أزمة المستلزمات الطبية تتفاقم... هل ينهار القطاع الصحي في لبنان؟

السبت 24 أكتوبر 202001:46 م

قبل عام من اليوم، وفي عزّ أيام الانتفاضة اللبنانية، علت صرخات الشركات المستوردة للأجهزة والمستلزمات الطبية. وقتها، جوبهت أزمة "نفاد المعدات وانقطاعها" بالإهمال من قبل حكومة تصريف الأعمال السابقة وحاكم مصرف لبنان. كان ذلك أول اختبار حقيقي لصمود القطاع الصحي.

حينذاك، وفيما كانت قيمة الليرة تتدنى تدريجياً أمام الدولار، امتنعت المصارف عن فتح اعتمادات بالدولار لهذه الشركات، خلافاً لأحكام تعميم المصرف المركزي الذي قضى بتأمين 50% من الحاجات على أساس سعر الصرف الرسمي (1507 ليرات مقابل الدولار) مقابل 50% يؤمّنها المستوردون من السوق.

بالنتيجة، جرى تقنين عمليات استيراد البضائع المخصصة لأقسام الطوارئ، غرف العمليات والعناية المشددة، المختبرات، الأشعة، وأجهزة علاج السرطان، بالإضافة إلى كامل المستلزمات الضرورية لاستمرار العمل الاستشفائي.

بعد انفجار مرفأ بيروت، توقف الاستيراد بشكل نهائي، وتسبب ذلك في اشتداد أزمة شحّ مخزون مستودعات المستوردين والمستفشيات على حدّ سواء إلى حدود غير مسبوقة، علماً أن لبنان يستورد 100% من الأجهزة والمستلزمات الطبية وأكثر من 90% من أدويته.

اليوم، يعيش اللبنانيون في حالة من الهلع. يقفون في الصيدليات، وأمام أبواب الجمعيات، بحثاً عن أدوية أمراض مستعصية فُقدت من السوق، أو جرى إخفاؤها من قبل مافيات التخزين والتهريب.

تفاقمت الأزمة في القطاع الاستشفائي إلى حدود كارثية. أحياناً تؤجّل عمليات جراحية دقيقة، وفي أحيان أخرى يستبدل الأطباء "روسورات" توسيع شرايين القلب بأخرى أقل جودة، أو ذات حجم مختلف، ما قد يتسبب بمضاعفات جراحية قد تؤدي في النهاية إلى موت المرضى بدلاً من إنقاذهم، وفق شهادات أطباء ومتخصّين.

هذا ليس إلا نقطة في بحر ما ينتظر اللبنانيين انطلاقاً من بداية العام المقبل، بحال رفعت الدولة دعمها نهائياً عن استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية. وقتها، سينهار القطاع الصحي بكل ما للكلمة من معنى.

عودة إلى جذور الأزمة

كان يُفترض أن تمرّ العملية الجراحية التي أجرتها المريضة فاطمة في مستشفى النبطية الحكومي تماماً كما تمرّ أغلب عمليات الفتق السرّي: بسلاسة وبلا مضاعفات. لكن الوضع تبدّل بعد مضي ساعة من الجراحة، على ما تقول المريضة.

"عندما نقلتني الممرضة من غرفة الإنعاش باتجاه غرفتي، لم أكن أشعر بشيء. وضعوا لي مصلاً، وقالوا إن طبيب الجراحة سيمرّ لاحقاً لكي يطمئنّ عليّ. في البداية، كان الألم أشبه بوخزات طفيفة. قلت: أكيد الوضع طبيعي. بعد ذلك تحوّل الألم إلى مغص شديد، حتى بات لا يُحتمل. ولم أعرف أن المستشفى نفدت منها أدوية المسكنات، إلا عندما بدأ زوجي بالصراخ".

تكرر هذا السيناريو مراراً في الآونة الأخيرة، في مستشفيات عدة أعلنت عزوفها عن استقبال المرضى، باستثناء الحالات الاستثنائية، كمرضى غسيل الكُلى والعلاج الكيميائي، بسبب إصرار نقابة مستوردي المستلزمات الطبية على قبض جزء من الفواتير (بين 15 إلى 25%) بالدولار غير المتوافر أصلاً.

يعيدنا هذا إلى عمق الأزمة التي تبدأ من امتناع الدولة، منذ عام 2011، عن سداد مستحقات مستشفيات القطاعين الخاص والعام (تقدّر بـ1.3 مليارات دولار)، فضلاً عمّا في ذمتها من أموال للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (تتخطى أربعة آلاف مليار ليرة)، الأمر الذي يحدّ من قدرة المستشفيات على شراء اللوزام الطبية ودفع أجور عامليها.

وفي الإطار عينه، يدخل تحذير نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، في 21 تشرين الأول/ أكتوبر، في حديث إذاعي، من أن "المال النقدي المتوافر في خزنات المستشفيات لا يكفي إلا لمصروف يوم أو يومين كحدّ أقصى"، ما يعني أن عمليات شراء المستلزمات من "الوكيل الذي لن يبيعنا بضاعته مجاناً"، كما يقول، ستتوقّف نهائياً.

في الأساس، وقبل تفشي فيروس "كورونا" (إجمالي الإصابات فاق الـ64 ألفاً)، كان القطاع الصحي في لبنان يكافح بإمكانيات ضعيفة أمام التدابير القانونية التي طبّقتها المصارف.

"قبل أيام، طلبنا أن نجري قسطرة لمريض قلب (تمييل – Cardiac Catheterization)، لكننا اضطررنا للاستعاضة عن معدات ذات نوعية عالية اعتاد طاقمنا الطبي استخدامها في عمليات مماثلة، بأخرى ذات جودة أقلّ"

انطلاقاً من تداعيات تلك التدابير يبدأ مدير مستشفى بيروت الحكومي، فراس أبيض، حديثه لرصيف22 عن أزمة المستلزمات والأدوات الطبية، بوصفها بـ"أزمة غير مستجدة". يقول إنها بدأت "عندما بدأ الحديث عن استنزاف احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان المخصص لدعم استيراد المواد الأولية" (قمح ومحروقات وأدوية)، ويؤكد أن القطاع الصحي الآن في وضع سيئ للغاية و"سيزداد سوءاً كلما تراجع الاقتصاد".

وفي حال لم تضع الدولة خطة طارئة وواضحة تفرض، في الحد الأدنى، حلاً جذرياً لمشكلة الاستيراد، فإن أمن اللبنانيين الصحي سيكون مهدداً، بحسب نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة، الذي أكد في تصريح أن رفع الدعم عن استيراد الدواء والمستلزمات الطبية "هو عملية انتحارية ستكون مفاعيلها مشابهة لكارثة انفجار مرفأ بيروت"، لافتاً إلى أن أسعار الأدوية سترتفع بمقدار ستة أضعاف، في أقل تقدير.

استشفاء بإمكانيات ضعيفة

قبل أشهر قليلة، لم يكن الوضع قد ساء إلى هذا الحد بعد، "لكننا بدأنا نلتمس تداعيات شحّ الأدوية والمستلزمات الطبية في الآونة الأخيرة"، يؤكد أخصائي الأمراض الصدرية في مستشفى أوتيل ديو الجامعي، إيهاب إبراهيم.

يقول إبراهيم لرصيف22 إن الأمور "لم تتطور إلى سيناريو مخيف بعد"، من دون أن ينفي أن "الوضع ليس مطمئِناً". ويضيف: "قبل أيام، طلبنا أن نجري قسطرة لمريض قلب (تمييل – Cardiac Catheterization)، لكننا اضطررنا للاستعاضة عن معدات ذات نوعية عالية اعتاد طاقمنا الطبي استخدامها في عمليات مماثلة، بأخرى ذات جودة أقلّ".

ويشير إلى أنه "في الآونة الأخيرة، طُلب منا الترشيد في استخدام بعض الأدوية التي شارفت على النفاد أثناء معالجة المرضى. إذا المستشفى الجامعي وهيك، شو تركنا للمستشفيات الأخرى؟".

وفي 23 تشرين الأول/ أكتوبر، صدر بيان مشترك عن ست مستشفيات جامعية هي المركز الطبي في الجامعة الأمريكية، المركز الطبي في الجامعة اللبنانية الأمريكية - مستشفى رزق، مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي، مستشفى سيدة المعونات الجامعي، مستشفي أوتيل ديو الجامعي، ومستشفى جبل لبنان الجامعي بيان أعلن أنها "تعتذر من المرضى عن عدم قدرتها على متابعة توفير الخدمات الطبية العلاجية والجراحية خلال الفترة المقبلة" بسبب النقص في المستلزمات والأدوية.

"قبل أيام قليلة انقطعت في المستشفى الذي أعمل فيه أدوية تاموكسيفين وليتروزول، والتي تعطى لمرضى سرطان الثدي للوقاية من عودة المرض... تخيّلت مصيري كامرأة في وضع نفسي صعب، أكافح السرطان، ولا أنجو في النهاية لأن قطاع الأدوية محتكَر، ولأن الدولة لا تهتم"

وأوضح البيان أن نقابة مستوردي الأجهزة والمستلزمات الطبية ونقابة مستوردي الأدوية وأصحاب المستودعات تطلب تسديد قيمة الفواتير نقداً بينما معظم فواتير المستشفيات تُسدد بواسطة شيكات أو حوالات مصرفية ولا يمكن لها "الطلب إلى المرضى، وخصوصاً في ظل الظروف الراهنة، أن يسددوا جزءاً من فواتيرهم نقداً"، داعية المسؤولين إلى "اتّخاذ إجراءات فورية لمعالجة الخلل".

بطبيعة الحال، انسحب هذا الترشيد على أغلب مستشفيات القطاع الخاص في لبنان، فباتت تبحث عن بدائل لكثيرٍ من المعدات. ولكن في بعض الأحيان، لا يجدون البديل حتى.

"وصلني من زملاء لي أن أحد المستشفيات الكبرى في البلاد باتت تلجأ إلى تعقيم حقن الخزعات (المستخدمة للحصول على عيّنات من خلايا الجسم) لإعادة استخدامها مرة ثانية وثالثة بشكل مدروس وعلمي، كما نُقل إلي، علماً أن الشركة المصنّعة للحقن المذكورة توصي بعدم استخدامها أكثر من مرة"، يقول إبراهيم، ويضيف أن "بعض المراكز التخصصية باتت تستخدم خزعات ذات أحجام أكبر مما يزيد من خطورة حدوث مضاعفات لدى المريض".

يعتبر أن "قطاع الاستشفاء في لبنان يواجه اليوم واحدة من أكبر المحن التي قد تنتهي بتراجع نوعية وجودة الاستشفاء، وتالياً المعايير، في بلادٍ لطالما تمايزت في هذا القطاع تحديداً"، واحتلّت حتى عام 2018 المركز 33 بين 195 دولة في مؤشر الوصول إلى الرعاية الصحية وجودتها (HAQ).

هجرة الطواقم الطبية إلى ارتفاع

حتى وقت قريب، كانت لدى اللبنانيين آمال في أن تتحرك عجلة الاقتصاد قليلاً، "لكن انفجار مرفأ بيروت، في الرابع من آب/ أغسطس، بدّل المعادلة بشكل قاطع"، على ما ترى رنا، وهي ممرضة تعمل في مستشفى الزهراء (في العاصمة بيروت) بنصف راتب، منذ حزيران/ يونيو الماضي.

"بعد الانفجار، اتّخذتُ قراراً حاسماً بالانضمام إلى عائلة عمي المهاجر إلى مدينة سيدني الأسترالية. قبل أيام قليلة انقطعت في المستشفى الذي أعمل فيه أدوية تاموكسيفين وليتروزول، والتي تعطى لمرضى سرطان الثدي للوقاية من عودة المرض. تبيّن لاحقاً أن الأدوية مقطوعة في كل المناطق اللبنانية. تخيّلت مصيري كامرأة في وضع نفسي صعب، أكافح السرطان، ولا أنجو في النهاية لأن قطاع الأدوية محتكَر، ولأن الدولة لا تهتم"، تقول.

في الأساس، يعاني لبنان من نقص في طاقم التمريض، إذ "يوجد أقل من 17 ممرض/ة وقابلة لكل عشرة آلاف شخص"، بحسب نقابة الممرضين والممرضات في لبنان. والآن، يتجه العديد من هؤلاء إلى مغادرة البلاد.

في دراسة أعدّتها "مبادرة الإصلاح العربي" ونُشرت أخيراً، تقدم نحو 200 فرد من طواقم التمريض بطلبات لترك وظائفهم من أجل العمل في الخارج، بالإضافة إلى أكثر من 300 طبيب. بين هؤلاء الطبيب المتخصص في جراحة الأعصاب في مستشفى أوتيل ديو، فرَد بطيش، الذي أكد لرصيف22 أن ما يبحث عنه "ليس فقط الاستقرار المهني، إنّما بالأحرى الاستقرار على كافة الأصعدة".

وفق بطيش، "ساهمت سلسلة الأحداث المتسارعة خلال هذه السنة، وأغلبها سيّئ للأسف، بترسيخ فكرة المغادرة الجدّية دون عودة، أقلّه في المدى القريب، بدءاً من الأزمة الاقتصادية التي تمنع أيّ طبيب جديد ينوي مباشرة مهنته في هذا البلد من العمل، مروراً بأزمة القطاع الاستشفائي، ووصولاً إلى مسك الختام الذي تجلى بانفجار المرفأ".

الكثير من زملاء الطبيب الشاب، ومنهم أساتذته، "غادروا أو هم على طريق المغادرة. هناك مَن بدأ بالتخطيط لتوّه"، يتابع لافتاً إلى أن القطاع الصحي "الذي يُعتبر من الأقوى في لبنان وفي الشرق الأوسط بات اليوم في وضع كارثي، وسيزداد سوءاً في الأشهر المقبلة، في ظل عدم وجود أي خطة واضحة للخروج من الأزمة وتفادي الانهيار".

برأيه، حقق اللبنانيون الكثير منذ اندلاع الانتفاضة، ولكن "أيادي الطبقة الحاكمة كانت لنا في المرصاد، وعادت بنا في النهاية إلى نقطة الصفر لتقول: أنا الأقوى هنا، مهما فعلتم".

صمود القطاع الصحي رهن الاستيراد

في تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش"، تقول المتحدثة باسم تجمّع مستوردي الأجهزة الطبية، سلمى عاصي، إنهم "عاجزون عن استيراد المعدّات الطبية منذ أيلول/ سبتمبر 2019، بسبب نقص الدولار وغياب القوانين التي تمنع المصارف من تقييد التحويلات المالية إلى الخارج عشوائياً"، وإنهم تمكّنوا، مذاك، من تأمين أجهزة بقيمة 10 ملايين دولار، أي "أقلّ من 10% من حاجات البلاد".

وحسب عاصي، يفتقد القطاع الصحي "لوازم حيوية للاستجابة لكورونا، بما في ذلك جميع المواد التي تُستخدم لمرة واحدة مثل القفازات، والكمامات، والبدلات الواقية"، مشيرةً إلى أن المستوردين يعجزون عن تأمين أجهزة التنفس أو قطع الغيار للأجهزة المعطّلة.

لكن ثمة ما هو كارثي أكثر. في تصريح لاحق، أكدت عاصي أن آخر شحنة مستلزمات طبية استوردتها الشركات التي استغلت فتح المصارف اعتمادات مالية لها، بعد أشهر طويلة من المماطلة، بقيت عالقة في مرفأ بيروت الذي انفجر، وتحديداً في محطة الحاويات التي تضرر جزء منها، من دون أن يتبدى مصيرها.

بعد مرور أكثر من شهرين على كارثة المرفأ، ما زال اللبنانيون ينتظرون كشوفات وزارة الصحة، للتحقق من البضاعة التي لن تستطيع أن تغيّر شيئاً من حدة الأزمة، حتى وإن تبيّن أنها سليمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard