العضو الذكري كامتياز للصبي في عائلته ومجتمعه

الجمعة 28 أغسطس 202010:50 ص


تبدأ الحكاية من "الله يطعمك صبي"، وصولاً إلى محاولات عديدة لإنجابه إنْ لم يفلح الأمر منذ البداية، وعندما يصل فيا فرحةً ما بعدها فرحة، فهو المنتظر الموعود. ومَن هي العائلة التي لا ترغب في أن تحظى بالصبيان حتى ولو تجاوز عدد بناتها العشرين؟!

في المجتمعات الذكورية التي تجعل من قدوم الإناث مصاباً ومن قدوم الذكور مطلباً ونعمة، تبدأ رحلة تصنيع الذكورة والتمييز الجنسي Sexism /Gender Discrimination التي قد تضمن الاعتقاد بأن أحد الجنسين متفوق فطرياً على الآخر، منذ الولادة.

في البداية يُحتفل بمراسم الطّهور فيجتمع أفراد العائلة والأقارب من الرجال- ومن النساء أيضاً في بعض الطوائف/ الجماعات الأقل تحفظاً- لمراقبة عملية الطّهور التاريخية، تلك التي يُتوَّج فيها العضو الذكري ويُعلَن انتصار صاحبه في الوجود كذكر. وقد يقوم البعض بتوثيق هذه العملية بتصويرها لمشاهدتها لاحقاً أو لعرضها لمَن فاتته تلك الاحتفالية. أما عند الجماعات التي لا تقوم بتطهير المولود، فيُكتفى بحفل استقبال المولود الجديد.

يترعرع الولد الصغير في كنف عائلته التي إذا ما أرادت التعبير عن حبها له، تغنت بعضوه الذكري، الحمامة والفرفورة والبتاع وغيرها من التسميات التي تُستخدم للإشارة إلى العضو الذكري.

لكن يبقى لـ"الزبّورة" وقعٌ خاص على مسامعي، فهي كلمة الدلع المستخدمة في البيئة التي نشأت فيها- إحدى بيئات الساحل السوري. وعلى الرغم من أني اختبرت هذا النوع من التودد في الماضي إلا أني ما زلت أسمعها في محيطي حتى يومنا، إذ لا تتردد الجدات والأمهات إذا ما أردن التعبير عن محبتهن في ترديد جمل مثل "عيني الزبورة/ دخيلا/ محلاها" أو "عيني بيضاتو"، تغنياً بخصيتيه وفرحاً بهما، على مسامع الصبيّ حتى بلوغه الخامسة أو أكثر ربما، وعلى مسمعٍ من جميع أفراد العائلة الإناث والأقارب والجيران. وينشأ الولد على تلك المحبة الهائلة والوله المُقدَّم لعضوه الذكري.

قد تصل الحالة إلى أن يدفعوا الطفل بعد أن يصير قادراً على المشي والكلام لعرض "الزبورة" أمام أقاربه، من الرجال غالباً، كنوع من المزاح يقابَل بأن يبيّن المشاهدون للطفل كم هو محظوظ لامتلاكه عضواً ذكراً: "أيلاي، عندك زبورة؟".

هناك نكتة شائعة في المنطقة مفادها أن رجلاً غربياً وابنه جلسا مع رجل محليّ وابنه، فأراد الرجل الغربي التباهي بولده فقال له أرِهم كيف ترسم/ كيف تعزف الموسيقى/ كيف تستخدم الكومبيوتر، فما كان من الرجل المحليّ إلا أن قال لولده: "ورجيه لعمو الزبورة". تعكس هذه النكتة مدى الاحتفاء بالعضو الذكري واعتباره إنجازاً وجودياً في مجتمعاتنا.

"يترعرع الولد الصغير في كنف عائلته التي إذا ما أرادت التعبير عن حبها له، تغنت بعضوه الذكري، الحمامة والفرفورة والبتاع وغيرها من التسميات التي تُستخدم للإشارة إلى العضو الذكري"

أما الفتيات فينشأن في هذه البيئة على عقد نقص بسبب ما لا يمتلكنه كالفتيان وما لا يستطعن فعله كالفتيان. العديد من الفتيات ممن عرفتهن في طفولتي يذكرن وبشكل جيّد كيف سألن أمهاتهن مرة: "ماما ليش ما عندي زبورة؟"، عقب سماع عباراتهن التوددية لعضو الابن أو الولد من الأقارب، ما أثار لدى الفتيات الصغيرات تساؤلاً وجودياً مهماً حول سبب عدم امتلاكهن لهذا العضو "الفخري".

الأمهات، الجدات، الخالات كمتحرشات

تقترح الشبكة الوطنية للاغتصاب والإساءة وسفاح القربى (RAINN)، المنظمة الأكبر في الولايات المتحدة لمناهضة الاعتداءات الجنسية، ومؤسسات أخرى مثل تشايلد مايند، أن من الخطوات الأساسية لتوعية الطفل حول التحرش الجنسي والاعتداء الجنسي وتجنّبهما تثقيفه حول أعضائه التناسلية بالمسميات الصحيحة وبالشكل الصحيح. والخطوة الأهم في هذا الإطار هي معرفة الطفل بأن تلك الأعضاء/ الأماكن هي أماكن حساسة خاصة لا يجب أن يلمسها أو ينظر إليها أحد من دون داعٍ.

"هناك نكتة شائعة في المنطقة مفادها أن رجلاً غربياً وابنه جلسا مع رجل محليّ وابنه، فأراد الرجل الغربي التباهي بولده فقال له أرِهم كيف ترسم/ كيف تعزف الموسيقى/ كيف تستخدم الكومبيوتر، فما كان من الرجل المحليّ إلا أن قال لولده: ورجيه لعمو الزبورة"

لكن، وفي كثير من الحالات، تكون الأمهات والجدات أو الخالات المتحرشات الأوائل من حيث لا يدرين، فهن لا يبرحن يمكسن عضو الطفل ويلعبن به أثناء توددهن للولد وتدليعه بالعبارات آنفة الذكر، مبتعدات تمام الابتعاد عن الحفاظ على خصوصية هذه الأعضاء.

ونتيجة لهذه الحالة الاعتيادية من عدم الاكتراث بموضوع خصوصية الأعضاء التناسلية، ما زلت حتى الآن أشاهد الأطفال في البيئات الفقيرة وحتى الحضرية يلعبن عراة في الشارع أو أمام مدخل المنزل، دون أن يكترث أهلهم بذلك، وكل منهم يترك عضوه للهواء الطلق والعامّة، لأنه "عادي، صبي".

هذه التصرفات وعلى سخافتها تكرّس الذكورية وثقافة عرض العضو والافتخار به بوصفه امتيازاً يجعل من صاحبه متفوقاً في الأسرة والمجتمع، وتزرع ذلك في اللاوعي منذ الطفولة، وتتضافر معها السلوكيات التي تنتهجها المجتمعات الذكورية في الحط من شأن الإناث وتنميط أدوارهن الجندرية وغيرها من العوامل.

من الصعب إخبار الناس أن تلك السلوكيات ليست بسيطة وأنها تساهم في إنتاج وعي ذكوري واضح ينغرس في الذهنيات، والنساء أولى المشاركات فيه، ويضع الرجل في قمة الهرم ويمنحه الامتيازات لصدفة تكوينه البيولوجي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard