عندما يحدّد عضو الإله مكانتك الاجتماعية

عندما يحدّد عضو الإله مكانتك الاجتماعية

الأربعاء 6 يناير 202112:00 م


تتمتّع الديانات الهندية المشتملة في مصطلح "الهندوسية" بتنوّع غير محدود إلى حد ما، وهي تُعدّ واحدة من أقدم الديانات وأكثرها تعقيداً، إذ يوجد لدى الهندوس تشكيلة واسعة من المعتقدات الأساسية والطوائف المختلفة، وهي ديانة تتصف بالمرونة والتغيير وتستوعب الديانات الحية للناس الذين يسمّون أنفسهم هندوساً.

إن توسّع المعتقدات والممارسات وتعقيداتها هو ما دفع المراقبين، بحسب موسوعة تاريخ الأديان، إلى إجراء تمييز بين المعاني "الفضفاضة" والمعاني "الضيقة" للهندوسية. وبشكل عام، فإن التعريف الفضفاض هو ما يفضله غالبية الهندوس، فالهندوسية عندهم هي تركيبة كاملة من المعتقدات والمؤسسات التي ظهرت منذ زمن تأليف كتبهم القديمة المقدّسة (وأكثرها قداسة الفيدا) حتى اليوم.

مظلّة خيارات واسعة

يتمتّع الهندوس بخيارات واسعة فوق العادة من المعتقدات والممارسات، ينتقون منها ما يريدون، إذ بإمكانهم أن يكونوا من المؤمنين بوحدة الوجود، المشركين، الموحدين، المجادلين أو حتى الملحدين من القائلين بالثنوية التعددية أو بوحدانية الكون.

تشير كلمة "أفاتار" في الفلسفة الهندوسية إلى تجسّد كائن علوي على كوكب الأرض،أي نزول الرب إلى الأرض وتجسّده بأجسام مختلفة. وهي تُستخدم عادةً للإشارة إلى تجسّدات الإله "فيشنو"

ومن ناحية أخلاقية، تشير الموسوعة نفسها إلى أنهم قد يتبعون مقياساً سلوكياً صارماً أو متراخياً، أو قد يختارون بدلاً من ذلك نظاماً من التنسّك يتفوّق على نظام الأخلاق. قد يعيشون حياة نشطة أو أخرى تأملية، وقد يمضون وقتاً طويلاً في ممارسة الطقوس الدينية المنزلية، كما يفعل أكثرهم، أو يستغنون عنها كلياً، وقد يمارسون العبادة في معبد بانتظام أو لا يفعلون ذلك من الأساس، ليبقى الواجب الوحيد الملقى على عاتقهم، بغض النظر عن تشعّباتهم، الالتزام بأحكام وطقوس طبقتهم الاجتماعية، وثقتهم بأن هذا ما سيجعل ولادتهم التالية أكثر سعادة.

بعض من أهم العقائد الهندوسية

يذكر الدكتور محمد الأعظمي في كتاب "فصول في أديان الهند"، أن الهندوسية لا تؤمن بعقيدة رئيسية، ومع ذلك فهناك أمور عُرفت بين الهندوس جميعاً، وإن كان فيها شيء من التناقض والتضاد، ولكنها صارت أمراً شبه مجمع عليه فيما بينهم، فما من هندوسي من أية فرقة إلا ويؤمن بهذه العقائد، التي نذكر منها:

 بداية الخلق حسب المفهوم الهندوسي، عقيدة الأفاتار (Avatar)، عقيدة التناسخ وجَوَلان الروح، عقيدة كارما، عقيدة الموكشا أو الخلاص.

بداية خلق الكائنات في الفكر الهندوسي وتكريس النظام الطبقي

يذكر الدكتور محمد الأعظمي في كتابه روايات مختلفة لبداية الخلق، حسب الفكر الهندوسي، وقد اخترنا الرواية التالية المأخوذة من الباب الأول من شريعة مانو لتكريسها النظام الطبقي الذي سنفصّل عنه الحديث. فبحسب هذه الرواية: "كانت الدنيا غامضة... ثم ظهر برميشور (الإله الأكبر) بمادة التكوين، وأراد أن يخلق خلقاً من ذاته، فخلق الماء وألقى فيه النطفة، وأصبحت هذه النطفة بيضة، فخرج منها برهما وكسر البيضة نصفين، فخلق من أحدهما الجنة، ومن الثاني الأرض والسماء وما بينهما، الجهات الثماني والبحور المتموجة، ثم أخرج من فمه طائفة البراهمة، من عضده طائفة الكشتريا، من فخذه طائفة الفايشا ومن رجله طائفة الشودرا. فما دام برهما مستيقظاً فالدنيا باقية، وإن أخذه النوم تقع القيامة".

لبعض الآلهة الهندوس أفاتارات (avatar)

تشير كلمة "أفاتار" في الفلسفة الهندوسية، كما يرد في كتاب "فصول في أديان الهند"، إلى تجسّد كائن علوي على كوكب الأرض، أي نزول الرب إلى الأرض وتجسّده بأجسام مختلفة. ولهذا النزول للعوالم السفلية والتجسد الإلهي أهداف خاصة، منها رفع ثفل الأرض من المعاصي، تقديم أسوة حسنة للسائرين وإهلاك الدجّالين.

تستعمل كلمة "أفاتار" في الهندوسية عادة للإشارة إلى تجسّدات فيشنو الذي يعبده كثير من الهندوسيين كإله، ثم استعملت الكلمة للإشارة لأي تجسدات للإله أو لمعلمين مهمّين في ديانات أخرى.

بحسب قانون التناسخ الهندوسي: "إذا أخطأ الإنسان هدف حياته، وهو عبوديّة الله، فإن روحه تختار أربعة وسبعين مائة ألف من أجساد المواشي والطيور والحشرات قبل أن تعود إلى جسم الإنسان"

عقيدة التناسخ أو جولان الروح

المقصود بالتناسخ هو خروج الروح من جسم إلى جسم آخر عند الموت بحسب الأعمال، وقد تنتقل الروح عند الهندوس من جسم إنسان إلى جسم حيوان.

يذكر الأعظمي الرواية الهندوسية التالية عن التناسخ: "فإذا أخطأ الإنسان هدف حياته، وهو عبوديّة الله، فإن روحه تختار أربعة وسبعين مائة ألف من أجساد المواشي والطيور والحشرات قبل أن تعود إلى جسم الإنسان"، وتبقى الروح بحسب المفهوم الهندوسي في تنقل دائم من جسم إلى جسم حتى ينتهي العالم.

الكارما

هو قانون الجزاء الذي يقرّر إن كان الإنسان صالحاً في واحدة من دورات حياته، فإنّه سيلقى جزاء ذلك في الدورة الثانية، وإذا كان طالحاً فإنّه سيلقى عقابه في الدورة الثانية، والكارما أساس التناسخ عند الهندوس.

الخلاص أو الموكشا هو التحرّر من كلّ حزن وبلوغ الاستنارة، وهو الهدف النهائي للحياة. بالوصول إلى الموكشا تتحرّر روح الإنسان من دورة الولادة والموت اللانهائيّة وتتحد بالخالق

الخلاص أو الموكشا

الموكشا هو التحرّر من كلّ حزن وبلوغ الاستنارة، وهو الهدف النهائي للحياة. بالوصول إلى الموكشا تتحرّر روح الإنسان من دورة الولادة والموت اللانهائيّة وتتحد بالخالق.

النظام الطبقي الهندوسي... 170 مليون منبوذ "بأمر الإله"

يذكر كلّ من الدكتور فاضل حنون وحيدر شنيح في مقالتهما "النظام الطبقي الهندوسي وأثره في ظهور المذاهب الدينيّة"، أن هناك آراء عدة حول الأسباب التي أدت إلى ظهور هذا النظام في المجتمع الهندوسي، إذ إن الأساطير الهندوسية تحدّثت عن تقسيم المجتمع إلى هذه الطبقات. وقد ارتبط هذا التقسيم الطبقي أيضاً ببعض النصوص الهندوسية المقدسة، ومنها كتابهم المقدس "الريج فيدا" وما تلاه من شريعة "مانو"، التي كانت وراء وضع التفاصيل الدقيقة لهذا النظام وتوزيع الوظائف على كل طبقة من الطبقات.

وقد جاء في هذه الكتب، أنّ براهما، روح العالم، (والبعض قالوا البوروشا)، خلق مانو، أول البشر، ثم خلق مانو بدوره أربعة أنواع من البشر جاءوا منه، فمن رأسه أو فمه جاء أفضل الناس وأعظمهم قدسية البراهميين، من ذراعه جاء من يليهم في الأفضلية وهم الملوك والمحاربين ويسمون بالكشتريا، من فخذيه جاء أرباب المهن في العالم، من المنتجين والمزارعين ورجال الأعمال، ممن يوفرون مسائل العيش للكهان والملوك والمحاربين وهؤلاء هم الفايشا، ومن قدميه جاء بقية الناس الذين ينتمون إلى الطبقة السفلى، وليس لديهم مهنة أخرى سوى خدمة الطوائف الثلاث السابقة في جميع حاجاتها، وهؤلاء يسمون بالشودرا أو طبقة الخدم.

من فم البوروشا خرجت أعلى الطبقات الاجتماعيّة وهي طبقة رجال الدين أو "البراهمين"، ومن أيديه خرجت طبقة الملوك والمحاربين، ومن فخديه خرجت طبقة المزارعين والصناعيّين ومن رجليه خرجت طبقة الخدّام أو ما يُعرف بـ"الشودرا"

وبناء على هذا الرأي الذي يعتبر أن الطبقات خلقها الإله براهما أو البوروشا على هذا الوضع، يصبح هذا التقسيم أبدياً لأنه من صنع الإله. وعليه، فإنه لا يمكن ترفيع أي شخص من أي طبقة إلى طبقة أخرى، ولن تنتهي هذه الطبقات مادامت هذه التعليمات موجودة في الكتب المقدسة للهندوس. وخارج نطاق نظام الطبقات برمته، كان المنبوذون، بمن فيهم المجموعة التي لا تُلمس. يتم النظر لهولاء بتحيز على أنهم أضعف من في المجتمع و"أدنى" طبقاته. لا يحلمون مطلقاً في صعود السلم الاجتماعي ما لم يكونوا من المجموعة الصغيرة المنبوذة مؤقتاً. يعمل أغلبهم في صبغ الجلود، محارق الموتى وأعمال الصرف الصحي، ويقدّر عددهم اليوم بحوالي 170 مليون نسمة.

وقد ارتبط ظهور هذه الطبقات بقانون التناسخ وقانون الجزاء أو الكارما. فبحسب قانون التناسخ، من تكون أعماله سيئة في الحياة، سوف يكون جزاؤه أن يولد في طبقة منبوذة ومحتقرة في حياته القادمة، وعندما رٌبط نظام الطبقات بقانون كارما، أصبح تفسير اللامساواة في الحياة أمراً بسيطاً وشاملاً في آن، وسرعان ما اكتسب وجود الطبقات في بنية المجتمع نوعاً من التبرير الأخلاقي.

فإذا ما ولد شخص في طبقة الشودرا، كان السبب في ذلك ذنباً اقترفه في وجوده السابق، فهو بالتالي لا يستحق أي نصيب أفضل، أما البرهمي فيستحق بكل جدارة أن تُمجّد صلاحياته وحقوقه لأنه لقد كان جديراً بمكانته الرفيعة الحاضرة، بسبب أفعاله الصالحة في وجوده السابق.

بحسب قانون التناسخ، من تكون أعماله سيئة في الحياة، سوف يكون جزاؤه أن يولد في طبقة منبوذة ومحتقرة في حياته القادمة، وعندما رُبط نظام الطبقات بقانون كارما، أصبح تفسير اللامساواة في الحياة أمراً بسيطاً

وذهب الترتيب الطبقي للمجتمع أبعد من ذلك، فقد تم في القرون التالية رسم خطوط محكمة وقاسية، ليس بين الطبقات فحسب، ولكن ضمن كل طبقة من الطبقات، وتفتت الطبقات الرئيسة إلى عشرات، بل مئات الطبقات الأصغر، وكل واحدة منها حرّمت الزواج من الطبقات الثانوية الأخرى.

أعضاء الإله والديانات الأخرى

وفي حين كان لأعضاء الإله الهندوسيّ دورًا أساسيًّا في تحديد الطبقات الاجتماعيّة للأفراد وانعكاساتها على مختلف جوانب حياتهم، قاربت بعض الديانات والمذاهب الأخرى موضوع أعضاء آلهتها بطريقة مختلفة. ففي الديانة الإسلاميّة،على سبيل المثال، شكّلت أعضاء الله المذكورة صراحة في القرآن موضوعًا خلافيًّا بين الفرق الإسلاميّة وكان الإنقسام الشهير بين المشبّهة والمجسّمة والمنزّهة.

بعض هذه الفرق اعتبرت أنّ لله يداً ووجهاً وعيناً وساقاً، وأنّه متربّع على العرش شأنه شأن الملوك والسلاطين، واستدلّت على ذلك بآيات من القرآن الكريم، كقوله تعالى: "يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ " و"كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" و" يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ"، و"الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ" وغيرها من الآيات.

وذهبت بعض الفرق الإسلاميّة إلى اعتبار أنّ اليد والوجه والساق والاستواء، جاءت في القرآن على وجه الحقيقة في معانيها، ولم تكن مصروفة إلى معانيها المجازية. في حين تشدّدت فرق أخرى بنفي التجسيم ورفض التشبيه.

وفي الديانة المسيحيّة ارتبط الجسد بالمقدّس إرتباطًا وثيقًا بدأ من حمل مريم العذراء دون أن يمسّها بشر، إلى ولادة المسيح ولادة عجائبيّة. وجاء المعتقد المسيحيّ بالـ"اللُّحمة" أو "التجسّد الإلهيّ" ليضيف قدسيّةً ومكانةً إلى الجسد الإنسانيّ. فقد أخذ الجسد الإنساني كرامةً ومجداً بتجسد الله الكلمة...."فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللهَ" (يوحنا 1: 1) "وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14) "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح" (كورنثوس 15:6).

ويذكر الدكتور العمري حربوش في مقالته "صورة الجسد في الثقافة الدينيّة: المسيحيّة والإسلاميّة" أنّ مفهوم "اتّحاد الرأس بالجسد" و"الجمع تحت رأس واحد" من المفاهيم المرتبطة بالجسد والمقدّس في الديانة المسيحيّة. وبحسب هذين المفهومين تُعتبر "الكنيسة" جسد المسيح الذي أراد الله من خلاله أن يكمّل عمله الإلهي ويجمع فيه الكل تحت رأس واحد هو رأس المسيح.

اهتمام كاتبة المقال بموضوع نظام الطبقات الهندوسيّ والعقائد الهندوسيّة نابع من مشاركتها في "برنامج التنشئة على الأديان والشأن العام في لبنان 2020-2021" الذي تقيمه مؤسسة أديان المعنية بالتنوّع الثقافي والديني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard