أنا قصير القامة وأفتخر

الأربعاء 13 يناير 202112:15 م

يقف الدكتور النفسي – وهو قصير القامة – وأمامه مريضه الأقصر منه ويطلب إليه أن يردد: "أنا مش قصير قزعة. أنا طويل وأهبل".

يلخص هذا المشهد المقتبس من فيلم "مطاردة غرامية" ما يُعرف اليوم بـ "علم التنمية البشرية" على نحو كوميدي وعبثي. فالمطلوب من المريض هنا أن يقنع نفسه بأنه نقيض حقيقته، وأن يتوهم بأنه ليس قصيراً قزعة ولكنه طويل وأهبل. وهو ما يدفعنا للتساؤل: لماذا يفضل المرء أن يكون طويل القامة؟

التنمر يصنع العظماء

ربما يكون التنمر من أهم الدوافع التي تجعل قصير القامة يتمنى لو أنه يصبح مثل الآخرين، فهو: الربع، الشبر ونص، القزعة... وغيرها من الألقاب التي تلاحقه خاصة في فترة الطفولة.

"مش ناوي تطول شوية؟" سؤال سخيف يتردد على مسامع قصار القامة كنوع من الدعابة السمجة. 

 ولكن التنمر لا يقتصر على أصحاب القامات القصيرة فحسب، فصاحب البشرة السوداء، أو البدين، أو الطويل القامة يتعرضون أيضاً للتنمر المستمر. والتنمر أحياناً يكون سلاحاً ذا حدين، فهو قادر على قتل الروح بداخل الشخص المتعرض له أو بث روح جديدة قادرة على المواجهة والتحدي لإثبات قوته. لكن شخصيات عديدة، قصيرة القامة، كانت القوة البدنية والسرعة والمهارة من نصيبها، ولنا في مارادونا مثال لأقصر لاعب في ملاعب كرة القدم، ومع ذلك لم يستطع أحد أن يقف أمامه.  

وفي عالم المصارعة نجد الأسطورة هوجن والروج وجون مايكل وهما يحطمان لاعبين في حجم البيج شو وترابيل إتش، إنهما زعيما الاتحاد بلا منازع.

ولعل من أكثر التهم الملتصقة بقصر القامة أيضاً هي "المكر" إذ يقول المثل الشائع: "كل قصير مكير" وإن كنت لا أجد أن المكر صفة مذمومة بل على العكس تماماً، لعل أبرز مثال على ذلك قول الله تعالى (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]. ها هو المكر صفة من صفات الذات العليا. ولكن أي مكر؟ يقول تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ) (فاطر: من الآية 43) وكأنها دلالة على وجود عدة أنواع من المكر، ما دام ذكر المكر السيئ إذن لا بد أن هناك مكراً جيداً أو حميداً.

أعتقد أن نابليون – وقد كان قصيراً كذلك- واحد من أهم الماكرين عبر التاريخ، ويكفي أن خططه في الحروب تحولت مع الوقت إلى دروس بالكليات الحربية بجميع أنحاء العالم، أضف إلى ذلك أنه صار صاحب خطة معروفة في لعبة الشطرنج.

لقد استطاع هؤلاء أن يجعلوا من قصر قامتهم حافزاً لهم، فالتنمر أحياناً يصنع العظماء.

ربما يكون التنمر من أهم الدوافع التي تجعل قصير القامة يتمنى لو أنه يصبح مثل الآخرين، فهو: الربع، الشبر ونص، القزعة... وغيرها من الألقاب التي تلاحقه خاصة في فترة الطفولة

سؤال سخيف    

"مش ناوي تطول شوية؟" سؤال سخيف يتردد على مسامع قصار القامة كنوع من الدعابة السمجة. وكأن الأمر في أيديهم ولا علاقة له بالجينات المتوارثة.

 قبل عدة أشهر، كنت أكتب مقالة عن سقراط ولفتت انتباهي صورته التي تكاد تطابق صورة أبي تماماً، كأنهما شقيقان، أو توأمان، وهي الصورة التي سأصل إليها حتماً حين أتجاوز الخمسين. 

وقبل ذلك بعدة شهور كنت أعد مقالة بعنوان "مصر ليست أمي" وقد اعتمدت فيها على تجربة قام بها بعض العلماء لتحديد هوية وجنسية المشاركين الذين تم اختيارهم من عدة دول مختلفة، وجاءت نتيجة الاختبار صاعقة للجميع: لا أحد منهم يتنسب لبلده. الجميع ينتمون إلى أعراق مختلفة وجذور بعيدة، فـنحن لسنا أبناء أوطاننا ولكن أبناء لأعراق وسلالات بشرية متنوعة نرث منها الشكل الخارجي الجسدي وربما تمتد تلك الجنيات إلى العقل والفكر. 

الآن فحسب أجد رابطاً أكثر قوة بين سقراط وأبي، كلاهما عاشا حياة منعدمة زاخرة بالفكر والفن بلا مقابل. الآن أيضاً أجد رابطاً أكثر قوة بيني وبين سقراط. لماذا فضلت دراسة الفلسفة رغم أنها مهنة منقرضة؟ كان من الممكن أن ألتحق بكلية الإعلام وأدرس الصحافة مثلاً؟ لماذا هفت روحي نحو هذا العلم تحديداً وعشقته دون غيره؟ هل هناك رابط جيني خفي؟ وبعيداً عني وعن أبي، أليس هذا القصير الماكر سقراط تمكن في يوم ما من تغيير تفكير البشرية كلها، نقل المعرفة من السفسطة إلى الفلسفة التي هي أم العلوم وأصلها، هذا الرجل الذي لم يتجاوز طوله 155 سنتيمترا وقف أمام الآلهة والحاكم والشعب وقدم في محاكمته الشهيرة أعظم محاورة عرفها التاريخ الإنساني. حقاً لقد استطاع هذا المعلم الأكبر أن يغير تفكير الإنسان غير أنه عجز تماماً عن إقناع زوجته زانبثي. يا إلهي، أنا أيضاً تزوجت نسخة معدلة من زانبيثي! يبدو أننا نتوارث المصائر كما نتوارث الصفات الجسدية.

قد صُوّر بيس، إله الخصوبة والجنس، بعيون المصري القديم، على أنه رجل قصير جداً بعضو بارز وضخم جداً، وفي عصرنا هذا أصبحت إشارة المسدس باليد تعني رجلاً قصيراً بعضو طويل. يا لها من مفارقة

بعض الفتيات يفضلن القصير

من الشائع أن الفتيات ينجذبن إلى الأطول المفتول العضلات كالذي يشبه رشدي أباظة مثلاً، لا شك أنه معبود النساء. ولكن، ماذا عن عبد الحليم حافظ ورومانسيته ألم يكن هو الآخر معبودهن؟ وماذا عن حسن يوسف وشقاوته؟ حتى هنيدي يجد من الفتيات الكثيرات المعجبات بخفة ظله. إذن هناك معايير كثيرة للرجل المرغوب فيه أو الدونجوان، لعلها تختلف من فتاة إلى أخرى.

وإن كانت الفحولة الجنسية ارتبطت حديثاً بالرجل المفتول العضلات فإن المصري القديم كانت لديه وجهة نظر مغايرة إذ اتخذ من بيس إله الخصوبة والجنس، وقد صوره على أنه رجل قصير جداً بعضو بارز وضخم جداً، وفي عصرنا هذا أصبحت إشارة المسدس باليد تعني رجلاً قصيراً بعضو طويل. يا لها من مفارقة.

لم أجد صعوبة في الارتباط بالفتيات بسبب قصر قامتي، بالعكس، كانت لدي زميلة في الجامعة ربطتني بها قصة حب قوية، وكانت أطول مني بكثير – في الحقيقة كانت أطول فتاة في الشلة- وحين كنتُ أسير بجانبها كان الزملاء يشيرون نحونا بسخرية ويقولون: "رقم 10 وصل".

وكنتُ حريصاً دوماً أن أكون على جانبها الأيمن، فنحن لم نخلق لنكون صفراً على الشمال. إنما خلقنا لنكون ذوي تأثير فعّال في حياة البشرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard