"لا تصافح غريباً فيسرق قضيبك"... عن متلازمة كورو واختفاء الأعضاء التناسلية

الجمعة 15 يناير 202106:23 م

"لا تخافوا كورو"، هذا العنوان تصدّر صحيفة Straits Times في 7 نوفمبر 1967، بعد أن سيطرت الهستيريا الجماعية على المشهد العام في سينغافورة: آلاف الرجال توهموا بأن أعضاءهم الذكرية تتقلّص وقد تختفي، من هنا عمد البعض منهم إلى محاولة التمسك بالعضو الذكري وإحكام القبضة عليه من خلال استخدام الرباط المطاطي، الملابس والخيوط، أو حتى جعل المقربين منهم يمسكون قضيبهم إلى أن يحصلوا على علاج.

أما سبب هذه الظاهرة الغريبة فتعود إلى اعتقاد البعض بأن "اختفاء" القضيب المفاجىء قد يحدث بسبب تناول لحم الخنازير التي تم تطعيمها في برنامج فرضته الحكومة على المزارع السنغافورية، وعليه، تراجعت مبيعات لحم الخنازير بسرعة قياسية.

والمفارقة أن بعض الأطباء استفادوا من هذه المتلازمة الغريبة، التي يُطلق عليها اسم "كورو"، وأوصوا بالحقن المختلفة والعلاجات التقليدية، بغية كسب المال.

كيف يمكن لمئات الأشخاص أن يقتنعوا فجأة أن أعضاءهم التناسلية آخذة بالاختفاء؟

"سرقة" العضو الذكري

في أحد أعداد مجلة Pacific Standard Magazine، وصفت عالمة الإنثروبولوجيا من جامعة كاليفورنيا، لويزا لومبرد، رحلتها إلى بلدة صغيرة في جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث قابلت رجلين زعما أن قضيبيهما قد سُرقا.

ولاحظت لومبرد فور وصولها إلى بلدة Tiringoulou أن العديد من الأشخاص توقفوا عن مصافحة بعضهم البعض، وسرعان ما اكتشفت السبب: في اليوم السابق، صافح أحد المسافرين بائعاً زعم على الفور بأن قضيبه قد تقلص، فبدأ بالصراخ واجتمعت حوله حشود من الناس، هذا وادعى رجل آخر بأن الأمر حدث له أيضاً.

يمكن تعريف متلازمة كورو بأنها اضطراب نفسي يتسم بالقلق والخوف العميق من انكماش القضيب و/أو تراجع الأعضاء التناسلية إلى البطن، حتى تختفي

من هنا اعتقد العديد من رجال سكان هذه القرية أن أي لمسة مع شخص غريب قد تتسبب في "سرقة" العضو الذكري، بنفس الطريقة التي قد يسرق بها النشال المحفظة.

ما نتحدث عنه ليس مزحة بل هو اضطراب نفسي حقيقي يدعى كورو Koro، والذي يعتقد ضحاياه بأن أعضاءهم التناسلية تتقلص أو تختفي في الجسم.

واللافت أن الهلع الذي يشعر به هؤلاء لا يقتصر على الحياة الجنسية فقط، بل على حيواتهم أيضاً، بحيث إنهم يعتقدون بأن هذه الحالة تهدد حياتهم في حال لم يتم علاجها.

الخوف من الموت الوشيك

يمكن تعريف متلازمة كورو بأنها اضطراب نفسي يتسم بالقلق والخوف العميق من انكماش القضيب و/أو تراجع الأعضاء التناسلية إلى البطن، حتى تختفي.

يعتقد الأفراد الذين يعانون من هذه المتلازمة أن تقلص القضيب لديهم هو علامة تحذير على موتهم الوشيك، بحيث يعتقدون أنهم سيموتون بسبب "تشوهاتهم".

هناك نمط معيّن يسود بين الأفراد الذين أصيبوا بمتلازمة كورو: يشعر الشخص المصاب بإحساس غريب بالوخز في أعضائه التناسلية، يليه نوبة هلع وخوف مفاجىء من اختفاء العضو، الأمر الذي يدفع البعض إلى الشدّ بقوة لإبقاء القضيب في مكانه ومنعه من التراجع والانكماش، ما يؤدي إلى إصابات جسدية حقيقية وخطيرة.

واللافت أن الخوف من فقدان العضو الذكري هو أكثر شيوعاً مما يعتقد البعض، ويظهر بشكل منتظم إلى حدّ ما في بعض الثقافات في جميع أنحاء العالم، بخاصة في الصين، الهند واليابان، كما يُشار إلى هذه المتلازمة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا باسم متلازمة تراجع الأعضاء التناسليةGenital Retraction Syndrome.

وبالرغم من أن تاريخ كورو يعود إلى آلاف السنين، إلا أن أحدث انتشار لهذه المتلازمة حدث في العام 2015 في شرق الهند، ووقعت النساء أيضاً ضحيته، بحيث أثرت هذه الظاهرة على 57 شخصاً، من بينهم 8 نساء أعربن عن خوفهنّ من أن تتراجع حلماتهنّ وتختفي، هذا وتبيّن أن بعض النساء كشفن عن خشيتهنّ من اختفاء الشفرين الكبيرين والثدي.

العوامل المؤثرة وسبل العلاج

يبدو أن متلازمة كورو التي تتركز حول الأعضاء التناسلية تتأثر بشدة بالمعتقدات الثقافية.

ففي بعض حالات تفشي المرض في غرب إفريقيا، اعتقد المصابون أن أعضاءهم التناسلية تُسرق لأسباب غامضة، لها علاقة بمصافحة الغرباء أو تناول أطعمة معيّنة، أما في العصور الوسطى في أوروبا، فقد تم تحميل السحرة مسؤولية انكماش الأعضاء التناسلية لدى السكان المحليين، والذين زعموا بأن الأعراض قد هدأت بعدما تم استرضاء السحرة.

وبعيداً عن السحر والأسباب التي تتسم بالغموض، اتضح أنه غالباً ما تلعب الأخلاق الشخصية، العوامل الثقافية والعقيدة الدينية، بالإضافة إلى حالة الصحة العقلية، دوراً في الحالات المصابة بمتلازمة كورو.

فقد وجدت دراسة أجريت في العام 2008 ونشرت في مجلة علم النفس الألماني، أن العديد من الأفراد المصابين أبلغوا عن لقاء جنسي جعلهم غير مرتاحين، مثل إقامة علاقة جنسية خارج نطاق الزواج، هذا وكان لدى البعض منهم مستويات عالية من الخوف أو الذنب أو الخزي، وذلك يعود بشكل خاص إلى غياب الثقافة الجنسية، ففي العادة تبيّن أن العديد من المصابين بمتلازمة كورو غير مطلعين على سن البلوغ الفيزيولوجي، كما حُرموا من تلقي المعلومات الجنسية المناسبة التي تفسر نموّهم البدني.

واللافت أنه في دراسة أخرى أجراها باحثون ألمان، لوحظ أن المرضى الذين تمّ علاج اضطرابهم العقلي، تضاءل خوفهم من تراجع الأعضاء التناسلية أكثر من مرة، هذا وشدد الباحثون الألمان أيضاً على أن متلازمة كورو منتشرة أكثر مما يتم الإبلاغ عنه، إذ إن العديد من المرضى قد يحجمون عن الإبلاغ عن أعراضهم بسبب الشعور بالعار.

يشعر الشخص المصاب بمتلازمة كورو بإحساس غريب بالوخز في أعضائه التناسلية، يليه نوبة هلع وخوف مفاجىء من اختفاء العضو، الأمر الذي يدفع البعض إلى الشدّ بقوة لإبقاء القضيب في مكانه ومنعه من التراجع والانكماش، ما يؤدي إلى إصابات جسدية حقيقية وخطيرة

على الرغم من اختلاف التفاصيل لكل حالة، إلا أنه يبدو أن الخطر الأكبر للإصابة بكورو موجود لدى الأشخاص الذين يعانون أصلاً من مشاعر القلق، الذنب أو الخوف غير المبرر: "الخوف هو الذي يجعل الناس يفكرون في الأمر، الخوف الذي يمكن أن يشوّه نظرتهم إلى أعضائهم التناسلية، والخوف هو الذي يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات متطرفة لسحب القضيب لخارج أجسادهم، وهو ما يُعرف بأنه يسبب الإصابة والموت"، بحسب ما ذكرته العديد من الدراسات.

كيف يمكن لمئات الأشخاص أن يقتنعوا فجأة أن أعضاءهم التناسلية آخذة بالاختفاء؟

أما بالنسبة إلى العلاجات، فتختلف، بطبيعة الحال، وفق كل حالة والعوامل المؤثرة، ولكن غالباً ما يتم التعامل مع هذه المتلازمة على أنها رهاب، وبالتالي يتم وصف أدوية مضادة للاكتئاب، كما تبيّن أن الأدوية المضادة الذهان يمكن أن تساعد أحياناً في تقليل الأعراض.

وفي هذا السياق، كتب عالم الاجتماع روبرت بارثالوميو، في كتاب Hoaxes, Myths, and Mania: Why We Need Critical Thinking أن ضحايا هذا الرهاب يتعافون من هاجس تقلص الأعضاء التناسلية في غضون ساعات أو أيام، بعد اقتناعهم بأن المرض قد انتهى أو لم يكن موجوداً.

يُذكر أنه في العام 2003، سرت شائعات في السودان تحذّر من "المصافحة بالأيدي لوجود مشعوذين وسحرة، بإمكانهم إصابة الرجال بالعجز الجنسي، بل وفقدان أعضائهم التناسلية بمجرد مصافحتهم".

ووسط صخب إعلامي، قامت الشرطة حينها باعتقال عشرات المشتبه بهم، وعرضتهم على الأطباء الذين أكدوا سلامتهم تماماً، الأمر الذي دفع الشرطة الى توجيه اتهامات ضد "المشتكين" بنشر الذعر بين المواطنين/ات وإزعاج السلطات، هذا وتدخل المدعي العام السوداني نافياً وجود أية حالة تؤكد صحة الادعاء.

باختصار، يمكن اعتبار متلازمة كورو مثالاً على الهستيريا الجماعية أو الوهم، حيث يمكن أن يؤثر اعتقاد ثقافي جماعي على تجربة شخص واحد، بغض النظر عمّا إذا كان هذا الاعتقاد حقيقياً وموضوعياً أم لا، وبالتالي، إن هلع اختطاف الأعضاء التناسلية هو تذكير مهم لنا بأن لا أحد في مأمن من الأوهام الجماعية، وأن تأثير الثقافة والمجتمع على السلوك الفردي أكبر بكثير مما يرغب معظمنا بالاعتراف به.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard