليس قادراً على حبّ الآخر غير قادرٍ على حبّ نفسه كما ينبغي".

وما بين شيكسبير وموراكامي مئات الأعوام ومئات التجارب ومئات الروايات والنصوص التي عبّرت عن الحبّ بمختلف أنواعه وصوّرت عذاباته، لكنها كلّها ما زالت قاصرةً عن تعريفه وقياسه.

باءت رحلتي للبحث عن فهمٍ الحبّ وقياسه عبر العلم الذي يقيس كلّ شيء، بالفشل إذاً. أما الأدب فعكس تطوّر مفهوم الحبّ عبر الزمن، وعكس أيضاً حاجته إلى مزيد من التطوّر في البحث عن الحبّ العابر للتاريخ والجغرافيا. فمِن فصله تماماً عن الزواج قبل قرون، إلى ربطه بالزواج والشغف والخيانة وتعدّد العلاقات، إلى الأمومة، فرفضها، يضيع الحبّ بين الغريزة والحرية والالتزام. هل الحبّ إذاً إحدى تلك الطاقات غير المرئية التي أثبتت الفيزياء الكمية وجودها، كما أثبتت أيضاً أن تأثيرها في نظام الحياة يفوق أي تأثير آخر؟

في النهاية لا بدّ لنا أن ننتبه، لأن الكثير من الأوكسيتوسين - هورمون الحبّ - يسمّم الجسم، وهذه حقيقةٌ مثبتة علمياً أيضاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard