ماذا لو عاد الزمن إلى الوراء عشر سنوات؟ مشاركون في الثورة المصرية يجيبون

الاثنين 25 يناير 202112:59 م

شهداء ومعتقلون ومهاجرون، محبَطون وحالمون، منتفعون ومتضررون، تحت قبة البرلمان وداخل الزنازين، على شاشات التلفزيون ومانشيتات الصحف ومختبئون خلف شاشات الهاتف المحمول يتابعون بحسرة ما آلت إليه الأمور... هكذا هو حال المشاركين في ثورة يناير بعد مرور عشر سنوات على ذلك الحدث الذي هزّ مصر والعالم العربي.

سؤال واحد طرحناه على نماذج من "أهل الثورة" والمشاركين فيها: ماذا لو عاد الزمن إلى الوراء؟ هل كنت ستشارك/ين في الثورة أو لا؟

والدة الشهيد جيكا: سأمنع ابني من النزول

"مرّت عشر سنوات ولكن وجعي على ابني لم يمرّ. إلى الآن، أسمع صوته في كل مكان يناديني، يحلم بالحرية مثل عصفور". بهذه الكلمات بدأت الحاجة فاطمة، والدة الشهيد جابر جيكا، الذي قتل في ذكرى أحداث محمد محمود الثانية، في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، حديثها لرصيف22.

جابر جيكا، أحداث محمد محمود الثانية، 25 يناير

تقول الحاجة فاطمة إنه إذا عادت الأيام، لن تشارك لا هي ولا أولادها في الثورة، لأسباب عديدة أهمها "أن حلم ابني بالحرية والعدالة الاجتماعية لم يتحقق، والأصعب في الأمر أن مَن نزِل ابني واستشهد من أجلهم كفروا بالثورة، ويسبّونها ويلعنون فيها كل دقيقة، كأنها هي المسؤولة عن فقرهم، وعمّا يعانون منه الآن، وليس صمتهم وقلة وعيهم، وعدم وفائهم للشهداء والمصابين".

"بعد استشهاد ابني، كنت بَصبَّر نفسي كتير وأقول راح عشان قضية وعشان الناس تعيش كويسة ومرتاحه"، تتابع والدة جيكا، وتضيف: "بس اللي بشوفه النهاردة من قمع واستغلال وفقر وضيق حال، وفي نفس الوقت سكوت الناس على كل دا بيخليني أحس إن ابني راح ببلاش دون تمن، ولو اتعادت مرة تانية هقفل باب بيتي بالحديد ومش هنزل ولا أنا ولا ولادي".

شقيقة مينا دانيال: هشارك زي ما مينا كان عايز

تقول ماري دانيال، شقيقة الشهيد مينا دانيال الذي استشهد في أحداث ماسبيرو في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 2011، إنه "إذا عاد الزمن عشر سنوات وقامت ثورة يناير هشارك فيها، لأن مينا أصغر إخواتي هو اللي علّمنا يعني إيه ثورة، وكان بيفرح لما بننزل نشارك في المظاهرات وفاعليات الثورة".

ماري دانيال، مينا دانيال، 25 يناير، أحداث ماسبيرو

لكنها تضيف لرصيف22: "بس الأكيد إننا هنتعلم من أخطائنا. أنا شخصياً مش هسيب مينا دقيقة واحدة، خاصة يوم 9 أكتوبر. هحميه بنفسي ومش هخليه يموت بأي شكل. وهنتعلم من كل اللي فات، هنتعلم منسلمش لحد ولا نسمع كلام حد غير الميدان. كنت هشبع من أخويا أكتر من كده بكتير".

قبل ثلاث سنوات، قررت ماري دانيال الهجرة وهي الآن تعيش في إحدى الدول الآسيوية. تعتبر أن ما يؤلمها إلى الآن أنّ مَن قتل أخيها حرّ ويعيش حياته لا يشعر بوجع أسر الشهداء.

معتقلة: لن أشارك إذا عرفت أن الحالمين بالحرية سيدخلون السجون

"إذا عاد الزمن، لن ألتفت إلى الثورة. لن أغامر بحياتي التي تعرّضت لخطر مرات ومرات. لن أشارك في الثورة وما تلاها من موجات. لن أقف أمام الإخوان أو غيرهم. فأنا حُرمت من أهلى وحُرم منّي أبنائي منذ ما يزيد عن عشرة شهور، ولا أحد يلتفت إلينا"، تقول لرصيف22 معتقَلة على ذمة قضية سياسية.

"اللي بشوفه النهاردة من قمع واستغلال وفقر وضيق حال، وفي نفس الوقت سكوت الناس على كل دا بيخليني أحس إن ابني راح ببلاش دون تمن، ولو اتعادت مرة تانية هقفل باب بيتي بالحديد ومش هنزل ولا أنا ولا ولادي"

تشرح: "وُجهت لي اتهامات بنشر أخبار كاذبة والاشتراك مع الإخوان في تنفيذ أغراض تهدف إلى هدم الدولة، أنا التي وقفت في الصفوف الأولى في الاتحادية لإسقاط الإخوان، بينما مَن كانوا يقفون ينتظرون المنتصر ليصفّوا في صفه هم في الحكم وهم مَن قرروا اعتقالي، ولا أعرف متى سينتهي هذا الكتابوس".

"في كل يوم يمرّ عليّ بين جدران أربعة محرومة من رؤية الشمس والهواء ومن رؤية أمي وأبنائي، ألعن اليوم الذي قررت فيه النزول إلى الشارع من أجل حلم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية للجميع"، تضيف وتتابع: "الآن تمرّ أيام وشهور دون أن يتذكرني أحد، حتى ولو بكلمة تضامن. لا أحد يسأل عن أبنائي. لا أحد يشعر ببرد الزنزانة غيري".

نوارة نجم: يناير نعمة من الله

ربما، لا أحد في مصر لم يسمع صوت نوارة نجم، ابنة الشاعر الثوري أحمد فؤاد نجم عبر القنوات، وهي تصرخ وقت سقوط مبارك في 11 شباط/ فبراير 2011: "مفيش كسرة نفس تاني، مفيش ذل تاني، مفيش ظلم تاني، مفيش خوف تاني، مش هنتذل تاني بعد كده، الحمد لله مصر حرة النهرده، مصر حرة وهتبقى زي ما عايزين وهترجع للعالم العربي زي ما عرفها قبل كدة وزي ما حبها دايماً".



كانت نوّارة ضمن شباب الثورة الذين لم يتركوا الميدان إلا بسقوط مبارك. تقول لرصيف22: "إذا عدنا إلى الخلف عشر سنوات، سأشارك في الثورة بلا تردد، لأنه لم يكن هنالك بديل، وثورة يناير كانت حتمية تاريخية يجب أن تحدث. حتى ما جرى بعد ذلك كان نتاجاً طبيعياً".

تعتبر نجم أنه من المبكر أن نحكم على الثورة إذا ما كانت فشلت أو نجحت، "فهي ما زالت في داخلنا عايشة جوانا ولا نستطيع أن ننساها، مَن كان معها أو ضدها، وطالما لسه عايشة يبقى بتتنفس ولسه القرار الأخير لم يصدر بعد".

برأيها، ثورة يناير "كانت لحظة استثنائية، وكبيرة جداً، والأحداث الكبيرة لا يمكن الإجابة عليها في ساعتها أو حتى بعد مرور عشر سنوات عليها".

تؤكد نوارة على فخرها بالمشاركة في يناير وتقول: "أنا فخورة بأنّي كنت من ضمن الناس اللي صنعوا التاريخ، ومش ندمانة أبداً، وشايفه إن الثورة نعمة من ربنا، نوّر بصيرتي بيها، إدّاني شجاعة مكانتش عندي غير وقتها، أنا اللي بخاف من الأسانسير والظلمة والنفق وقفت وسط الثورة ما بين الدم والنار والهزيمة والانتصار، عشان كده الثورة جزء أصيل منّي وأنا منها".

خاضع للتدابير الاحترازية: الثورة تسقط أمامي كل يوم

"مرّت عشر سنوات على الثورة. كانت حلمي الأكبر في الحياة. كانت بمثابة الإنجاز الوحيد الذي شعرت أنه يتحقق في عمري الذي لم يكمل الثلاثين"، يقول لرصيف22 شاب مصري خاضع للتدابير الاحترازية.

"شاركتُ في حركة تمرّد لمواجهة الإخوان، ونزلنا أمام الاتحادية وغيرها من الأماكن، ولكنّي فوجئت بأننا أعدنا نظام (الرئيس المصري الأسبق حسني) مبارك مرة أخرى، بل نظاماً أشد قمعاً وأشد إفقاراً للناس"، يضيف ويتابع: "حاولت أن أركّز على عملي وأبني مستقبلي مثل كل مَن حولي ممَّن لا يهتمون بشؤون الغير، إلا أنني فوجئت بأنّي مختفٍ قسرياً لأكثر من ثلاثة أشهر".

"عرفتُ ما معنى الذلّ في أن تأتي أمي كل أسبوع لزيارتي ويتم تفتيشها ذاتياً وتُذَلّ وتُهان، في حين أن الجميع في الخارج يبحثون عن مصلحتهم فقط... كل هذه المعاناة كانت سبباً في أن أكفر بالثورة وبالتغيير وحتى بالإصلاح"

عن تلك الفترة يروي: "لم أرَ النور، كنت أبحث عن الخبز العفن لأسدّ به جوعي خوفاً من الموت، وبعد ظهوري في النيابة وُجهت لي كل الاتهامات المعلّبة مثل الانتماء لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة".

"قضيتُ في السجن الاحتياطي عاماً وسبعة أشهر. عرفتُ وقتها ما معنى الذلّ في أن تأتي أمي كل أسبوع لزيارتي ويتم تفتيشها ذاتياً وتُذَلّ وتُهان، في حين أن الجميع في الخارج يبحثون عن مصلحتهم فقط"، يروي ويختم: "ثم أعاقَب مرة أخرى بإخلاء سبيلي بتدابير احترازية، على أن أذهب إلى القسم يومين في الأسبوع، أهان وأذل. لا أستطيع العمل ولا الزواج. أصبحت منبوذاً اجتماعياً. كل هذه المعاناة كانت سبباً في أن أكفر بالثورة وبالتغيير وحتى بالإصلاح".

مينا ثابت: كان يجب سقوط نظام مبارك

يقول مينا ثابت، الناشط الحقوقي الذي اعتُقل عام 2016، بسبب نشاطه في الملف القبطي "شاركت وسأشارك في الثورة إذا عاد الزمن، لأن هذا كان الأمر الصحيح، وكان يجب أن يحدث، فنظام مبارك كان فاسداً وكان الظلم وصل إلى مداه، وغابت العدالة الاجتماعية، لذا كان من الضروري أن تحدث ثورة يناير لإسقاطه".

مينا ثابت، الأقباط، 25 يناير

وُجّهت لمينا عدة اتهامات كان من بينها التحريض على استخدام العنف، وقلب نظام الحكم، وتغيير دستور الدولة ونظامها الجمهوري، والتحريض على اقتحام ومهاجمة أقسام ومراكز الشرطة بغرض تنفيذ مخطط إرهابي، واللجوء لاستخدام العنف والتهديد لحمل رئيس الجمهورية على الامتناع عن عمل من اختصاصه قانوناً، والانضمام إلى جماعة إرهابية تعمل على تعطيل القانون ومنع مؤسسات الدولة من أداء أعمالها، وغيرها من الاتهامات، ثم أخلي سبيله على ذمة القضية بكفالة قدرها عشرة آلاف جنيه، وهاجر بعدها إلى لندن للدراسة، ولا يزال هنالك إلى الآن.

"بالرغم من الكثير من الأزمات، فإن ثورة يناير استطاعت أن تعيد للناس الإرادة والرغبة في التغيير والوقوف ضد الحاكم بصورة سلمية"، يقول لرصيف22.

أحمد ماهر: إذا عاد الزمن سأقوم بنفس الأفعال

أحمد ماهر، مؤسس حركة شباب 6 أبريل وأول منسق لها، والذي قضى ثلاث سنوات في السجن ومثلها قيد المراقبة الشرطية، لا يبيت في منزله وسط أبنائه ليلة واحدة، نتيجة لاتهامه بالدعوى للتظاهر والتعدّي على ضابط شرطة عام 2014. رغم ذلك، يقول لرصيف22: "لست نادماً على المشاركة في الثورة، فهل يُعقل أن يندم أحد على حلمٍ حلِمَه؟ إذا عدنا إلى الخلف عشر سنوات فالبتأكيد سأشارك".

أحمد ماهر، 25 يناير، حركة 6 أبريل

لا يغفل ماهر عن أنه "كانت هنالك الكثير من السلبيات والأضرار التي وقعت على أغلب مَن شاركوا في الثورة، وقد تكون الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، وانهزمت الثورة مراراً وتكراراً، وعانينا جميعاً بأشكال مختلفة سواء من السجن، أو الاضطهاد، أو حتى تشويه السمعة، وألقيت الاتهامات علينا دون أيّة أدلة، بل وابتعد الأصدقاء عن حياتنا باعتبارنا مصدراً للقلق والتوتر"، ولكنّه يعتبر أن "الثورة تبقى حلماً والحلم ليس مُجرّماً"، ويضيف: "وقعنا في العديد من الأخطاء وأعتقد أنه إذا عاد الزمن سنحاول ألا نقع فيها، إلا أن السياسة ليست مثل الفيزياء أو الهندسة محكومة بقواعد ونتائج ومقدمات، وهنالك الكثير من الظروف التي تحكم الأمر أكثر من محاولات تجنّب الأخطاء، لكن في النهاية لن نكفّ عن الحلم".

مصاب ثورة: العيش ذليلاً يساوي الموت لديّ

أصيب أسامة صبحي يوم 29 كانون الثاني/ يناير 2011 بطلق ناري تسبب له بشلل نصفي يعاني منه حتى اليوم، ويقول لرصيف22: "إذا تكررت الثورة كل يوم هشارك فيها، صحيح بعاني من شلل نصفي وشبابي وعمري راحوا في القعدة على كرسي متحرّك، لكن في النهاية يتساوى لديّ الصمت على الذل بالموت والشلل".

مصابو الثورة، 25 يناير

يشير صبحي إلى أنه شارك في الثورة وكان وقتها طالباً في الثانوية العامة، رأى غضب الناس وصراخهم من الفقر والقمع في دولة مبارك، فنزل بالقرب من منزله مع مجموعة شباب وأصيب بطلق ناري أصاب عموده الفقري و"أصيبت حياتي معه بالشلل التام"، حسب تعبيره.

يستكمل صبحي حديثه بالقول إنه كلما رأى ما آلت إليه الأمور في مصر يشعر بوجع الطلق الناري من جديد، ويؤكد أنه بالرغم من كل ذلك ليس أمامه سوى الرفض والمشاركة.

خالد تليمة: لن أخضع للمزايدات

خالد تليمة كان من أبرز وجوه "ائتلاف شباب الثورة" الذي لعب دوراً جوهرياً في ثورة يناير، وعمل بعد ذلك مذيعاً على قناة "أون تي في"، قبل أن تستغني الأخيرة عنه بعد فترة قصيرة دون إبداء أيّة أسباب منطقية سوى أن لديه رؤية مخالفة، يقول لرصيف22: "لست نادماً على المشاركة في الثورة، وإنْ تكررت وعاد الزمن سأشارك مرة أخرى، لكن مع ضرورة قراءة جيّدة لموازين القوى والإخفاقات والنجاحات التي مررنا بها".

ائتلاف شباب الثورة، 25 يناير، خالد تليمة

يلفت إلى أن هنالك خطأ كبير وقع فيه الائتلاف وهو الخضوع في كثير من الأحيان لحالة المزايدة التي كانت تخرج من الميدان أحياناً ومن آخرين أحياناً أخرى، مؤكداً أنه لو تكررت الفرصة سيتمسك برأيه دون الخضوع لتلك المزايدات فإنْ كان صواباً يتحمل عواقبه وإن كان خطأ يتحملها أيضاً.

وأشار تليمة إلى أن الثورة ساهمت في الكثير له على المستوى الشخصي: "ساعدتني في أن أتعرف على ذاتي، على قدراتي، توجهت إلى مجال عمل جديد أحببته وأنجزت فيه قدراً معقولاً، لولا المعوقات التي وُضعت في طريقي بعد ذلك".

مؤسس نقابة الباعة الجائلين: الجميع ربح ونحن الخاسر الوحيد

يقول محمد إبراهيم، أحد المشاركين في ثورة يناير ومؤسس نقابة الباعة الجائلين، والذي كان له فضل في تنظيم ميدان التحرير وقت الثورة، إنه إذا عاد به الزمن عشر سنوات فلن يشارك في الثورة.

النقابات، 25 يناير

يروي لرصيف22 أنه اتّخذ هذا القرار منذ انسحاب القوى السياسية من الميدان في 2011، وتركها العمال والفلاحين معتصمين أمام مجلس الوزراء، ولم تكتفِ بذلك بل وصفت إضرابات العمال واعتصاماتهم بالإضرابات الفئوية، و"لم يكونوا صادقين بأيّة درجة مع مَن نزلوا إلى الميدان وقاموا بثورة من أجل أن تتحقق لهم عدالة اجتماعية".

"لولا وجود العمال والفلاحين في ميدان التحرير وغيره من الميادين لكانت نهاية الأحزاب وشباب الثورة الموت على أيدي بلطجية مبارك وقوات الأمن"، يقول ويضيف: "نحن مَن حميناهم ودافعنا عنهم، لكنهم تركونا وتعالوا على مطالبنا، ونحن مَن يدفع الثمن إلى اليوم: فقر وجوع وقمع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard