سعيّد الرئيس غير سعيّد رجل القانون الثوري... مواقف الرئيس التونسي تخالف التوقّعات

السبت 14 نوفمبر 202011:44 ص

بعد أكثر من عام على انتخابه رئيساً لتونس، يواجه قيس سعيّد موجة انتقادات واسعة مردها لخيبات أمل أحدثتها مواقفه من قضايا داخلية وإقليمية، وأتت على عكس توقعات فئة واسعة من الشعب التونسي كانت قد منحته ثقتها التامة.

ويرى البعض أن سعيّد رجل القانون الدستوري الثوري ليس هو سعيّد رئيس الجمهورية الذي أدى يوم 23 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019 اليمين الدستورية، فيما يؤكد آخرون أنه لا يزال ثابتاً على العهد.

الموقف من التطبيع

خلال مشاركته في مناظرة تلفزيونية، بتاريخ 11 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، قال سعيّد الذي كان مرشح الدور الثاني للانتخابات الرئاسية آنذاك، في رده على سؤال حول موقفه من التطبيع مع إسرائيل: "التطبيع كلمة خاطئة، هي خيانة عظمى، ومن يتعامل مع كيان شرّد شعباً كاملاً لمدة أكثر من قرن خائن ويجب أن يُحاكَم بتهمة الخيانة العظمى".

وتابع معتبراً أن "الوضع الطبيعي أننا في حالة حرب مع كيان محتل وغاصب، القضية هي قضية شعب محتل لا يزال مشرّداً في المنافي وتحت الخيام ولا يمكن أن نتعامل مع عدو".

ولكن في أول اختبار واقعي له، فاجأ سعيّد الرئيس ناخبيه بموقفه من تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل، بقوله في بيان لرئاسة الجمهورية يوم 19 آب/ أغسطس الماضي: "لا نتدخل في اختيارات الدول ولا نتعرض لها ونحن نحترم إرادة الدول فهي حرة في اختياراتها وأمام شعوبها".

تعليقاً على ذلك، يقول رئيس "الهيئة الوطنية لمناهضة التطبيع والصهيونية ودعم المقاومة" أحمد الكحلاوي لرصيف22: "رفع سعيّد مجرّد شعار ′التطبيع خيانة عظمى′ من ناحية عاطفية صرفة ليست لها علاقة بأصل الموضوع ولم يذهب إلى عمق المسألة".

ويضيف "شعرتُ بخيبة أمل لكن يمكن أن يتعرض رئيس الجمهورية إلى ظروف وضغوطات سياسية وهو يفتقر للتجربة السياسية، مع ذلك كان عليه أن يوضح هذا الأمر".

في المقابل، يُشدد عضو حملة سعيّد الانتخابية عن محافظة بن عروس طارق الرحالي على أن موقف سعيّد ثابت إلى اليوم، ويقوم على تعامل تونس مع الدول الصديقة والشقيقة في إطار الاحترام المتبادل للشأن الداخلي لكل دولة.

ويُبين أن "سعيّد، ومن منطلق مسؤوليته كرئيس دولة مُطالَب باحترام سيادة دولته، عليه أن يحترم سيادة الدول التي اختارت التطبيع، ومن غير المعقول الاستجابة للدعوات المطالبة بمقاطعة كل هذه الدول لأن مصلحة تونس تأتي في المرتبة الأولى".

استعمار أم "حماية"؟

في جانب آخر، وفي تصريح صحافي له بتاريخ 17 أيلول/سبتمبر عام 2019 حول مستقبل العلاقات مع فرنسا وعقود الشركات الأجنبية في تونس، أكد سعيّد "ضرورة احترام سيادة تونس على ثرواتها وحدودها وضرورة مراجعة كل العقود الموقّعة والتي ستوقع مع الشركات الفرنسية والأجنبية لاستغلال ثروات تونس".

لكن وبعد تأكيده على ضرورة احترام سيادة تونس على ثرواتها، فاجأ سعيّد التونسيين بتوصيفه، إثر زيارته فرنسا يوم 22 حزيران/يونيو الماضي، الاستعمار الفرنسي لتونس بـ"الحماية الفرنسية"، وهو نفسه الذي كان يتحدث عن "عملاء الاستعمار في الداخل" حين كان يتحدث مع المطالبين بالعلمانية في تونس.

بعد مرور أكثر من عام على انتخابه رئيساً لتونس، يواجه سعيّد موجة انتقادات واسعة بسبب خيبات أمل أحدثتها مواقف متناقضة أطلقها من قضايا داخلية وإقليمية، منها التطبيع والاستعمار والأزمة الليبية... جولة على أبرز هذه المواقف  

وقال سعيّد لقناة "فرانس 24" الفرنسية، يوم 23 من الشهر نفسه، إن "تونس كانت تحت نظام الحماية وليست تحت الاستعمار المباشر مثل الجزائر، وإن اللائحة التي تقدم بها حزب ائتلاف الكرامة لمطالبة فرنسا باعتذار رسمي والتي أسقطها البرلمان يوم 10 يونيو/حزيران الماضي، لم تكن بريئة"، متسائلاً: "لماذا نطالب بالاعتذار بعد 60 سنة؟".

"كانت هذه القطرة التي أفاضت الكأس، أعتقد أن كافة الشعب التونسي شعر بخيبة أمل كبيرة تجاه رئيس جمهورية انتخبناه ظناً منا أنه سيكون رئيساً جامعاً لكل التونسيين ويعبّر عن تطلعاتهم"، يعلق نائب الائتلاف أمين ميساوي.

ويقول ميساوي لرصيف22: "أراد سعيّد طمس تاريخ تونس التي عانت من الاستعمار الفرنسي وكنا نتصوره أقوى بكثير، لكن لاحظنا فيه خنوعاً وخضوعاً وجبناً، نتمنى عليه أن يتدارك ذلك".

في المقابل، يرى الرحالي أن أطرافاً استغلت تصريح سعيّد في إطار مناكفات سياسية فحسب، وأن سعيّد تناول المسألة من جانب قانوني لأنه في حال مطالبة تونس فرنسا بالاعتذار أمام المحاكم الدولية فستقدم باريس وثيقة قانونية تثبت أن السلطة التونسية طلبت الحماية عام 1881 في إطار معاهدة حماية، وهكذا "لن يكون موقفنا القانوني صائباً".

قضية المهاجرين غير النظاميين

في موضوع آخر، اعتبرت بعض المنظمات المهتمة بملف الهجرة غير النظامية طريقة تعاطي سعيّد مع هذا الملف "مُخيّبة للآمال"، خاصة أمام ارتفاع أعداد المهاجرين التونسيين غير النظاميين في كل من إيطاليا وفرنسا، دون تدخله لتسوية وضعيات إقامتهم في هذه الدول.

يأتي ذلك بعد أن كشفت صحيفة "لو باريزيان" الفرنسية عن تعهد سعيّد لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اتصال هاتفي مساء السبت 31 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بتسهيل منح التصاريح القنصلية، وهي وثائق ضرورية من أجل الترحيل القسري للتونسيين المقيمين بطريقة غير نظامية في فرنسا.

ولم تعلّق رئاسة الجمهورية على ما ذكرته الصحيفة، مكتفية بالقول إنه تم خلال المكالمة الهاتفية "تناول العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين إلى جانب التطرق إلى العمليات الإرهابية التي عرفتها فرنسا ولا تزال".

ويعتبر رئيس جمعية "الأرض للجميع" عماد السلطاني أن "تونس لم تشهد تجاهلاً لملف الهجرة غير النظامية كما يحدث اليوم مع سعيّد"، معبّراً عن "خيبة أمل بعد موافقة الرئيس الضمنية على طلب الجانب الفرنسي بترحيل مهاجرين تونسيين غير نظاميين قسراً".

وتأسست الجمعية عام 2011، وتعمل على المساعدة في حل ملف التونسيين العالقين في الخارج.

ويقول السلطاني لرصيف22: "كنا ننتظر من سعيّد رجل القانون إلغاء اتفاقية 2011 مع الجانب الإيطالي المتعلقة بتعميم الترحيل القسري لمخالفتها كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية غير أنه لم يفعل، حتى أن عدد المُرحّلين قسراً من إيطاليا في عهده ارتفع من 80 إلى 120 تونسياً ومنهم من هو مصاب بالكورونا، عوض العمل على تسوية وضعياتهم".

الموقف من الأزمة الليبية

من جهة ثانية، لم يمرّ رفض سعيّد دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للمشاركة في أعمال المؤتمر الدولي حول ليبيا في برلين، يوم 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، مرور الكرام.

وأرجع بلاغ صادر عن وزارة الخارجية التونسية، يوم 18 كانون الثاني/ يناير الماضي، رفض سعيّد الحضور إلى "ورود الدعوة بصفة متأخرة وعدم مشاركة تونس في المسار التحضيري للمؤتمر… واعتباراً لحرص تونس الثابت على أن يكون دورها فاعلاً كقوة اقتراح".

ويرى عضو مجلس شورى حركة النهضة قسومة قسومة، في تصريحه لرصيف22، أن هذا الرفض أفقد تونس دورها كبلد مجاور في حل الأزمة الليبية وما يترتب عنه من خسائر اقتصادية، فضلاً عن اقتراح سعيّد حلاً في ليبيا عن طريق القبائل لاقى سخط الأطراف السياسية الليبية.

وكان سعيّد قد التقى، يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر عام 2019، في قصر قرطاج، ممثلي المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية لبحث الإمكانيات المتاحة لإيجاد حل للأزمة الليبية.

في مقابل ذلك، يؤكد ممثل حملة سعيّد الانتخابية عن محافظة الكاف منصف العبيدي أن سعيّد اختار الوقوف مع الشعب الليبي وليس مع أي طرف ليبي أو محور خارجي ضد آخر، رافعاً شعار أن حل الأزمة لن يكون إلا ليبياً.

ويشدد العبيدي، في حديثه لرصيف22، على أن نتائج موقف سعيّد الإيجابية تتلخص في احتضان تونس يوم 9 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي ملتقى الحوار السياسي الليبي برعاية بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، وعلى أن رفض سعيّد المشاركة في مؤتمر برلين سببه رفضه أن يكون حضور تونس صورياً فحسب.

انتقادات أخرى

ثمة ما يشبه الإجماع على أن سعيّد ساهم في زعزعة الاستقرار السياسي في البلاد وفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية لتونس.

ويلفت الناطق الرسمي باسم حزب "مشروع تونس" ماهر بن عثمان، في حديثه لرصيف22، إلى أن سعيّد لم يتخذ أي قرار حاسم بخصوص أزمتي إيقاف إنتاج الفوسفات من قبل محتجين في محافظة قفصة وغلق الفانا (مضخة البترول) من طرف شباب منطقة الكامور في محافظة تطاوين للمطالبة بالتنمية والتشغيل، رغم انعكاساتهما الخطيرة على اقتصاد البلاد.

ويشير إلى وجود "ارتباك" على مستوى أداء سعيّد في السياسة الخارجية، قائلاً: "كان عليه تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لفك الخناق على بلادنا، فالسياسة الخارجية ليست مجرد بيانات، الأزمات تتفاقم لكننا لا نرى حضوراً للرئيس يطمئن التونسيين، فلسنا بحاجة إلى خطاب لغة عربية زمخشرية".

سياسياً، يرى بن عثمان أنه كان على سعيّد جمع نسبة هامة من الطيف السياسي حوله والمبادرة بتنظيم مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي دعا إليه حزبه منذ أيار/ مايو الماضي، لكن "نرى وكأن ساكن قرطاج ليس معنياً بالوضع السياسي العام المتأزم في تونس".

"سعيّد أصغر كثيراً من المنصب الذي يتولاه، وكأنه رئيس حزب سياسي أو جمعية مختصة في الشأن العام"... بعد أكثر من عام على توليه رئاسة الجمهورية، يواجه قيس سعيّد انتقادات داخلية بشأن عدم التزامه بوعود أطلقها وبصورة له قدمها حين كان رجل قانون مرشحاً للانتخابات 

بدوره، يعتبر قسومة أن "سعيّد لم يكن وفياً لمهامه في حماية الدستور وتكريس الوحدة الوطنية في عدة مناسبات".

من بين هذه المناسبات، يقول قسومة، كان تهميش سعيّد للسلطة التشريعية ولرئيسها راشد الغنوشي بترديده في أكثر من مناسبة أنه لا يوجد إلا رئيس واحد، ومن خلال دعوته رئيسي البرلمان والحكومة إلى القصر، ووقوفه بينهما لتقديم محاضرة في القانون وإظهارهما في وضع التلاميذ".

ووصلت محاولة إقصاء سعيّد للغنوشي، وفق قسومة، إلى حدّ إشرافه يوم 15 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي على اجتماع المجلس الأعلى للجيوش بينما لم يُدع له الغنوشي، وهذا المجلس هو استعاضة عن مؤسسة "مجلس الأمن القومي" الذي ينص الفصل 77 من الدستور على أن "يتولى رئيس الجمهورية رئاسة مجلس الأمن القومي ويُدعى إليه رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب".

كما يشير قسومة إلى "تجاوز سعيّد صلاحيات الرئيس كما يحددها دستور 2014، من خلال المحاولات المتكررة للسيطرة على الحكومة وتحويل رئيسها إلى مجرد وزير أول".

وتجلى هذا الواقع إثر فشل حكومة الحبيب الجملي في الحصول على التزكية وعودة المبادرة إلى الرئيس في اختيار "الرجل الأقدر" لتشكيل الحكومة، رغم توقف دوره دستورياً عند تسمية الشخصية التي تحظى بدعم أغلبية الكتل النيابية بعد التشاور معها، حسب قسومة. 

وينص الفصل 89 من الدستور على أن "يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، بتكوين الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة".

ويضيف أن سعيّد "عيّن في مناسبة أولى شخصية (إلياس الفخفاخ) لا تملك كتلة نيابية ولا هي مرشحة من الأحزاب ليضع النواب أمام خيارين سيئين، إما تزكية حكومة لا تمثل الأحزاب بما يعني إفراغ الانتخابات من جدواها أو رفض التزكية بما يسمح بالتمديد لحكومة تصريف الأعمال ليوسف الشاهد المتحالف مع الرئيس".

"وبعد تزكية تلك الحكومة وتبين تضارب المصالح في شخص رئيسها، واصل سعيّد دعمها وحاول إثناء البرلمان عن المضي في سحب الثقة، لكن بعد وصول عريضة السحب إلى مكتب البرلمان، تحدثت رئاسة الجمهورية عن استقالة سابقة وذلك للاحتفاظ بالمبادرة في تعيين رئيس الحكومة وحرمان الحزب الأول في الانتخابات من ذلك وهو حركة النهضة"، كما يقول قسومة.

حملات

رداً على ذلك، يصر الرحالي على أن رئيس الجمهورية لم يُقصِ الأحزاب وتشاور مع الجميع وطلب من كل الأحزاب الممثلة في البرلمان إرسال اقتراحاتها مكتوبة باعتبار أن الدستور لم يفرض شكل المشاورات.

ويوضح أن أكثر الاتهامات تداولها حزب "قلب تونس" رغم أن سعيّد وباعتباره رجل قانون "من حقه إقصاء حزب تحوم حوله شبهات فساد لم يفصل فيها القضاء بعد، ما يعني أن اتهامات الحزب تدخل في باب الحملات ضد الرئيس الذي لم يذعن لطريقة عمل بعض الأطراف".

تنكُّر سعيّد لوعوده الانتخابية، يفسره المحلل السياسي فتحي الزغل، لرصيف22، بقوله إن "سعيّد أصغر كثيراً من المنصب الذي يتولاه، وكأنه رئيس حزب سياسي أو جمعية مختصة في الشأن العام، يخطب بلغة خشبية لا تدل على قيمة منصبه كرئيس للجمهورية".

كما يعزو الزغل تغيّر مواقف سعيّد إلى "اصطفافه إلى جانب القوى اليسارية التي عُرفت بخذلان مطالب الثورة والتي مكّنها من المناصب الاستشارية في القصر، مقابل اصطفافه ضد القوى المحسوبة على الثوريين وهم أساساً من إسلاميي حركة النهضة وائتلاف الكرامة و بعض المستقلين ذوي التوجهات الثورية المعلنة".

في المقابل، ينفي الرحالي عن سعيّد هذه الاتهامات، مشدداً على أن "ممارسة السلطة تختلف عن الحديث عنها من الخارج".

ويرى أن سعيّد وبالنظر إلى منصبه مطالب بواجب التحفظ، وأن الفئة التي تشعر بخيبة أمل لا تزال تستبطن الحكم الرئاسي في العهدين البورقيبي والنوفمبري حين مُنحت كافة الصلاحيات لرئيس الجمهورية الذي "يأمر اليوم ويُنفّذ غداً"، ولم تع بعد نظام الحرية الذي أفرزته الثورة وهو ما يعمل على ترسيخه سعيّد.

ويعتبر الرحالي أنه لولا انتشار الكورونا في تونس، وما رافق المرحلة من ظروف استثنائية، لكانت مؤسسة رئاسة الجمهورية قدمت الأفضل، داعياً إلى تقييم المرحلة بموضوعية بعيداً عن الانتماءات والاعتبارات السياسية والحزبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard