"أمي تخزنه في الصيف وأبي يحرسه في الشتاء"... حكايات "العولة" سيدة أطباق الجزائر

السبت 16 يناير 202104:33 م

"لا فرق بين النملة، التي لا تدخل عُشها في فصل الصيف حتى توُفر لنفسها خزيناً يكفيها في فصلي الشتاء والخريف، ونساء الجبال التي تتغطى بالثلج الأبيض، ويتجاوز عُلوه المتر الواحد، وتنخفض درجة حرارة المنطقة إلى ما دون الصفر"، هكذا تصفُ والدتي "روزة" حال والدتها وجدتها وكل نساء القرية في فصل الصيف، عندما يشتدُ الحر، ويجفُ النبات ، ويُحصدُ القمحُ.

تروي أمي، التي نشأت في إحدى قُرى "ذراع الميزان" التابعة لمُحافظة تيزي وزو (إحدى المناطق التي صنعت تاريخ النضال الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي) قائلة: "لم يكن البيت في القديم يُقدر بقيمة الأشياء الموجودة فيه أو بطريقة هندسته بل كان يُقدر بـ"العولة"، التي تُخزنها ربة البيت تحسُباً لحُلول فصل الرياح القوية، والثلوج، وزخات الأمطار".

"دار بلا عولة"

تُعيد والدتي بين الحين والآخر تذكر جزءاً من ماضيها الجميل، رُفقة جدتي، حينما كانت تجتمع مع نساء القرية داخل بيت "القرميد"، وتتوسط "الجفان" الكبيرة المصنوعة من الطين فناء الدار، مع أنواع مختلفة من الغرابيل الخشبية، ذات الثقوب الواسعة أو الضيقة، تحسُباً للشُروع في إعداد حبات الكُسكس، ذات اللون الأصفر، المصنوعة من حبوب القمح، وسط أجواء مُفعمة بالأغاني والإيقاعات القبائلية، بأنواعها: "أورار، تيبوغارين، أشويق"، والأخيرة هي الموسيقى الأكثر تعبيراً عن الثقافة التقليدية لمنطقة القبائل.

"الكُسكسي يعد جزءاً لا يتجزأ من ميراث "العُولة"، التي تُعدها النساء تحسباً لحلول فصل الشتاء"، تقول أمي، سألتها: "لماذا الكُسكسي بالذات وليس طبقاً آخر مثل البركوكس أو العيش (المردود)؟"، فردت "لأنه سهل التحضير، ولا يتطلبُ إمكانات كثيرة، كما أنه وفير، يُطهى بالمرق الذي يتضمن الدجاج أو اللحم والخضر والحمص المنقوع أو بالزبيب وحتى بالسكر والحليب، وقد يأكل بدون كل هذه الأمور".

"لم يكن البيت يُقدر بقيمة الأشياء الموجودة فيه أو بطريقة هندسته بل كان يُقدر بـ "العولة"، التي تُخزنها ربة البيت تحسُبًا لحُلول فصل الرياح القوية، والثلوج، وزخات الأمطار"

وعندما تنتهي النسوة من إعداد الكسكس، يوضع داخل أكياس بيضاء خاصة، وتُرص جنبًا إلى جنب رفقة القمح، الذي يحصده الفلاحون في فصل الصيف تحت شمس حارقة، وبجانب الخضر والفواكه الموسمية، التي يتم تجفيفها كالطماطم والتين المجفف، إضافة إلى "الخليع" أو "القديد"، وهو عبارة عن كميات من اللحوم، يتم تجفيفها بالملح تحت أشعة الشمس عدة أيام حتى تكتسب اللون الأصفر.

ويجري تخزين المواد التي تستخدم في التدفئة، والطهو مثل"الوقيد"، وهو روث الأبقار والبهائم، يتم تجفيه واستخدامه في إشعال النار.

في الماضي، كانت العائلات تحترم "سيدة البيت" التي تحرص على توفر "العولة"، إذ يستعان بها في فصل الشتاء، وفي المواسم، والمناسبات كالأعراس، وحفلات الختان.

ولم تغفل الأمثال الشعبية التي يزخرُ بها القاموس الشفوي الجزائري هذا التقليد، ومن أبرز الأمثال التي قيلت في هذا الشأن "حجار البلاء يتلقطوا نهار العافية" أو "دار بلا عولة من حظ الغولة"، أي أن المنزل الذي لا توجد فيه "خزينة الطعام" تلتهمه "الغولة" (وحش).

أسطورة البرد

" زمان الخير والقناعة، أيام رحيان القمح والنخالة والشعير، أيام تخزين الكسكس والعولة في بيت المونة، نساء تغربل، وأخرى تغني، وأخرى تربط الكسكاس بالقفال" هكذا تفتتح الجدة سميرة حديثها حول "العُولة" و"بيت المونة".

وتقول الجدة، التي بلغت العقد الثامن من عمرها، أنها قضت معظم عمرها في قريتها "أفرحونان" بأعالي مُحافظة تيزي وزو، تعد "العولة" التي ورثتها عن أمها، والتي بدورها أخذتها عن والدتها، "الأجداد تداولوا مثل شعبي يقول: "تجمبر كُول وقمبر"، أي أن الناس في القدم كانوا يجمعون العولة من البُقول الجافة، والكسكسي، ومُستلزمات اُخرى، يحتاجونها في البيت، خاصة خلال فصل كانون الثاني/ يناير المشهور بأسطورة العجوز".

كان والده يقضي ليله ونهاره في "بيت المونة" خلال آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر حتى لا يتسنى لأحد الاقتراب منها، ولا يخرج إلا بحلول الشتاء والثلوج، وانخفاض درجات الحرارة إلى ما دُون الصفر

تقول الأسطورة إن العجوز تحدثت إلى يناير حول المناخ القاسي، وهي ترعى أغنامها، فطلب شهر يناير من شهر شباط/ فبراير الماضي أن يُعيرهُ يوماً وليلة، للانتقام من العجوز، غير أن يناير جمّد أوصال العجوز وأغنامها، وهكذا جاء البرد القارس، لذلك كان الناس يحتاطون من هذه الأيام القاسية والصعبة، بخسب قول الجدة.

ومن أشهر المأكولات التي كانت تكدس لشهر الثلوج في أعوام المحاصيل الوفيرة، تذكر سميرة "الطبق التقليدي الأصيل "البركوكس" أو الذي يُسمى باللهجة الأمازيغية "أبركوكس" و "آمرذوذ" عند قرية "أيت مسعود"، إضافة إلى "العصيدة"، وهو طبق تقليدي يُطهى في مياه ساخنة، ويُقدم رفقة زيت الزيتون والسكر، وعادة ما يُقدم هذا الطبق للمرأة الحامل".

وتعتقدُ سميرة أن هذه الأطباق التي اُبتكرت أيام الفقر والشدة، لارتزالُ منافسة لأرقى الأطباق الحديثة، والفخمة في الأعياد والمناسبات الدينية، والولائم، حتى أن البعض لم يستغن عنها بسبب الغلاء، وتدني المستوى المعيشي، واتساع رقعة الفقر، فالكثيرون يترقبون بشوق حلول عيد الأضحى لأكل اللحم.

"بيت المونة"

ويقول محمد، الرجل الستيني من مدينة "عين بسام"، التابعة لمحافظة "البويرة" الجزائرية، لرصيف22: "المرأة في فصل الصيف تُصبحُ شبيهة بحكاية النملة المجتهدة، التي تتجه صباح كل يوم إلى عملها بنشاط لتوفر مؤونتها في الشتاء، حتى أن بعض النسوة كن يمتهن تربية الدجاج المحلي على نطاق واسع، تحسباً للأعياد التي تتزامن مع فترة الشتاء، كالاحتفال بيوم عاشوراء، والمولد النبوي الشريف، وبالخصوص الاحتفال بحلول رأس السنة الأمازيغية، حيث يتم ذبح الدجاج البلدي أو المعروف بـ"أيازيط أوحشاد"، ويطهى به طبق البركوكس، بالفول المجفف، والحمص المنقوع، وطبق الكسكس".

ويُضيف: "المؤونة في ذلك الزمن الجميل كانت بميزان الذهب والمجوهرات التي تمتلكها المرأة، وتُخبئها لوقت الأزمات، ويقول المثل "الحدايد للشدايد" أو "خبئ ودير للزمان عقوبة"، فأهم شيء كان يخبأ، ويخزن قناطير مثل القمح باعتباره مادة غير قابلة للتلف، إضافة إلى "الشخشوخة" و"البركوكس" والتوابل والطماطم المجففة".

ويتذكر محمد في أيام صباه، كان والده يقضي ليله ونهاره في "بيت المونة" خلال آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر حتى لا يتسنى لأحد الاقتراب منها، ولا يخرج إلا بحلول الشتاء والثلوج، وانخفاض درجات الحرارة إلى ما دُون الصفر، وخلال هذه الفترة تتوقف الحركة تقريباً في الخارج، إذ تُحاصر الثلوج القرويين في بيوتهم، ويُؤكد أن دار "العُولة" لم تكن حكراً على أهل البيت فقط، بل خيرُها كان يُعمم على كل زائر، وضيف، ومسكين، وعابر سبيل، فالكل يتذوق من "بيت المونة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard