بايدن المُدجَّج بالاحتمالات السورية

الثلاثاء 26 يناير 202101:40 م

يشكل موضوع الانتخابات الرئاسية الأمريكية حدثاً عالمياً بكل معنى الكلمة، ويبلغ الاهتمام به في مناطق كثيرة، خاصة تلك التي تفتقر إلى القرار السياسي الذاتي إلى حد ما، مستوى أكبر من أي حدث محلي خاص، إذ تنظر شعوبها إلى القرار الأمريكي على أنه المفصل الحاسم الذي يحدد مصير قضايا متنوعة ومحورية في بلدانهم المنكوبة.

راقب العرب بوجه عام، والسوريون بوجه خاص، الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأعصاب مشدودة، وبقلق يتمدد بين الألم البالغ والأمل الباهت، ولا سيما بعد مرور عشر سنوات على انبثاق ثورات الربيع العربي، وما خلّفته من تداعيات، وملفات معلقة، واتهامات مبطنة أحياناً، ومباشرة أحياناً أخرى، للدول الإقليمية والكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، باتّباع سياسات منعت الربيع العربي من إعطاء أكله بالتحوّل إلى الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة.

تبدأ التكهنات مبكراً مواكبةً لمراحل الانتخابات الأمريكية، وتظهر القراءات المتنوعة حول شكل السياسات القادمة المتوقعة. وفي الإطار العربي والسوري، تتقدم مقاربات كثيرة على أجنحة من الرؤى العاطفية والرغبوية، ولا يعدو أن يكون معظم هذه القراءات ضرباً من الأمنيات، أو بيعاً للأوهام، أو تسويقاً لاتجاهات معيّنة غير بريئة، وكل ذلك يتأسس على نقطتي ضعف لا تخفيان على المتمعن في الواقع العربي/ والسوري.

نقطة الضعف الأولى هي تقديم البعض لوجهات نظرهم بقطعية توحي كأنهم من صناع القرار الأمريكي، وأن لهم دورهم في المطبخ السياسي العميق هناك، وهذا محض ادّعاء ومبالغة، ولا سيما أن نقطة الضعف الثانية ترتبط، أصلاً، بغياب قوى الضغط العربية والسورية المنظمة والموحدة، إلى حد ما، في أمريكا. فرغم وجود بعض تنظيماتها النشطة حالياً، ما زالت تفتقر إلى الثقل الحقيقي القادر على تحريك القرار الأمريكي الداخلي، والتأثير عليه بقوة.

بايدن ملتبساً

تبدو قراءة ما كُتب، وسماع ما قيل عن سياسات الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن المتوقعة في سوريا، ضرباً من خبط العشواء، فالمتابعون يستطيعون أن يسمعوا تحليلات من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار. يسمعون تكهنات تصل إلى حدود توقع لجوء بايدن إلى عمل عسكري في سوريا، وفي الوقت نفسه يسمعون -من الأمريكيين أنفسهم- ما يتكهن بإبقاء الوضع السوري على ما هو عليه من خراب ودمار وتعفن وجمود، كأن هذا البلد لا يعني بايدن وسياساته لا من قريب ولا من بعيد.

معظم ما كُتب وقيل يبدو منتمياً إلى باب التوقعات والأمنيات المتضاربة والمتناقضة، ولا سيما في ظل قلة تصريحات بايدن وفريقه حول الملف السوري، والاختلاف النسبي في مواقف أعضاء فريقه من هذا الملف، لتكون الآراء مرتبطة بملفات المنطقة الإقليمية، وبملفات دولية كبرى، تبقي سوريا ورقة تابعة، لا موضوعاً محورياً قائماً بذاته.

والمسألة الأخيرة تحتاج إلى تدقيق تحليلي تفصيلي وشامل، في الآن نفسه، لتلمس انعكاسات ما هو خارجي على ما هو داخلي، والعكس صحيح، في ضوء الاشتباك (التدويلي) والاحتلال القائم من قبل جيوش عدة لسوريا.

سياسات أوباما السورية

يذهب بعض المحللين إلى القول إن بايدن يتبنى سياسات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، لا بل هو أحد أهم مهندسيها، وسيعود من جديد إلى هذا المربع في سوريا، فيحتفظ بوجود عسكري معقول، رداً على الانسحاب الجزئي الذي أنجزه سلفه دونالد ترامب، ويستخدم هذا الوجود كمرتكز قوة ضرورية، ولازمة يضغط ويساوم عبرها في اتجاهات خمسة.

هذا التوقّع يتآلف مع سياسة دعم وحدات حماية الشعب الكردية في إطار استعمالها للضغط على تركيا من جانب أول، وفي الضغط على روسيا من جانب ثانٍ، وفي مفاوضة إيران على ملفها النووي من جانب ثالث، وفي الضغط على النظام في دمشق من جانب رابع، وفي محاربة داعش بوصفها أولوية أمريكية، ولا سيما بعد استيقاظ خلاياها من جديد في المساحة السورية.

تبدو قراءة ما كُتب، وسماع ما قيل عن سياسات جو بايدن المتوقعة في سوريا، ضرباً من خبط العشواء، فالمتابعون يسمعون تكهنات تصل إلى حدود توقع لجوئه إلى عمل عسكري، وفي الوقت نفسه يسمعون ما يتكهن بإبقاء الوضع على ما هو عليه

تبدو هذه الرؤية واقعية إلى حد كبير للوهلة الأولى، ذلك إذا افترضنا أن الواقع الجيوسياسي الإقليمي والدولي ساكن وجامد، ولم يتغير منذ عهد أوباما، وأن القوى الفاعلة كتركيا وإيران وروسيا لم تراكم أوراق قوة خلال السنوات الأربع الأخيرة. وأيضاً، خلقت سياسات ترامب نفسها معطيات جديدة لا يمكن القفز فوقها، وهو ما يعني أن انزياحات نسبية قد تكون ممكنة في سياسات بايدن السورية.

تركة ترامب السورية

غادر ترامب البيت الأبيض بعد أن عمّق حضور قانون قيصر، والذي يقول بعض المحللين إن ذراعه الطولى لا تقف عند حدود النظام في دمشق، بل ترمي إلى الضغط على كل من إيران وروسيا.

وجود هذا القانون يضع بايدن أمام خيارات واسعة تبدأ بتجميد القانون وتفريغه من مضمونه، وتنتهي بمحاسبة النظام، وهذا لن يحدده الواقع السوري البحت والمنفصل افتراضياً عن الملفات الأخرى الشائكة، إنما ستحدده سياسات بايدن تجاه روسيا وإيران وتركيا وطبعاً إسرائيل.

يدخل بايدن المعترك السوري وهو يرى اتساع النفوذ الإقليمي لتركيا، وتعمق الخلاف معها حول ملفات عدة، منها منظومة الدفاع الجوي الروسي أس-400، وملف شرق المتوسط، والملف الليبي.

كما يراقب بايدن امتداد القبضة الروسية إلى المياه الدافئة على البحر المتوسط، في ظل تعقد الملفات الأمريكية الروسية، بدءاً بالدرع الصاروخية، مروراً بأوكرانيا، وانتهاءً بشبه جزيرة القرم.

إدارة بايدن والأزمة السورية... ستكون سوريا إما مكان تصفية حسابات وصدامات هائلة بين إرادات القوى المختلفة، أو مكان توافقات وصفقات كبرى

بجانب ذلك، تجذّر وجود إيران في سوريا والإقليم، وصار يصعب التفاوض معها حول ملفها النووي من دون الخوض في الوضع السوري، ولا سيما في ظل الموقف الإسرائيلي المعارض لوجود إيران في سوريا، وخطورة الاشتباك بينهما، وتسارع الغارات الإسرائيلية على مواقع إيران في سوريا. وكان الإسرائيليون قد استقبلوا بايدن بإرسال رسالة حادة حاسمة له حول خيارات إسرائيل وموقفها، عبر تنفيذ غارة كبيرة على الإيرانيين في سوريا.

ويمكن أن نضيف إلى كل هذه الملفات قلق الخليجيين من الدور الإيراني في المنطقة، وقلق الأوروبيين من ملف اللاجئين، وبوجه خاص في ضوء الوضع الهش في إدلب وشمال غرب سوريا، وكل ذلك يدل على أن خيوط اللعبة لا ترتبط بالمساحة السورية وحدها، ولا تتعيّن بمعزل عن تشابكات إقليمية ودولية كبرى، وهي تشابكات لن تسمح لبايدن -مهما حاول تجميد الوضع السوري- أن يحافظ على ستاتيكو سوري شبيه بالمنظور الأوبامي، أو الترامبي.

انفجار التناقضات في سوريا

سيجد بايدن نفسه مضطراً إلى التعامل مع الملف السوري من باب الملفات الإقليمية والدولية وتناقضاتها، أو بمعنى آخر: سيدخل بايدن على الملفات الأخرى من المدخل السوري الإجباري، ولا سيما عندما ترتفع وتيرة التشابك الإسرائيلي الإيراني من جانب أول، أو عندما تتعمق العلاقات الروسية التركية في جوانب عدة لمواجهة الأمريكيين، وقد نجد أيضاً تحالفاً خليجياً تركياً روسياً بمعنى ما، فضلاً عن تطور ملف السلاح الكيميائي واستخدامه في سوريا في أروقة الأمم المتحدة في الأسابيع والأشهر القادمة.

لعل شعار بايدن الأكبر في حملته الانتخابية، بعد الضرر الذي أصاب أمريكا على يد سياسات ترامب الخارجية تحديداً، هو إرادة عودة أمريكا إلى قيادة العالم، وهذا لا يعني أنه سيفتتح جمعيةً خيريةً لحلحلة الوضع في سوريا، لكن الوقائع المختلفة ستفرض نوعاً ما انزياحاً ما في سياسات أمريكا السورية. وإذا كانت سياسات الدولة العميقة في أمريكا لا تهتم بهذا الملف، كما يقول كثيرون، فإن سياسات أي رئيس أمريكي تستقى كثيراً من الواقع المعطى، وتسمح له بهامش حركة كبير.

ولهذا، يمكن لبايدن أن يستثمر كثيراً في الملف السوري، وأن يؤكد الحضور الأمريكي الثقيل في الشرق الأوسط، إذا كان وفياً فعلاً لمقولة عودة أمريكا إلى قيادة العالم، ثم ستكون سوريا بذلك إما مكان تصفية حسابات وصدامات هائلة بين إرادات القوى المختلفة، أو مكان توافقات وصفقات كبرى.

ويمكن أن تكون المواجهات الضخمة، بحد ذاتها، مدخلاً إلى توافقات تاريخية، ويبقى السؤال المعلَّق: إلى أي مستوى سيستفيد السوريون من التناقضات لانتزاع بعض حقوقهم وجانباً من مصالحهم وتحقيق بعض أهدافهم على أقل تقدير؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard