أزمة دستورية واحتجاجات… كواليس المعركة بين قيس سعيّد وهشام المشيشي

الأربعاء 27 يناير 202103:33 م

في أزمة سياسية جديدة، اعتبر الرئيس التونسي قيس سعيّد التعديل الحكومي الذي أعلن عنه رئيس الوزراء هشام المشيشي مؤخراً "غير دستوري"، لافتاً إلى أن الوزراء الجدد لن يؤدوا اليمين.

وعليه، ظهرت المعضلة أن الوزراء الجدد الذين حصلوا على ثقة البرلمان في 26 كانون الثاني/ يناير، لن يكونوا شرعيين أو يمارسوا عملهم دون أداء القسم أمام رئيس الجمهورية حسب نص الدستور.

يهدد مؤيدو رئيس الحكومة سعيّد بالعزل بتصويت ثلثي البرلمان على رفع الثقة منه، لأنه يعطل مؤسسات الدولة، مشيرين إلى آراء أساتذة في القانون الدستوري بشأن عدم جواز أن يرفض سعيد أو يقبل، بل هو مجبر على أن يؤدوا القسم أمامه.

بموازاة الجدل السياسي، يتزايد الحراك والاحتجاجات في الشارع الذي يطالب بإسقاط النظام، وهو ما أسفر عن حصار للبرلمان، ومقتل متظاهر في اشتباكات مع الشرطة.

ولعل المعضلة الحقيقة تكمن في غياب المحكمة الدستورية العليا المختصة في حل النزاعات بين رئيس الجمهورية ورئاسة الوزراء والبرلمان، بحسب متابعين أشاروا إلى أن هذه الأزمة حدثت كذلك خلال عهد الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ورئيس الوزراء السابق يوسف الشاهد.

أزمة القسم

قال سعيّد في جلسة لمجلس الأمن القومي إن التعديل الوزاري لم يحترم الإجراءات التي نص عليها الدستور، وتحديداً ما نص عليه الفصل 92 منه، أي ضرورة التداول في مجلس الوزراء إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة، مشيراً إلى أنه تم الإخلال بإجراءات أخرى.

واعتبر سعيّد أن بعض الوزراء المقترحين في التعديل الوزاري تتعلق بهم قضايا أو لهم ملفات تضارب مصالح، مشيراً إلى أن "من تعلقت به قضية لا يمكن أن يؤدي اليمين الذي من المفترض أن يؤديه أمام رئيس الجمهورية".

وأثار الرئيس أزمة أخرى بعدما صرح بأن ليس هناك ما يدعو إلى عرض التعديل الوزاري على مصادقة مجلس نواب الشعب، موضحاً أنه ليس هناك في النص الدستوري ما يدعو لذلك.

كان المحللون يتوقعون أزمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وذلك بعدما أقال المشيشي، في 6 كانون الثاني/ يناير الحالي، وزير داخليته توفيق شرف الدين المعروف أنه محسوب على سعيّد... كيف تفاقمت الأزمة السياسية في تونس وما سيكون مصير الحكومة؟

وقال رئيس الدولة إن ''هذا الحكم جاء به النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب والنظام الداخلي هو داخلي لا يتجاوز أسوار قصر باردو وليس قانوناً من قوانين الدولة، لكن ما دمتم قد اخترتم هذه الممارسة كان يجب احترام الإجراءات التي نص عليها الدستور".

وكان المحللون يتوقعون أزمة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وذلك بعدما أقال المشيشي، في 6 كانون الثاني/ يناير الحالي، وزير داخليته توفيق شرف الدين المعروف أنه محسوب على سعيّد.

ماذا سيحدث؟

بينما لوّح رئيس الجمهورية بأنه لن يقبل بأن يؤدي الوزراء الجدد القسم الدستوري أمامه، اعتبر أساتذة قانون دستوري أن سعيّد مجبر على عدم الرفض الجديد.

وأشار صلاح الدين الجورشي إلى خلاف بين أساتذة القانون الدستوري حول من يرى في أداء اليمين مسألة جوهرية وبين من يعتبرها شكلية.

وقال موضحاً في حديثه لرصيف22: "حتى الرئيس سعيد اعتبرها قبل ترشحه للرئاسة مسألة شكلية. لهذا يمكن أن يحصل حولها تنازل دستوري في حال تمسك بها سعيّد لكن موقف رئيس الحكومة مدعوم أيضاً. والصراع على الحكم وصلاحياته مرشح للتصعيد".

وكان الشاهد قد أجرى تعديلاً وزارياً دون مشاورة السبسي، وهو ما أدى إلى أزمة مماثلة، فصرّح سعيّد نفسه حينها بأن رئيس الوزراء هو مخول حسب الدستور باختيار حكومته وأن الرئيس ليس لديه حق الاعتراض.

وتابع الجورشي: "الرئيس أصبح يميل إلى معركة البحث عن الصلاحيات، وقد يتمسك بمحاصرة رئيس الحكومة، لكن ذلك يأتي على حساب استقرار المؤسسات".

وقالت أستاذة القانون الدستوري منى كريم الدريدي إن رئيس الجمهورية مجبر على قبول الوزراء المقترحين في حكومة المشيشي لأداء اليمين.

وكتبت الدريدي على حسابها في فيسبوك: ''في علاقة بأداء اليمين، يُعتبر اختصاص رئيس الجمهورية مقيداً. لم يترك له الدستور خياراً للرفض أو القبول. فهو إذاً مجبر على قبول أداء اليمين''.

من جهته، حذّر كمال بن مسعود، وهو أستاذ مختص في القانون الإداري والدستوري، من أن سعيّد مهدد بالعزل من الرئاسة.

في المقابل، قال أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ إن الوزراء سيكونون غير شرعيين ولا يمكنهم ممارسة عملهم دون أداء القسم أمام رئيس الجمهورية.

"رئيس الجمهورية مُجبَر على قبول الوزراء المقترحين في حكومة المشيشي لأداء اليمين"... جدلٌ في تونس وتهديد بعزل الرئيس بعدما اعتبر الأخير التعديل الحكومي الذي أعلن عنه رئيس الوزراء "غير دستوري"

وأشار محفوظ إلى أن حل الخلاف يكون باللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، والتي لم يتم تشكيلها، وعليه، فإن رئيس الجمهورية هو السلطة الأعلى المخول بحسم الأزمة.

الاحتجاجات

فيما يتصاعد الصدام بين رئيسي الجمهورية والحكومة، ذكرت وسائل إعلام رسمية تونسية أن متظاهراً أصيب خلال اشتباكات مع الشرطة توفي في المستشفى، ما أدى إلى اشتباكات أكثر عنفاً بين المتظاهرين والأجهزة الأمنية في بلدة السبيطلة، على بعد حوالي ثلاث ساعات جنوبي العاصمة تونس.

ودعت منظمات المجتمع المدني وناشطون إلى تظاهرات أمام البرلمان، يوم 26 كانون الثاني/ يناير في باردو، حيث تجمع المئات الذين رددوا هتافات تنادي بإسقاط النظام السياسي.

وأغلقت الشرطة الطرق المؤدية إلى البرلمان الذي كان محاطاً بمدرعات خوفاً من اقتحامه، فيما كان رئيس الحكومة يلقي كلمة أمام المجلس تعهد خلالها بتطوير مؤسسات الدولة، محذراً من الشعبوية، في إشارة إلى رئيس الجمهورية.

وشهدت تونس موجة اشتباكات ليلية في الآونة الأخيرة، خلال تظاهرات غاضبة احتجاجاً على فشل الحكومات المتعاقبة في الوفاء بوعود ثورة 2011، وسط انهيار اقتصادي تفاقم بسبب جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق.

واحتجاجاً على قمع القوات الأمنية لهم، ردّ ناشطون باحتجاجات نهارية ضد عنف الشرطة والفساد والفقر، بعد 10 سنوات من الثورة التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، فيما اتهمت أمهات في العاصمة التونسية السلطات باعتقال أولادهن تعسفيا رداً على الاضطرابات، وأشارت جماعات حقوقية إلى أنه جرى اعتقال ما لا يقل عن ألف شخص.

ودعت 28 جماعة ومنظمة من المجتمع المدني إلى مسيرة تنديداً بقمع الشرطة واعتقال المتظاهرين أمام البرلمان التونسي.

وكان من اللافت أن عدداً كبير من قياديي "حركة النهضة" المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين دافع عن الإجراءات الأمنية التي شهدتها البلاد في مواجهة الاحتجاجات، بل شكر بعضهم النظام قبل الثورة على تأسيس جهاز أمني قوي لطالما اتهموه بتعذيبهم وقمعهم.

ومن هؤلاء عضو "حركة النهضة" محمد الحمروني الذي قال في لقاء تلفزيوني: "من حسنات الرئيس السابق زين العابدين بن علي إنو خلّى جهاز أمني قوي يحمي مؤسسات الدولة".

معركة بين النخبة السياسية والشعب

في رأي عدد من السياسيين، فإن المعركة هي بين الأحزاب السياسية التي تتصارع في البرلمان الذي بات غارقاً في مشاحنات وأعمال عنف بين "الحزب الدستوري" برئاسة عبير موسي المحسوبة نظام بن علي و"الكتلة الإسلامية".

"هناك محاولة لتصوير الأمر على أنه مجرد خلاف بين الرئيس التونسي ورئيس الوزراء، لكن المعركة الأساسية هي بين الشعب والنخبة السياسية الأسوأ في تاريخ البلاد".

وقال المحلل السياسي بلحسن اليحياوي إن "هناك محاولة لتصوير الأمر على أنه مجرد خلاف بين الرئيس التونسي ورئيس الوزراء، لكن المعركة الأساسية هي بين الشعب والنخبة السياسية الأسوأ في تاريخ البلاد".

وأوضح اليحياوي، في حديثه لرصيف22، أن المشكلة في تونس تكمن في النظام الانتخابي الذي يعتمد على القوائم التي أدت إلى دخول شخصيات يفتقرون إلى الكفاءة إلى أعلى جسم سياسي في البلاد، وهو البرلمان.

ورأى المحلل التونسي أن الشعب أدرك أن "هؤلاء لم يقدموا أي شيء، وأن مصالحهم الشخصية أهم من تونس، وأهم من المواطنين والناخبين، وبالتالي أدرك أن التغيير الأفضل لن يأتي منهم، ومن الضروري استبدالهم بآخرين، كما أن المنتفضين لم يعودوا ينتظرون تغييراً دستورياً من قبل الرئيس لتغيير النظام السياسي، بل يريدون حل البرلمان فوراً".

وأشار اليحياوي إلى وجود خلاف بين الرئيس ورئيس الوزراء بسبب إقالة المشيشي لوزراء محسوبين على سعيّد، لكن السياسيين والناشطين والمنتفضين أدركوا أن أولويات هذه الحكومة مختلفة تماماً عما ينتظره الناس، وكل ما يسعى إليه رئيس الوزراء هو البقاء واسترضاء كتلتي "النهضة" و"قلب تونس" بعدما انضمت لهما كتلتا "الإصلاح" و"الكرامة" لتُشكل حزاماً سياسياً داعماً للحكومة في البرلمان.

وفي النهاية، عبّر المحلل التونسي عن خشيته من عودة العمليات الإرهابية واستهداف السياسيين مجدداً إلى تونس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard