يبدو أنّ حياتي لم تكن قاسيةً بما يكفي لأصبح واحداً من العظماء والمشاهير

السبت 19 ديسمبر 202001:47 م

يمكنني القول إنني، ككل العظماء والمشاهير، عشتُ طفولةً قاسيةً جداً، وبنيتُ مجدي العظيم بدون مساعدة أحدٍ باستثناء أبي الذي وقف إلى جانبي على كافة الأصعدة، وأمي التي قدّمت لي الرعاية والاهتمام، وإخوتي الذين دللوني بحكم أنني كنت أصغرهم، وعمّي الذي كان يحبّني كأحد أولاده واشترى لي دراجةً هوائيةً حين كنت في الصف السادس الابتدائيّ، وبعض الأصدقاء الذين دعموني ووقفوا إلى جانبي في أزماتي العاطفية والمالية والاجتماعية والنفسية.

حسناً، يبدو أنّ حياتي لم تكن قاسيةً بما يكفي لأصبح واحداً من العظماء والمشاهير... ولكن هذا لا يعني أنني لم أتعرّض لمواقف قاسية، بل بالغة القسوة لم يتعرض لها إنسانٌ على هذه الأرض منذ فجر التاريخ حتى الآن، مواقف فيها من المعاناة والألم ما يكفي لأصبح أشهر المشاهير وأعظم العظماء.

ولكن على ما يبدو هنالك عملٌ مؤسساتيٌّ عالميٌّ استطاع النيل منّي والتعتيم على حضوري الأرجواني الذي لا يتكرر! فحادثة التبول المؤلمة والقاسية في الصف الأول الابتدائي كفيلةٌ لوحدها أن تجعلني الأشهر والأعظم في العالم.

وقَعَت هذه الحادثة التاريخية في بداية الفصل الأول من المدرسة. كنت وقتها قد صادفت حب حياتي: فتاةٌ شقراء بعيونٍ ملوّنةٍ وجدائل غاية في الجمال. بالطبع، لم أبُح لها بحبي لأنّي لم أكن أملك الشجاعة لأفعل، وكلما نظرت إلى وجهها كان قلبي يدقّ بسرعة غزالٍ يفرّ من مفترسه، وجسدي يسخن ويبرد، وأشعر بضيقٍ في التنفس وارتخاءٍ في الركبتين.

في إحدى المرات بينما كنت عائداً من المدرسة إلى البيت، شعرت بأن مثانتي ستنفجر، فدخلت مسرعاً إلى أحد كروم الزيتون المحاذية للطريق، وخلف إحدى الشجرات قمت بالتبول. كنت أرتدي مريول المدرسة وفوقه سترةً صوفيةً وسروال فيه جيبين صغيرين جداً عليهما نقش على شكل زهرةٍ. وبالطبع هذا السروال ليس له أزرار ولا سحاب ولا مكان للحزام، وهو مثبّت على خصري بمطاطٍ رفيعٍ قابلٍ للانقطاع في أيّ لحظة. وبعد أن انتهيت من التبول وبينما أقوم برفع سروالي انقطع المطاط. شعرت بالارتباك والخوف رفعت السروال عدة مراتٍ ولكنه كان ينزل، وكان من المستحيل أن أعرف الطريقة التي يمكنني فيها إصلاح الضرر الجسيم الذي أصاب سروالي.

بكيت ثم بدأت بالصراخ، سمع بعض التلاميذ صراخي فاقتربوا وبعد أن استفسروا عن المشكلة قام أحدهم بإخبار أختي فجاءت وقامت بحل المشكلة، في اليوم التالي كانت سيرتي على لسان الجميع، وحبيبتي سمعت بما حدث، ما جعلني أشعر بالدمار والألم والخجل، لدرجة أنّي لم أتجرأ على النظر إليها طوال العام الدراسي.

في الصف الثاني الابتدائي، ومع افتتاح المدرسة، رفضت ارتداء السروال ذي الحزام المطاطيّ، ما جعل أبي يشتري لي سروالاً بسحابٍ معدنيٍّ وزرٍّ وحزامٍ، وكان من المستحيل أن ينقطع الحزام والزر ويخرب السحاب في الوقت نفسه. هذا ما جعلني أشعر بالثقة أثناء التبول.

"على ما يبدو، هنالك عملٌ مؤسساتيٌّ عالميٌّ استطاع النيل منّي والتعتيم على حضوري الأرجواني الذي لا يتكرر! فحادثة التبول المؤلمة والقاسية في الصف الأول الابتدائي كفيلةٌ لوحدها أن تجعلني الأشهر والأعظم في العالم"

في تلك الأيام، لم أكن أرتدي تحت السروال "كيلوتاً" (سروال داخلي) لأنه وببساطة لم يكن لدي واحدٌ، وكان هنالك الكثيرون من أبناء جيلي ممن لا يرتدون "كيلوتات" تحت سراويلهم. وللدقة، لم أكن أعلم بوجود شيء اسمه "كيلوت".

وفي إحدى المرات، وأثناء عودتي من المدرسة اضطررت للتبول في كرم الزيتون المحاذي للطريق. كنت مطمئناً إلى أنني لن أتعرض لموقفٍ مشابهٍ لما حدث في السنة الماضية. وحين انتهيت، رفعت بثقةٍ سروالي وقمت بسحب السحاب المعدني بسرعة نحو الأعلى، ولأنّي لم أكن أرتدي "كيلوتاً"، وبسبب خطأ بسيط في تقديري للمسافة، اصطدم "الشئسمو" بالسحاب، ودخل القليل منه بين مسنناته فصرخت من الألم، وكاد يغمى عليّ وصرت كلما أحاول سحبه أشعر بألمٍ رهيبٍ...

كالعادة، اجتمع التلاميذ حولي، وقام أحدهم بدور الحمام الزاجل وأوصل الخبر إلى أختى التي جاءت وقامت بحلّ المشكلة بصعوبةٍ أمام جمهورٍ لا بأس به من التلاميذ. بكيت طوال الطريق إلى المنزل من شدة الألم والخجل، وتغيّبت عن المدرسة ليومين متتالين، وحين عدت جاء بعض التلاميذ وبهدف السخرية سألوني: "كيف الشئسمو؟ لسا عم يوجعك؟". بالطبع حبيبتي سمعت بالأمر وكان هذا أكثر شيءٍ آلمنى بعد السحّاب المعدني.

"في طفولتي، كان والدي يأخذني معه لزيارة أقاربنا في المدينة، وكنت أشعر بالقرف من دخول التواليت الموجود داخل منزلهم... لم أستطع فهم كيف يمكنهم أن يحتملوا فكرة التبول والتغوط في مكانٍ داخل المنزل، ففي قريتي لا يوجد بيتٌ فيه تواليت"

ما حدث لي في المدرسة أمام حبيبتي الشقراء أم الجدائل والعيون الملونة لم يكن الشيء الوحيد الذي عانيت منه خلال حياتي، فهنالك مواقف عديدة أربكتني ولم أعرف كيف أتعامل معها، وترَكَت أثراً سلبياً على نفسيتي، كان أبرزها: دخول حمام أحد المقاهي في المدينة.

في طفولتي، كان والدي يأخذني معه لزيارة أقاربنا في المدينة، وكنت أشعر بالقرف من دخول "التواليت" الموجود داخل منزلهم، والذي كان عبارة عن حفرةٍ في البلاط وقربه خرطوم ماءٍ، ومغسلةٌ عليها صابونةُ، ومسمارٌ عُلقت عليه منشفةٌ.

لم أستطع فهم كيف يمكنهم أن يحتملوا فكرة التبول والتغوط في مكانٍ داخل المنزل، ففي قريتي لا يوجد بيتٌ فيه تواليت، وبيتنا لم يكن استثناءً، وكنت أقوم بقضاء حاجتي في البرية صيفاً شتاءً.

في الصيف، كنت أتبرز بين نبتتين من الفاصولياء، أو تحت أشجار البرتقال، ثم أمسح مؤخرتي إما بالأحجار الملساء أو بالحشائش. وأنا أتبرز كنت أستمتع برسم دوائر بإصبعي على التراب وأحياناً مستطيلاتٍ أو أشكالاً لا معنى لها، وأراقب الحشرات التي تمرّ والعصافير التي تغط قربي وتطير فجأةً بعد أن تكتشف وجودي. كان الأمر ممتعاً!

أما في الشتاء، فكان الأمر صعباً للغاية. في عمر السابعة عشرة، تعرّفتُ على بعض الأصدقاء من أبناء المدينة، وقام أحدهم بدعوتي إلى شرب كأسٍ من المتة في أحد المقاهي. كانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها مقهى. وعندما أردت الذهاب إلى الحمّام، طلبت من النادل أن يرشدني إلى مكانه، وحين دخلت شعرتُ بالاستغراب فلم أكن أتخيل أبداً أن أرى شيئاً أبيضَ، وعليه غطاء، وقربه مغسلة فوقها مرآةٌ وصابونةٌ وعلبة مناديل وسلة مهملات.

للوهلة الأولى، ظننت أن النادل أخطأ في إرشادي إلى المكان الصحيح... لم أكن أعرف كيف يُستخدَم هذا الشيء الأبيض، وخاصةً أنني كنت بحاجةٍ للتبرز، وكان من المستحيل أن يخطر ببالي أنه بإمكاني الجلوس عليه كما أجلس على الكرسي، فأنا ابن الريف ومعتادٌ على القرفصاء والأحجار الملساء والحشائش. ولأني كنت أجهل تماماً كيفية استخدام هذا الاختراع الأبيض الأحمق، لم أتردد لحظةً في أخذ وضع القرفصاء على المكان الذي كان يجب أن أجلس عليه، وكي لا أسقط أمسكتُ بخزان المياه الذي لم أكن أعلم بوجود المياه فيه، ولم أكن أعلم أيضاً أنه يجب الضغط عليه بعد الانتهاء... عانيت يومها كثيراً، وكان من حسن حظي أن لا تلاميذ يشاهدون ما حدث!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard