المخرج الفلسطيني محمد بكري لرصيف22: 18 عاماً وأنا أعيش كابوساً اسمه "جنين جنين"

الثلاثاء 12 يناير 202104:16 م

"كل ما نبني عش خربوا لنا إياه. كل ما نبني بيت هدموه. كل ما نخلف ولد كتلولنا (قتلوا لنا) إياه. شو ضل إلنا؟ كتلوا الأمل، كتلوا زهرة الحب اللي في قلبنا".


كانت هذه واحدة من الشهادات التي وردت على لسان أحد الشيوخ الفلسطينيين في فيلم "جنين جنين" الذي وثق فيه الفنان والمخرج الفلسطيني محمد بكري جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق سكان المخيم عام 2002 في إطار عملية "الدرع الواقي".


أوجعت الشهادة وبقية الشهادات والمشاهد في الفيلم الإسرائيليين وعرّت جيش الاحتلال، ولا تزال. وهو ما يعكسه إصرار الإسرائيليين الذي لم يفتر على مقاضاة بكري طوال الـ18 عاماً الماضية بتهمة "التشهير" و"تشويه السمعة".


قد يقول البعض إنه من الوقاحة أن يقاضي جنود الاحتلال أو حتى حكومتهم بكري بسبب "توثيق الفعل" بما يعكس اعترافهم بأنه فعل دنيء، دون خجل من أنهم ارتكبوه. وهو كذلك. لكن كيف لا يفعلون ولديهم آلة "قضائية" تبرر لهم جرائمهم بل تكسبها شرعية تارةً بذريعة "الدفاع عن النفس" وتارةً أخرى بزعم "عدم التعمد" إلخ.



آخر فصول هذه المهزلة حدث مساء 11 كانون الثاني/ يناير، إذ قضت المحكمة الإسرائيلية المركزية في اللد بإدانة بكري في قضية التشهير الذي رفعها ضده أحد جنود جيش الاحتلال، ويدعى تيسين مغناجي، متهماً إياه بتشويه سمعته عبر الفيلم الذي شهد ظهور الجندي في مقطع أرشيفي بضع ثوانٍ. 


تضمن حكم الإدانة أمراً بمنع عرض "جنين جنين" في إسرائيل ومصادرة جميع نسخه وعدم تداولها، علاوةً على تغريم بكري 175 ألف شيكل (نحو 55 ألف دولار أمريكي) لصالح المدعي، مع تحمل تكاليف الدعوى البالغة 50 ألف شيكل (نحو 16 ألف دولار). وكان الجندي الإسرائيلي يطالب في دعواه بتعويض قدره 2.6 مليون شيكل (نحو مليون دولار).

حين يعاقب على توثيق الجُرم لا فعله... محكمة إسرائيلية تمنع عرض فيلم جنين جنين الذي وثق فيه المخرج الفلسطيني محمد بكري جرائم الاحتلال بحق سكان المخيم عام 2002، وتغرّمه 70 ألف دولار عن "تشويه صورة" جنودها

"الكابوس"

لا يفضح الحكم بحق بكري كذب المزاعم الإسرائيلية بأن إسرائيل "هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة" وأنها تحترم الحقوق والحريات بما في ذلك حرية التعبير والإبداع، بل إنه يعكس أيضاً أحد أوجه الاحتلال في الاستهداف السياسي لكل ما هو فلسطيني لغرض كتم الصوت الفلسطيني وطمس الحقيقة التي تكشفها الرواية الفلسطينية للأحداث.


يدلل على ذلك انضمام المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي مندلبليت، إلى الدعوى المقامة منذ العام 2016، بما يؤشر إلى الحرص الإسرائيلي الرسمي على معاقبة بكري لكي لا تكون هناك أفلام مشابهة لـ"جنين جنين" تفضح جرائمهم.


خلال الفيلم، عُرضت مشاهد لجثث محترقة ومبانٍ منهارة فوق سكانها وأطفال مشردين بلا مأوى، في المخيم الذي وصفته إحدى الطفلات الفلسطينيات بأنه كان "روحنا، حياتنا، كل إشي إلنا يعني". وكانت إسرائيل قد روجت لعمليتها العسكرية بالقول إنها تستهدف مسلحي المقاومة الفلسطينية.


وفي حيثيات حكمها، زعمت القاضية الإسرائيلية أن بكري "لا يمكنه أن يحتمي بموجب تدابير الحماية المنصوص عنها في قانون حظر التشهير، إذ وجد أن الأمور التي نشرت في الفيلم غير حقيقية، وأنه لا يوجد حسن نية في عرضها، ولم تتخذ أي خطوات، ولا حتى خطوات معقولة لإثبات الادعاء المزعوم المنسوج في ما نشر".


حرص الإسرائيليون على تحويل حياة بكري إلى "كابوس"، على حد وصفه لرصيف22، إذ قال: "بدأت قصة ‘جنين جنين‘ في تاريخ 10 نيسان/ أبريل سنة 2002 عندما كنت واقفاً مع ولدي البكر صالح وبعض الأصدقاء من الفنانين، ومنهم فالنتينا أبو عقصة (الممثلة والمخرجة والكاتبة المسرحية). في غضون ذلك، بدأت عملية عسكرية إسرائيلية واسعة شنها آنذاك (رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق) آرييل شارون".


احتل شارون الضفة الغربية تلك الفترة وعزل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) في المقاطعة في رام الله، زاعماً أنه كان المدبر لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي شهدت عدداً من "العمليات الانتحارية الفلسطينية في داخل إسرائيل مثل المطاعم والمحالّ وحافلات النقل"، بحسب بكري.


أضاف بكري أنه ونجله وأبو عقصة كانوا حاضرين لدى مرور تظاهرة لعشرات الفلسطينيين شمال مخيم جنين للاجئين ضد الاجتياح الإسرائيلي، مبرزاً أنهم حملوا لافتات وشعارات تندد بالحرب وتطالب بوقف الهجوم الإسرائيلي على المخيم.

"تلقيت تهديدات بالقتل والإحراق والتدمير لي ولأولادي"... المخرج الفلسطيني محمد بكري يروي لرصيف22 كيف حوّل الإسرائيليون حياته إلى "كابوس" على مدار 18 عاماً منذ أن وثّق وفضح جرائمهم ضد السكان العزل لمخيم جنين عام 2002

ويتابع: "في هذه الأثناء، مر جندي إسرائيلي قائداً سيارة من نوع سوبارو بيضاء اللون. ثم توقف قريباً من المتظاهرين وخرج من سيارته حاملاً بندقية M16 وبدأ إطلاق النار عشوائياً علينا"، موضحاً أن "فلنتينا التي كانت واقفة إلى جانبي أصيبت بذراعها، وهذا ما أحدث فوضى عارمة بيننا وبين أفراد حرس الحدود الإسرائيليين".


شارك بكري وآخرون في نقل أبو عقصة إلى المستشفى للعلاج، بينما تساءل في داخله: "إذا كان هذا الجندي الإسرائيلي يتصرف هنا (علناً في الشارع) هكذا فكيف يتصرف داخل المخيم المحاصر والمهاجم؟". في هذه اللحظة، راودته فكرة دخول المخيم وتوثيق ما يجري فيه.


بعد أسبوعٍ إلى 10 أيام، وعقب ساعات شاقة من المحاولة، كان بكري قد تسلل إلى المخيم، تلك المنطقة العسكرية التي كانت لا تزال محاصرة من قبل جيش الاحتلال، ليجده "مدمراً تماماً". داخل المخيم، قام المخرج الفلسطيني بتصوير "كل ما وقعت عليه عيناي" طوال "خمسة أيام بلياليها"، بما في ذلك "شهادات سكان المخيم المدمر".


ثم سافر، بعد انتهائه من تجميع المادة الأساسية للفيلم، إلى روما حيث أجرى عملية المونتاج (التوليف) ليظهر الفيلم إلى النور للمرة الأولى عقب ستة أشهر أولاً في مدينتي القدس وتل أبيب ثم في الناصرة.


"تهديدات بالقتل والإحراق والتدمير لي ولأولادي"

عن الصدى الذي أعقب نشر الفيلم، أوضح لنا بكري: "أحدث الفيلم ضجة كبيرة وتعرض للهجوم من اليمين الإسرائيلي، فوصلني أمر من الرقابة العسكرية الإسرائيلية بمنع عرضه في إسرائيل عقب أيام قليلة من العروض الثلاثة الأولى". لم يرضخ بكري للقرار وبدأ منذ ذاك الحين كفاحاً غير متناسق القوى مع الحكومة الإسرائيلية التي تخفّت خلف عدد من جيش الاحتلال الذين تصدروا مشهد قمع فنه. 


تقدم بدايةً بشكوى لدى محكمة العدل العليا الإسرائيلية ضد قرار الرقابة العسكرية ليحصل على ترخيص بعرض الفيلم عقب عامين. لكنه فوجىء بأن خمسة جنود احتياط من القوات الإسرائيلية التي شاركت في العملية العسكرية ضد مخيم جنين، ووثق فيلمه الانتهاكات المروعة التي تخللتها، تقدموا بدعوى قضائية ضده بدعوى أن الفيلم "شوّه صورتهم"، مطالبين بمنع عرضه وإلزام بكري بدفع تعويض ضخم لهم عن هذا "الضرر" المزعوم أنه أصابهم. خسر الجنود دعواهم لعدم ظهور أي منهم في الفيلم.

لا يفضح الحكم كذبة أن إسرائيل "هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة" وأنها تحترم الحقوق والحريات بما في ذلك حرية التعبير والإبداع، بل يعكس أيضاً الوجه القبيح للاحتلال في الاستهداف السياسي لكل ما هو فلسطيني لكتم صوته وطمس الحقيقة

اللافت أن بكري خاض معركة التقاضي غير الشريفة هذه وسط تحريض شديد قاده اليمين الإسرائيلي من جهة وإعلام دولة الاحتلال من جهة أخرى. وجهت إليه اتهامات بـ"تشويه الواقع" و"الكذب" و"التحريض على الدولة" والمساس بـ"أمن الدولة". كما تلقى "مئات التهديدات عبر التلفون وعن طريق البريد بالقتل والإحراق والتدمير لي ولأولادي"، بحسب قوله.


واستدرك: "18 عاماً وأنا أعيش كابوساً اسمه ‘جنين جنين‘"، مشدداً على أن الكابوس لم ينته بسبب القضية الأخيرة التي رفعها ضده الجندي مغناجي، مشيراً إلى أنه طالب بنفس التعويض ووجه إليه نفس الاتهام: "تشويه سمعته الطيبة".


التزم بكري، منذ صدور الحكم حتى نشر هذه السطور، عدم التعليق عليه، مفضلاً ربما أن يكون الرد عملياً في ساحة المحكمة. لكن حساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الفلسطينية وأخرى عربية تحولت إلى ساحة تضامن قوي معه. 


دعمه معارفه ورفاقه في الوسط الثقافي الفلسطيني، معربين عن فخرهم بنضاله الطويل ورفضه الخضوع أو الاعتذار للإسرائيليين، قائلين: "يا جبل ما يهزك ريح". ولفت البعض منهم إلى أن هذا "ليس غريباً في زمن اندثرت فيه أسمى معاني العدالة الإنسانية وغُيبت فلسطين كما غُيب الحق". وفضل الكثيرون دعم بكري عبر إعادة نشر الفيلم.


حين وثّق بكري جرائم الاحتلال كان يأمل أن يسهم ذلك في أن تتخذ السلطات الإسرائيلية والعالم موقفاً من انتهاك حقوق الإنسان للمدنيين الفلسطينيين. في نهاية حديثه مع رصيف22، ورداً على سؤال: ما الذي تغير منذ 18 عاماً في ما خص عنف الاحتلال الذي وثقه الفيلم ضد الفلسطينيين؟ أجاب بكري: "لم يتغير شيء. والاحتلال أسوأ مما كان في عهد شارون لأن بيبي نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) أكثر تطرفاً من سلفه وأكثر كراهية للعرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard