لشراء القلوب وتعزيز النفوذ السياسي... "دبلوماسية اللقاح" تتفاعل في الشرق الأوسط

الثلاثاء 19 يناير 202105:46 م

في سباق عالمي، تسعى القوى الدولية إلى تسويق لقاحات كورونا، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، فبين "شراء القلوب" وتعزيز النفوذ السياسي، تُعوّل على جني الثمار الاقتصادية بعد زوال الجائحة.

ولا تبدو القوى الغربية كالولايات المتحدة وبريطانيا منخرطة بشكل قوي في هذا السباق حالياً، فيما يترقب الباحثون الأمريكيون جهود الصين وروسيا في توزيع اللقاحات التي أنتجتها مختبراتهما، مشيرين إلى أن البلدين يعززان نفوذهما عبر علاج كورونا.

لعبة اللقاح

في رأي أنس القصاص، وهو باحث مصري في الشؤون الاستراتيجية وقضايا الصراع الدولي ومستشار سابق لدى الأمم المتحدة، فإن "لعبة اللقاحات" تم حسمها لصالح الصين عبر الإمارات وتركيا، خصوصاً أن أبو ظبي ستقوم بتوزيع اللقاح في المنطقة، وكانت مصر تريد أن تقوم بهذا الدور.

يشير القصاص، في حديثه لرصيف22، إلى أن الدولة الأكبر بعدد سكانها وهي مصر تتجه حالياً نحو اللقاح الصيني، بعدما حصلت على 50 ألف جرعة من الإمارات كهدية، وأجرت تجارب عليه، ولم تترجم تعاقدها مع الشركات الأمريكية والبريطانية على الأرض الواقع حتى الآن.

ويعتبر القصاص أن الإدارة الأمريكية لن تنزعج من توزيع الصين أو روسيا للقاح في المنطقة، بينما سيكون الأمر مقلقاً للشركات المتنافسة، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي المقبل ستكون أولويته القضاء على الفيروس، سواء بلقاح صيني أو روسي أو أي وسيلة أخرى.

ويقول: "سوف يتفهمون شراء اللقاح الصيني أو الروسي من باب سياسة الطوارىء، وليس التغيير في خارطة الحلفاء، وينبغي أن نفهم أن الصراع ليس على التوزيع الطارىء الحالي، بل سيكون على التوزيع الدوري في ما بعد".

ويرى الباحث المصري أن الإدارة الأمريكية قد تعتبر الحصول على اللقاح الصيني أو الروسي في الوقت الحالي خدمة لها، لأنهم عرقلوا بيع اللقاح في الخارج حتى يتم تطعيم الأمريكيين أولاً، لافتاً في المقابل إلى أن دول مثل الإمارات تعاقدت على شراء اللقاح مع الأمريكيين والبريطانيين، لأن هناك مواطنين أجانب على أراضيهم، لا يثقون في العلاج الصيني.

ويلفت إلى أن معركة الأفضلية محسومة للقاح الغربي على الصيني الذي لم تتجاوز نسبة نجاحه الـ75%، أما الروسي فلن يجد سوقاً إلا في إيران ودول وسط آسيا، معتبراً أن الصين لديها طموح أبعد من لقاح كورونا، وهي خلق فرص استثمارية للقطاع الصحي الصيني على المدى البعيد، لذلك هي معركة اقتصادية في نهاية الأمر.

وفي ختام حديثه، رجّح الباحث المصري أن الصراع الدولي المقبل على اللقاحات سيكون بامتياز بين لقاح "فايزر" الأمريكي و"سينوفارم" الصيني، ومعارك جانبية للقاحي "مودرنا" الأمريكي و"أسترازينيكا" البريطاني.

اللقاح لكسب القلوب

يسلط تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، للكاتب الأمريكي ستيفين كوك، الضوء على صراع القوى الكبرى لتوزيع لقاحات كورونا التي أنتجتها، في سبيل شراء نفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

في بداية المقال، يشير كوك إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنفق على شراء معدات عسكرية روسية أكثر مما أنفقته مصر منذ أوائل السبعينيات، كما أقامت القاهرة علاقة اقتصادية كبيرة مع بكين.

ويعلّق على شراء تركيا، عام 2017، نظام الدفاع الجوي الروسي S-400 وتوسيع علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع الصين، كما على فرش السعودية والإمارات سجادهما الأحمر عام 2019 لاستقبال فلاديمير بوتين، بينما أمضى الرئيس الصيني شي جين بينغ في عام 2018 ثلاثة أيام في أبوظبي.

يذكر الكاتب أن الصين وروسيا أضافتا مؤخراً أداة جديدة للتأثير في المنطقة وهي لقاحات فيروس كورونا، قائلاً: "في بداية الأزمة، سعت الصين إلى تعزيز نفوذها العالمي من خلال توفير معدات الحماية الشخصية للبلدان المحتاجة، والآن تمارس ما يعرف بـ′دبلوماسية اللقاحات′ مع عدد لا بأس به من شركاء أمريكا في الشرق الأوسط الذين اشتروا أو اشتركوا في المنتجات الروسية أو الصينية".

يشير الكاتب إلى أنه لا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كان اللقاح الروسي "سبوتنيك" أو اللقاحات التي طورتها الصين "سينوفرام" و "سينوفاك"، فعالة أو آثارها ضارة، ولكن هذين الأمرين بنسبة لبكين وموسكو قد تكون قضايا خارج الموضوع.

في رأي الكاتب، فإن القيام بجولة قصيرة عبر الشرق الأوسط يكشف حجم دبلوماسية اللقاحات التي تمارسها الصين.

"تمارس الصين الآن ما يعرف بـ′دبلوماسية اللقاحات′ مع عدد لا بأس به من شركاء أمريكا في الشرق الأوسط"... ماذا عن دور الصين وروسيا في عملية توزيع اللقاحات في المنطقة وما الموقف الأمريكي منها؟

في أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدأت مصر في تلقيح العاملين في مجال الرعاية الصحية بلقاح "سينوفارم" الصيني، وهو ما يعلق عليه كوك بالقول إن قبول مصر السريع للقاح الصيني هو أيضاً جزء من جهود القاهرة لتصبح مركزاً إقليمياً لإنتاج اللقاحات وتوزيعها، بما في ذلك الروسي.

يعود الكاتب للخلف، ويصف ذلك بأسلوب "الحياد الإيجابي" الذي كان ينتهجه جمال عبد الناصر، والذي سعى فيه المصريون للتغلب على القوى العظمى لاستخراج أقصى قدر من الموارد من كل منها، إذ تستعد القاهرة في ذات الوقت لتلقي 50 مليون جرعة من "فايزر" و"أسترازينيكا"، وهذا يعكس الطريقة التي يرى بها المصريون علاقاتهم الشاملة مع الصين وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا.

كذلك، بدأت تركيا في تلقيح مواطنيها بلقاح صيني الصنع، على الرغم أن تجارب المرحلة الثالثة لن تنتهي حتى في الشهر المقبل، لكن الحكومة التركية غيرت لوائحها بشأن اللقاحات من أجل تسريع العملية. ويأتي ذلك في وقت تشعر فيه أنقرة أنها معزولة عن شركائها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة.

في ذات الوقت، تحصل تركيا على دفعة متواضعة من لقاح "فايزر"، إلا أن الحكومة في أنقرة تبدو أكثر حرصاً على العمل مع روسيا والصين.

صحيح أن تركيا وروسيا على طرفي نقيض من مجموعة متنوعة من الصراعات الإقليمية، لكنهما تمكنتا من احتواء تلك الاختلافات وفصلها لخدمة أهدافهما الأكبر، ولا سيما رغبة أنقرة في الاستقلال عن الغرب ومصلحة موسكو في إضعاف التحالف الغربي وزرع الانقسام في الاتحاد الأوروبي.

يقول الكاتب: "من المرجح أن يؤدي عمل الأتراك والروس معاً على اللقاح إلى إنقاذ الأرواح، لكنه أيضاً يعزز الأهداف الاستراتيجية. عندما يتعلق الأمر بالصين، مثل أي شخص آخر في العالم تقريباً، يرغب المسؤولون الأتراك في الاستفادة من العلاقات التجارية وثقل مواز للولايات المتحدة".

في الخليج، اشترى السعوديون لقاح "فايزر"، والقطريون يستخدمون "فايزر" و"مودرنا" الأمريكيين، وتستخدم عُمان والكويت "فايزر"، لكن البحرين والإمارات تقدمت أيضاً بـ"سينوفارم" الصيني إلى جانب "فايزر" الأمريكي.

والتقطت صورة لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو يتلقى لقاح "سينوفارم"، وهم كذلك لديهم القدرة المالية لشراء اللقاح الأمريكي الأغلى سعراً.

في رأي الكاتب: "تعمل الدول على التحوط من الانسحاب الأمريكي واستقطاب السياسة الأمريكية الذي يجعل واشنطن أقل فاعلية دبلوماسياً وعسكرياً وشريكاً اقتصادياً، ما يجعل الصين وروسيا بديلتين معقولتين تقدمان حلولاً فعالة من حيث التكلفة".

ومع ذلك، لا يزال يُنظر إلى الولايات المتحدة على أنها المعيار الذهبي من حيث التعليم والرعاية الصحية والبحث والتطوير والتكنولوجيا التي جعلت حياة الناس أفضل.

وينتهي الكاتب إلى أن الأمريكيين إذا كانوا قلقين بشأن التحدي الصيني والروسي، فإن غياب الولايات المتحدة عن مكافحة فيروس كورونا في مجموعة متنوعة من الأماكن المهمة، بما في ذلك الشرق الأوسط، أمر حساس.

ويبدو أن السيطرة الغربية على الأمراض المعدية ثم العمل على القضاء عليها ستكون ثماراً يمكن من خلالها كسب القلوب والعقول في المنطقة والتغلب على موسكو وبكين في هذه العملية.

بروباغندا اللقاح

مع ظهور أزمة كورونا، سارعت دول إقليمية إلى استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية، فتركيا تفاخرت بقدرتها على شحن المساعدات الطبية للدول المنكوبة، فيما بدأت الآلة الإعلامية الإسرائيلية تتباهى بقدرتها العلمية في إيجاد لقاح ينقذ البشرية.

في الأول من تشرين الأول/ نوفمبر الماضي، كتب حساب إسرائيل بالعربية: "هذا هو يوم أمل لمواطني إسرائيل والمنطقة: تنطلق اليوم في إسرائيل مرحلة التجارب السريرية على البشر للقاح جديد ضد الكورونا طوره المعهد البيولوجي الإسرائيلي. ستستمر التجارب عدة أشهر. وأعلن مدير المعهد أن اللقاح سيكون متاحاً ليس لسكان دولة إسرائيل فحسب بل لجيرانها في المنطقة أيضاً".

وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، في تغريدة يغازل بها المتابعون العرب: "أمل من إسرائيل، بدأت صباح اليوم مرحلة التجارب السريرية للقاح كورونا الذي طوره المعهد البيولوجي الإسرائيلي، نأمل أن تتكلل هذه التجارب بالنجاح، لتكون أملًا لمواطني إسرائيل وسكانها ومن خلالها للعالم أجمع وبالأخص جيراننا في الشرق الأوسط".

لم تمر سوى عشرة أيام على البروباغندا الإسرائيلية، حتى أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن رئيس الحكومة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أجرى "محادثة ناجحة" مع الرئيس التنفيذي لشركة "فايزر" ألبرت بوريلا، من أجل الحصول على اللقاح، وتبخرت كل الأخبار المتعلقة باللقاح الإسرائيلي.

في أيار/ مايو الماضي، زار الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين المعهد البيولوجي الإسرائيلي، بعدما زعم أنه سجل إنجازاً علمياً عالمياً في الحرب ضد كورونا، حيث طور مضادة تحيد الفيروس الخبيث. وقال روفلين للعلماء: "أخبرني قادة دول أنه في ما يتعلق بالابتكارات فإنهم يتطلعون إلينا. شكرا لكم! أنتم تسطرون أمجاد اسرائيل".

وحتى أردوغان شارك شخصياً في الترويج للقاح تركي مزعوم، إذ قال في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي: "سنضع لقاح كورونا الذي ستنتجه تركيا في خدمة البشرية جمعاء".

وبعد أقل من أسبوعين، أعلنت تركيا أنها وقعت اتفاقاً مع شركة "بايونتك" لشراء لقاحات "فايزر" المضادة لكورونا. وفي 14 كانون الثاني/يناير الحالي، انتشرت صور أردوغان نفسه وهو يتلقى الجرعة الأولى من لقاح "سينوفاك" الصيني، وطرحه بجميع أنحاء تركيا.

وكانت الإمارات كذلك من الدول المدعية بأنها طورت لقاح كورونا، إذ أعلنت وسائل إعلام إماراتية في أيار/مايو الماضي أن مركز أبوظبي للخلايا الجذعية في العاصمة الإماراتية، طور "علاج" لفيروس كورونا المستجد بالاعتماد على الخلايا الجذعية.

بموازاة الحديث عن اللقاح الأمريكي، دخلت كل من الصين وروسيا على خريطة توزيع اللقاحات في دول الشرق الأوسط، في وقت تُثير جهودهما تساؤلات حول استثمار هذا النشاط لغايات أبعد، وحول موقف أمريكا من هذه الجهود

وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أعلنت الإمارات وصول أول شحنة من لقاحات كورونا التي طورتها شركة "فايزر" الأمريكية بالتعاون مع "بايونتك" الألمانية.

وذكرت وكالة أنباء الإمارات أن التسجيل في حالات الطوارئ في الإمارات للقاح "فايزر" يأتي بعد أسبوعين من الموافقة على لقاح طورته شركة "سينوفارم" الصينية.

دول خارج المنافسة

على الرغم من زيارته لمراكز والمختبرات في باريس، لم يُتوج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالإعلان عن وصول بلاده للقاح، وهو أمر تحمله هو شخصياً بحسب عدد من المحللين.

يعلق المحلل توفيق قويدر شيشي على الأمر بالقول: "فرنسا تعرضت لصفعة كبيرة بعدما فشلت في توفير اللقاح، إذ بات يُنظر لها سلبياً، من قبل حكومات المنطقة، وحتى في العالم، باعتبارها دولة غير متقدمة في البحث العلمي، وأقرت الحكومة بذلك صراحة بسبب عجز التمويل".

ويشير المحلل الجزائري المقيم في فرنسا، في حديثه لرصيف22، إلى أن المواطنين العرب والأفارقة الذين كانوا يتوافدون للعلاج إلى فرنسا، غيروا وجهتهم نحو ألمانيا وبريطانيا، وهذه خسارة كبيرة لباريس مالياً ومعنوياً.

ويلفت شيشي إلى أن سبب تراجع فرنسا في البحث العملي، وفشلها في معركة اللقاحات، كان بسبب ضعف التمويل، والذي أدى إلى تسليط الضوء على إنفاقها الكبير في المجال العسكري، حيث كانت تنفق بشكل كبير لاقتناء الأسلحة وتدعيم قواتها وتعزيز نفوذها ومؤسساتها خلال السنوات الماضية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard