"منحتني الوعي والألم"... كيف رسمت ثورة يناير ملامح شخصياتها عبر 10 سنوات؟

الاثنين 25 يناير 202111:46 ص

بمرور عشر سنوات على ثورة يناير 2011، يجزم البعض أن الثورة قد فشلت في تحقيق أهدافها المباشرة، والبعض الآخر يعتقد أن الثورة قد جلبت الخراب على البلاد والعباد. لكن يظن تيار ثالث أن الثورة ما زالت تختمر، وأنها، وإن لم تثمر ما هو متوقع منها، فقد عصفت بالبنية الاجتماعية للمصريين بشكل لا يمكن التراجع عنه، بل إنها اجتاحت البناء الذاتي والنفسي لجيل، شكّلته الثورة ورسمت ملامح عالمه، وكان لها من التأثير العميق على حياة الأفراد.

"وعي غير ناضج"

يرى كريم عصام (29 عاماً) محامٍ مقيم في الكويت، أن الحالة الثورية التي جسدتها أحداث يناير، كانت "طفولية، ساذجة، مثيرة للضحك"، وكيف له أن يتصوّر، هو وجيله من الذين شاركوا فيها، أن وجه مصر سيتغيّر لمجرد نزول مجموعة من الشباب، لا تربطهم أي علاقة أيديولوجيّة أو فكرية، إلى الشارع، تهتف بإسقاط النظام.

"يوم 25 رأيت أول مظهر احتجاجي في حياتي رؤيا العين".

بعد عشر سنوات، يسترجع كريم لحظات مشاركته في أحداث يناير، يقول لرصيف22: "يوم 25 رأيت أول مظهر احتجاجي في حياتي رؤيا العين، عبرت تظاهرة ضخمة تندّد بحسني مبارك ونظامه، وفُصلت الكهرباء عن الشوارع العمومية، واحتشد الناس غضباً. شيئاً فشيئاً، تزايدت أعدادهم وعلا هتافهم".

ويشير كريم إلى بداية تشكل "وعي ولكن غير ناضج"، مع تطور أحداث حرق أقسام الشرطة (ما ميز يوم 28 كانون الثاني/ يناير)، وشعر بحافز للانخراط في كيانات وأحزاب سياسية.

وباتجاه عكسي، بدأ "الشك يتسلل" إلى قلبه مع صعود الإخوان المسلمين عام 2012، وتفاقم شعوره بالخطر، حتى ظهر بيان 3 يوليو فقضى على "كل ما كان من أحلام طوباوية عشتها منذ قيام الثورة، وحتى اللحظة الأخيرة لانقشاع الغمامة، والتي كانت بعد تطبيق قانون التظاهر".

تم إقرار قانون التظاهر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، ويطالب القانون من يشرعون في تنظيم تظاهرة بإخطار السلطات قبل الموعد المحدد بثلاثة أيام على الأقل، ويحق لوزير الداخلية رفض المصادقة على التظاهرة، في حالة تهديدها للسلم العام والأمن.

بمرور السنوات، زادت قناعة كريم بالنمط المعاكس لحالة يناير، أصبح يشدد على أن التغيير الثوري يجب أن يحوي قواعد وآليات، أن تحركه أيديولوجيا وبرنامج وتنظيم سياسي قوي، له قاعدة شعبية وأهداف سياسية.

ينهي كريم حديثه، موجزاً: "برغم كل هذا، أؤمن أن الثورة منحتني الوعي والألم، ولولا تلك اللحظة ما كنت أنا من عليه اليوم".

"تغيّرنا ولم يتغير شيء"

جرّت ثورة يناير كافة شرائح المجتمع إلى السياسة، وصار الحديث السياسي (بعد أن كان محرّماً على الجميع لعقود مضت) حلبة مفتوحة للجميع، يدلي فيها الكل بدلوه، حتى أن المصريين أطلقوا مصطلح "حزب الكنبة"، وهو مصطلح غير علمي، أطلقته وسائل إعلام ومنصات إلكترونية على من لم ينزلوا إلى ميدان التحرير، ولم ينخرطوا في الحالة السياسية التي كانت أشبه بالحمى الجماعية.

اجتذبت تلك الحالة الثورية من لم تكن السياسية يوماً على خارطة اهتماماتهم، وهو ما تتذكره عزة نصر (51 عاماً) ربّة منزل، بعد أن أمضت معظم حياتها تحت حكم مبارك، مؤمنة بأنه القائد الأصلح لمصر، وأن مصر دولة متقدمة تبذل إدارتها كل جهد لضمان حياة كريمة للمواطنين.

"ندرك جيداً أنه لم يتغيّر الكثير على الأرض، لكن حتى لو لم يحدث، فقد تغيرنا نحن إلى غير رجعة، بل تغيّر كل ما بداخلنا"

رفضت عزّة ثورة يناير مع بداية اندلاعها، بذريعة الخوف من المجهول، لكن الخوف كان دافعها لتمضية وقت أطول أمام شاشات الفضائيات، للاستماع إلى ما يقدمه الإعلام المصري والعربي، مستعرضاً ملفات الفساد التي مثّلت صدمة كبيرة لها.

تتابع عزة: "وقت اندلاع الثورة كنت قد جاوزت الأربعين من العمر، لكني اكتشفت أنها كانت عقوداً من الغيبة عن الواقع وعدم التفاعل معه. كنا كالدمى التي يحرّكها مبارك ورجاله، دون أن نملك حتى القدرة على الرفض".

ولّدت اللحظة الثورية حالة من الشعور بالانتماء لدى أطياف واسعة ممن التحموا بحراك الشارع، وخلقت رغبة عارمة في المشاركة السياسية الرسمية، التي عقدت أول محافلها في استفتاء 19 مارس الشهير، الذي شهد إقبالاً تاريخياً، بعد أشهر قليلة مضت على آخر انتخابات مجلس نوّاب في ظل حكم مبارك، لم تحظ بأي اهتمام شعبي، بل كانت سبباً في إثارة غضب الشارع وخروج الجماهير بأعداد غفيرة، بعد العنف الذي مارسته الشرطة ضد المتظاهرين في أول أيام الحراك.

"نقاشات سياسية عائلية"

كانت رحاب أحمد (28 عاماً)، تقضي أول أيام إجازة نصف العام، بعد أوّل امتحانات لها في كلية الإعلام، جامعة القاهرة، وبالرغم من انتمائها لعائلة لا تهتمّ بالسياسية ولا تلقي لها بالاً، كانت رحاب مع أفراد أسرتها جميعاً رافضين لهذا النظام، يخشون على مستقبلهم في ظل استمراره، وتوريث حكمه للابن الأكثر انفصالاً عن واقع الشعب المزري.

تتابع رحاب: "كان السخط داخل عائلتي يتزايد، بعد أن تغلغل الفساد في كل تفاصيل حياتنا اليومية. ولم تكن عائلتي، التي لم تهتمّ يوماً بمشاهدة الأخبار أو قراءة الجرائد، بحاجة لتثقيف سياسي يخبرهم بحجم الفساد الذي أصبح لا يحتمل. لكن الثورة التونسية منحتنا القليل من الأمل، إلا أنني أتذكر والدي وقتها، حين وصف الشعب المصري بالخنوع، وأننا لن نقدر على فعل ما قام به التونسيون، إلا أننا أدركنا عبر نقاشاتنا الأسرية أن الثورة في مصر كانت روشتة علاج ضروري وحتمي، وحين اندلعت لم نكن نصدق أنفسنا أن الشعب استفاق أخيراً. ندرك جيداً أنه لم يتغيّر الكثير على الأرض، لكن حتى لو لم يحدث، فقد تغيرنا نحن إلى غير رجعة، بل تغيّر كل ما بداخلنا".

كانت المشاركة السياسية الكبيرة أول دلائل التغير في الحياة العامة بمصر، وكذلك فتح المجال العام الذي شهد انفراجة تاريخية في الفترة بين عام 2011/2013، بالرغم من كل العثرات التي حدثت في ذلك الوقت، إلا أن الأمل الفعلي في التغيير كان دافع الجماهير للصمود في الميادين، أمام كل الانشقاقات والتجاذبات التي قادها التنافر الكبير الذي حدث بين الفرقاء السياسيين داخل ميدان التحرير كأرض للمعركة.

"تديّني ذهب أدراج الرياح"

كأحد تجليات ثورة يناير، كان حضور التيارات الإسلامية في المجال العام أمراً حتمياً، وأمر واقع مبنياً على ماضٍ طويل من العلاقة المسمومة التي نشأت بين الإسلاميين والسلطة، في أحدث فترات المصالحة، بعد عام 2005، الذي شهد عضوية 88 شخصاً من جماعة الإخوان المسلمين بمجلس النوّاب، في سابقة هي الأولى من نوعها، لكن النظام الذي قرّر مسبقاً تغليف المجتمع بالحالة الدينية الإيمانية، التي لطالما أرادت تيارات الإسلام السياسي فرضها على المصريين، منذ تنصيب عبدالناصر رئيساً للبلاد، ها هو قد حقق مبتغى الجماعات الإسلامية، التي اتخذت من منابر المساجد وشاشات الفضائيات، مثل "الناس" و"الرحمة" وغيرها، طرقاً للتوغل أعمق في المجتمع والسيطرة على مفاصله، وأيضاً كنوع من الدعاية للرئيس وابنه الخليفة المنتظر، الذي لطالما أطلّ علينا مشايخ الفضائيات ممتدحين مسيرته السياسية المشرّفة وإنجازات حزبه الوطني.

شهدت مصر في تلك الفترة زخماً دينياً غير مسبوق، لا سيّما بعد نجاح موجة الدعاة الجدد التي بدأت مع شهرة الداعية (الكاجوال) عمرو خالد، الذي كان القائد الأعلى لهذه الموجة من التدين (المودرن)، التي نشأت بالتوازي مع التدين الأصولي (السلفي) بنموذجه الأكثر راديكالية، الممثل سياسياً بعد الثورة في حزب النور، لكن العاصفة الثورية التي لعبت بكل هذه الرموز كأحجار الشطرنج، جعلت أبناء هذه الموجة يستفيقون من تديّنهم المؤدلج على واقع جديد، لم يعد فيه مكان لمشايخهم ورموزهم، وهو ما رأت مروة سمير، اسم مستعار (31 عاماً)، مدرّسة بيولوجي، أنه تحقق بالفعل بعد الثورة، التي كانت تعيش قبل اندلاعها بسنوات حالة من التديّن الراديكالي، جعلها في حالة من الانفصال عن الواقع الاجتماعي والسياسي، الذي لم يعد تراه سوى من منظور المشايخ الذين يقدمون حلولاً وتحليلات لكل شيء.

"أفكار ثورة يناير ستنتصر في النهاية، لأنها تعبر عن التطور وحركة التغيير، أمّا ما نراه سائداً اليوم، فهي مبادئ بالية من الماضي، سيقضي عليها التطور"

تحكي مروة لرصيف22: "أزاحت أحداث يناير الستار عن حياتنا بأكملها، فلم تعد الأشياء كما كانت ولن تعود، وبالمثل، كان تديّني الذي ذهب أدراج الرياح. كنت وقتها في آخر سنوات الجامعة، أمضي وقتاً طويلاً في حضور دروس المشايخ في حلقات خاصة ومغلقة، بفتيات ينتمين في الغالب لجماعة الإخوان المسلمين، كنت أمضي برفقتهن معظم الوقت، إلا أنهن قبل الثورة لم يكن يفصحن عن انتماءاتهن السياسية، وهو ما تغيّر تماماً".

"مع ركوب الإخوان للموجة الثورية عام 2011، تغيّر الكثير في توجهات الأخوات الدينية، ورأيت كيف يحركهن مكتب الإرشاد وأوامر القيادات العليا للجماعة في أبسط الأمور، كانت الأحداث العامة تختطفني رويداً رويداً، والحياة الثقافية المفتوحة على مصراعيها تجتذبني من جهة أخرى، لا أعلم كيف انقشعت غمامة تديّني الأعمى، لكنني أدرك جيداً أن الثورة منحتني حياة جديدة، جعلتني أتذكر ما كنت عليه سابقاً وأيقنت أنني شخص آخر لا يعرف من كنت عليه في الماضي".

تراجعت موجة التديّن العارمة التي بدأها مشايخ الحزب الوطني المنحل، مع تحوّل كل رموزها إلى قيادات سياسية، تسعى لاجتذاب أكبر جماهير ممكنة من أتباعها الشباب، فكان هذا التحول مقبرة المشايخ الجدد، لا سيّما بعد الإخفاق الكبير الذي حدث خلال حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر، ما أدّى في النهاية لانسحاب شرائح كبيرة من أتباع التيارات الإسلامية، الذين تعرّضوا لصدمة أخرى، جاءت عقب بيان 3 يوليو، الذي كان بمثابة إسدال الستار على الفصل الأخير من مسرحية "الإخوان والحياة السياسية في مصر".

تعزو مروة هذا التراجع، الواقع في حالة دينية اختبرها جيل الشباب ممن تفتّح وعيهم على ثورة يناير، إلى المواقف السياسية "المتناقضة وغير المشرّفة لكثير من رموز الحركات الإسلامية بعد الثورة".

"كل أتباع الشيوخ، مثل محمد حسّان ومحمد حسين يعقوب ومن على شاكلتهم، من يتتبع مسيرتهم العامة، تناقضاتهم السياسية وانحيازاتهم الاجتماعية، يرى بوضوح كمّ الزيف الذي عشنا فيه خلال تلك الفترة، ويعلم جيداً لماذا تراجع الشباب المصري عن حالة الهوس الديني التي عاشها المجتمع قبل الثورة".

يشير الكاتب الصحفي ووكيل ورئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، عمرو بدر، إلى دور السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة، في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة، ما خلق مساحة للتفاعل الاجتماعي والسياسي.

"التطور مع الثورة"

كانت رسائل الثورة منذ اللحظة الأولى، فنية بشكل صادم، فمع كل صورة تصل عبر الشاشات من ميدان التحرير، كل الرسوم والغرافيتي التي ساهمت بإيصال الرسالة (لا مبارك بعد اليوم)، مؤشرات على الحالة الفنيّة التي خلقتها الثورة بين الناس، هذه الحالة خلقت لدى محمد الكاشف (34 عاماً)، مصور فوتوغرافي، شغفاً كبيراً بالتصوير، الذي أعاد استكشاف نفسه فيه، ويرجع الفضل فيه إلى الثورة بشكل كبير، التي خلقت أحداثها بداخله رغبة في تسجيل كل لحظة يمر بها عبر الكاميرا.

يقول الكاشف لرصيف22: "لم يحالفني الحظ خلال أحداث يناير لشراء كاميرا احترافية، وتسجيل الأحداث بشكل احترافي، لكن حالفني الحظ لاحقاً، وبفضل الحراك والزخم السياسي وحالة الانفتاح، كان اهتمامي منصباً على تصوير أكثر فئات المجتمع تهميشاً، ورأيت ذلك جزءاً من تحقيقي المتواضع لأهداف الثورة من خلالي".

"لولا الثورة لما كنت اهتممت بالتصوير".

"أثّرت الثورة على صياغتي لعالمي الخاص في التصوير، مثلما حدث مع غيري، ولولا الثورة لما كنت اهتممت بالتصوير، ولا اكتشفت الجانب الفني الذي أميل إليه بطبيعتي، فقبل ذلك كنت أعمل بوظيفة تقليدية كمدخل بيانات في شركة، وقبلها بسنوات، كنت عاملاً في مصنع السكر بالفيوم، وقمنا حينها بالعديد من الإضرابات، وهي فترة متخمة بالأحداث، كنت أتمنى وقتها أن أمتلك كاميرا حتى أوثّق هذه الأحداث".

يمتنّ الكاشف لأحداث ثورة يناير التي شكلّت وعيه الفني والسياسي، ورسمت ملامح مشروعه المهني داخل مهنة التصوير التي يمارسها منذ سنوات، ويركز من خلالها على الحياة اليومية للمصريين، وجوانب مهمّشة من حياة الطبقات الأكثر فقراً في ربوع مصر.

يستكمل بدر حديثه عن مراحل الثورة الأخرى، قائلاً: "بالحديث عن المرحلة الثانية بعد ثورة يناير، هي 2014/2015، كانت هناك مساحات قائمة، بالرغم من أنها بدأت تضيق شيئاً فشيئاً، ومع بداية (المرحلة الثالثة) 2016، بدأت المساحات العامة في الانغلاق التام، وعادت الأمور إلى ما قبل 25 يناير".

"بنظرة متمعّنة في السنوات العشرة التي مضت، لا يسعنا القول سوى إن الثورة في حالة أزمة أو تعثّر، لكن تغيّر الوعي هو أهم نتيجة اكتسبها الناس عبر ثورة يناير. أجيال جديدة تملك أفكاراً مختلفة، منفتحة على العالم بكل ما يقدمه من متغيرات مضادة لثوابت الماضي، أصبحوا، بتكوينهم الذي أثرت فيه مواقع التواصل الاجتماعي، جيلاً مختلفاً بوعي مختلف، لهم تطلعات إنسانية أكثر ميلاً للعدالة والمساواة والحريّات وغيره، وأعتقد أن هذا ما سيصنع الفارق والتغيير".

ينهي بدر حديثه، متخيلاً ربما مرحلة رابعة قادمة، قائلاً: "إيماناً مني أن أفكار ثورة يناير ستنتصر في النهاية، لأنها تعبر عن التطور وحركة التغيير، أمّا ما نراه سائداً اليوم، فهي مبادئ بالية من الماضي، سيقضي عليها التطور وينتصر للثور ة ومبادئها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard