مقدّمات الكتب... خطّ الدفاع الأول

الأربعاء 8 أبريل 202001:27 م

إن النظر في مقدمات الكتب التراثية يكشف لنا الكثير، ليس عن فحوى الكتب وسبب تأليفها، بل عن البُنى الثقافية الاجتماعية في لحظة نشرها، ما هو المسموح والممنوع، وكيف استطاع الكاتب أن يحصّن نفسه وكتابه من جور الرقابة، ويفتح باباً فيما هو محظور!

ولنا أن نستند إلى قول أبي الدرداء، الذي ساقه ابن حزم في مقدمة كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف"، ليتوضّح لنا أسلوبهم المتبع في مقدمات كتبهم: "اجمّوا النفوس بشيء من الباطل ليكون لها عوناً على الحق". لقد كان الكتّاب القدماء ماكرين، وعرفوا كيف يصونون كتبهم من سيف الرقيب، متبعين في ذلك شعرة معاوية.

كيف تحولت مقدمات الكتب إلى مساحة لمؤلفيها للدفاع عن منهجهم، وموضوعهم، ولتبرير خوض الممنوع والشائك والإشكالي في عصورهم

الباطل عون للحقّ في طوق الحمامة

لقد تهّيب ابن حزم من كتابة "طوق الحمامة"، فضمّن مقدّمة الكتاب اعتذاراً لما يحتويه متن الكتاب من قصص وعبر وأشعار تخالف المبادئ الدينية والأخلاقية، ولولا أن طلب منه الأمير عبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة، أمير المؤمنين الناصر، لم يفعل ذلك، فيقول: "وكلَّفتني – أعزك الله – أن أصنف لك رسالة في صفة الحب ومعانيه... ولولا الإيجاب لك لما تكلّفته، فهذا من الفقر، والأولى بنا مع قِصر العمر أعمارنا ألّا نصرفها إلّا فيما نرجو به رحب المنقلب وحسن المآب غداً".

يُكثر ابن حزم من التعليل والتبرير في مقدمة كتابه، وكأنه يقدّم دفاعاً عن التوجّه الذي نحاه، في الكشف عما يحدث بين العشاق والمتحابين من خلوات غير شرعية وشذوذ تأباه أعراف ذلك الزمن. وهذا الدفاع المبطّن بالاعتذارات، قصد منه أن يدرأ تقلّب السلطان عليه من جهة، وثورة المجتمع عليه من جهة أخرى.

ولا يختلف السرّاج مؤلف كتاب "مصارع العشاق" عن ابن حزم، فيصوغ دفوعه المشروعة في ذكر حوادث وسير العشاق بأنه لم يوردها إلا ليعتبر بها خليّ القلب، فيشكر ربه على النعمة التي هو فيها، فنجد في مقدمة الجزء الخامس عشر هذه الأبيات من الشعر من صناعة السرّاج:

كتاب مصارع العشاق/ من عرب وعجم

ليعتبر الخليُّ بما/ لقوا شكراً على النعم

مصنّفُهُ عفيف الهوى/ مصونٌ غير متهم.

خير وسيلة للدفاع الهجوم

تنبّه ابن قتيبة لهذه الرقابة والمنع الذي يشنّه المجتمع ممثّلاً برجال السلطة والدين، فبادرهم بالهجوم في مقدمة كتابه "عيون الأخبار"، لأن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، وعلى الرغم من الأسلوب الهجومي لابن قتيبة الذي تضمّنته مقدمة الكتاب، إلا أن الاعتذار وتقديم القرائن الشرعية صاحب هجومه، وكأنه يسدّ على المتزمتين، كما وصفهم، كل الطرق في الهجوم على الكتاب بسبب ذكره الصريح للأعضاء الجنسية والعبارات الفاضحة، فيقول:

"وسينتهي بك – أي المتزمّت – كتابنا هذا إلى باب المزح والفكاهة، وما روي عن الأشراف والأئمة فيها، فإذا مرّ بك حديث تستخفّه أو تستحسنه، أو تعجب منه، أو تضحك له، فاعرف المذهب فيه وما أردنا به، واعلمْ أنك إن كنت مستغنياً عنه بتنسّكك، فإن غيرك، ممن يترخّص فيما تشدّدتَ فيه، محتاج إليه، وإن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك، فيهيأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقي المتزمتين، لذهب شطر بـهائه، وشطر مائه، ولأعرض عنه مَن أحببنا أن يُقبِلَ إليه معك".

"إن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض، وقول الزور والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيب"... ابن قتيبة في مقدمة عيون الأخبار، يهاجم من سينتقده من قرائه لاستخدامه لغة "السوقة"  

وبعد ما تقدّم، تابع ابن قتيبة هجومه مبيّناً الدليل تلو الدليل في صحّة ما ذهب إليه: "إن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض، وقول الزور والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيب؛ قـال رسـول الله: من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا"، والهَن الاسم الصريح لعضو الأنثى. وقال أبو بكر الصديق عنـه لـبديـل بن ورقاء، حين قال للنبي: إنّ هؤلاء لو قد مسّهـم حـزّ السلاح، لأسلموك، فقال الصحابي أبو بكر: اعضُضْ ببَظْرِ اللات، أنحن نُسلِمُه؟! وقال الإمام علي بن أبي طالب: "من يطل أير أبيه، ينتطق به".

وابن قتيبة لم يهتك أعراض الناس بل ذكر نكتاً وفكاهة، وهو يميّز بين ما أخبر عنه وبين ما ذهب إليه جرير والفرزدق: "وليس هذا من شكل ما تراه في شعـر جرير والفرزدق، لأنّ ذلك تعبير وابتهار في الأخوات والأمهات، وقذف للمحصنات الغافلات، فتفهَّم الأمرين".

ما عرضه ابن قتيبة من اختلاف بين مذهبه ومذهب جرير والفرزدق، نجده عند ابن حزم، فهو لم يخرق ستراً ولم يفضح سرّاً: "والذي كلّفتني لا بدّ فيه من ذكر ما شاهدتْه حضرتي، وأدركته عنايتي، وحدّثني به الثقات من أهل زمانه، فاغتفر لي الكناية عن الأسماء؛ فهي إمّا عورة لا نستجير كشفها وإما نحافظ في ذلك صديقاً ودوداً، ورجلاً جليلاً".

إن التبصّر فيما أوردنا أعلاه يكشف لنا عن إرث لنا في منع الكتب وأساليب التحايل التي أتقنها الكتّاب، فنرى الفقيه ابن الجوزي في كتابه "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" قد ربط مشاعر العشق بطاعة الخالق ونشر المحبّة بين الخلائق، سالكاً طريق التقيّة في عرض قصص العشاق، وفعل مثله كل من داود الأنطاكي في كتابه "تزين الأسواق في أخبار العشاق" وابن أبي حجلة التلمساني في كتابه "ديوان الصبابة"، إذ تحوّل فحوى العشق إلى قضية أدبية بحتة.

استطاع هؤلاء الكتّاب أن يضمنوا لأفكارهم النجاة، عبر مقدّمات الكتب التي ضمّنوها أسباب إيرادهم تلك القضايا الشائكة والقرائن على صحّة ذكرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard