"كأن الاحتلال يحدث عند الآخرين"... كيف يرى فلسطينيو 48 الانتفاضة الثانية بعد 20 عاماً؟

الجمعة 2 أكتوبر 202004:53 م

في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000، انطلقت شرارة الانتفاضة الثانية في القدس والضفة الغربية وغزة، والتي تُسمى أيضاً "انتفاضة الأقصى" بعد مرور  13 عاماً على الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في العام 1987. ما بين الانتفاضتين، كان "الحدث" المصيري، هو توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، بين إسرائيل بقيادة يتسحاق رابين والسلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات برعاية أمريكية بقيادة بيل كلينتون.

الانتفاضة الأولى حصلت في القدس، الضفة الغربية وغزة. أوسلو قرر مصير الأراضي المحتلة عام 1967، وتنازل عن فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948. أما في الانتفاضة الثانية، وبعد أيام قليلة على انطلاقتها، فقد انضم فلسطينيو الداخل إلى امتدادهم الطبيعي والغاضب في أراضي الـ 67. ولأوّل مرة، منذ نكبة العام 1948، يعيد فلسطينيو الداخل رسم حدود خارطة فلسطين الأوّلى.

كيف غيّرت الانتفاضة مسار أغنية ومشروع أدبي وكذلك خلقت قادة سياسيين واجتماعيين هم وهن في الواجهه اليوم؟

مثل اليوم قبل عشرين عاماً، في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، اندلعت شرارة الانتفاضة في الداخل الفلسطيني المحتل، والتي تُسمى أيضاً "هبة أكتوبر" أو أحداث أكتوبر التي "راح ضحيّتها 13 شاباً فلسطينياً في المثلث والجليل (مناطق في الداخل الفلسطيني) على يد قوّات الشرطة الإسرائيلية.

لقد أثّرت الانتفاضة الثانية وامتدادها في الداخل الفلسطيني على فئة واسعة من فلسطينيي الداخل، بالأساس على جيل الشباب منه، خاصة بعد "انقطاع" فُرض عليهم من قبل سلطات الاستعمار عن شعبهم ومحيطهم الثقافي العربي الفلسطيني. لقد شعروا، شعرنا، أننا نعيد تعريف هُويّتنا من جديد، ربطها بالماضي ولكن الأهم، محاورة الواقع كما هو من خلال جيل شباب فلسطيني واصل آنذاك، بأشكال عديدة، مطالبة حقّه بالحرية والكرامة وتحقيق المصير.

نحن، كاتبتيْ هذا التقرير، ننتمي إلى هذا الجيل، وقد رأينا وعشنا كيف أثرّت الانتفاضة الثانية علينا وعلى محيطنا من أصدقاء ومجتمع مدني وحركات وأحزاب سياسية. كيف غيّرت الانتفاضة مسار أغنية ومشروع أدبي وكذلك خلقت قادة سياسيين واجتماعيين هم وهن في الواجهه اليوم، على الرغم من الخيبات السياسية والاجتماعية المتواصلة التي نعيشها بعد عشرين عاماً.

"محطّة قلبت المعادلة"

نداء نصّار، مديرة جمعية الشباب العرب- بلدنا، تصف هذا التأثير بأنّه محطّة مفصليّة. كانت نصّار في الخامسة عشرة عندما اندلعت الانتفاضة. وكونها من قرية عرّابة البطوف جعل الأحداث حاضرةً جداً. من جهة تربطها علاقة قرابة بالشهيد أسيل عاصلة، ومن جهة ثانية فقد نشأت في كنف عائلة مسيّسة. في حديثها لرصيف22، قالت: "الانتفاضة الثانيّة هي محطّة قلبت المعادلة، كنّا في مستوى الفكر والثقافة النظريين ثمّ تكوّن وعينا من خلال المستوى الحسيّ المباشر والمُعاش. والمشاهد التي كانت تظهر على التلفاز صارت فجأةً تجري أمام عتبة البيت. شعرنا قبلها بأنّنا محميّون. فغالبية أبناء المجتمع لا يعيشون مواجهةً مباشرة مع معنى القمع والاحتلال، فقد طبّعوا مع أنماط حياة لا نقول إنّها خاطئة لكنّها أمر واقع. لكنّ تجربة الانتفاضة الثانية على المستوى الشخصيّ كشفت لي كم أنّنا غير محميّين. وكان ذلك بمثابة زلزلة إيجابيّة أثّرت على فعلنا السياسيّ المستقبليّ. أقول إيجابيّة لأنّ العمل السياسيّ إن ظلّ يتدحرج من شعور الأمان فسيعود ذلك علينا بالسوء".

لقد أثّرت الانتفاضة الثانية وامتدادها في الداخل الفلسطيني على فئة واسعة من فلسطينيي الداخل، بالأساس على جيل الشباب منه، خاصة بعد "انقطاع" فُرض عليهم من قبل الاستعمار عن شعبهم ومحيطهم الثقافي العربي الفلسطيني

"الكلوب مبني على أرض جدّي"

لم يختبر فلسطينيّو 48 هذا التحوّل دون أن يمرّ على جلودهم، فيكون اختباراً شخصياً أثّر بشكل مباشر على عملهم السياسي والثقافيّ والفنّي. يقول الموسيقيّ ومغنّي الراب تامر نفّار لرصيف22:  "أثرت الانتفاضة الثانية عليّ إذ وضعتني في محل إعراب، أعطتني التشخيص الصحيح. قبلها كانت الأمور واضحة بنسبة معيّنة، مثلاً أن حارتي في اللد مختلفة عن حارة اليهود. وعندما يوقف شرطي شاباً يهودياً في الشارع، سيكون تعامله مختلفاً عما إذا أوقفني أنا في الشارع. دايماً بروّح مضروب. وأنا لست أكثر "وقاحة" من اليهودي، ولكن النتيجة هي أني أُضرب وهو لا". ويضيف: "جاءت الانتفاضة وعرّفت هذا الاختلاف: أنت غير مرغوب بك في هذه الدولة. ولكن طبعاً المسألة ليست عدم ثقة في الدولة، لم آتِ من الخارج، أنا القصّة لأني وليد هذه الأرض. ومع هذا الإدراك، يبدأ البحث عن الحقوق واستيعاب الأزمة أكثر والبحث عن الدواء الملائم".

بالنسبة لنفّار، فقد صمّمت الانتفاضة شخصيّته بشكل تدريجيّ: "اليوم بعد عشرين عاماً بإمكاني رصد التطور الكبير الذي حملني إلى ما أنا عليه اليوم. عندما أشاهد مقابلات قديمة، ألمس عدم وضوح في تحليلي للواقع، على غرار أني عربي وأريد أن أكون جزءاً منهم. والعنصرية تتلخص بمنعهم إياي من دخولي الكلوب. بعد ذلك، ذهبنا عميقاً لمحاولة فهم ذلك، بأن الكلوب أصلاً مبني على أرض جدّي. هذه هي الانتفاضة".

في ما يرتبط بالانعكاسات الحاصلة على النتاج الفنّي، يقول: "على مستوى الأغاني التي أصدرناها كفرقة "دام"، فما قبل الانتفاضة غنينا "را تا تا تا" التي تحكي عن الإجرام بين العرب في اللد وكيف تقمعنا الشرطة، المقولة السياسية تشبه نضال الإثيوبيين في إسرائيل، كأن مشكلتي مع الشرطة هي كمشكلة أي 'مواطن في إسرائيل'. لكن بعد الانتفاضة، غنينا "مين إرهابي"، ومنها انطلقنا".

"لم يكن الزمن الذي قبع بينها وبين الانتفاضة الأولى سلمياً، لم يكن زمن تفاؤل أو أمل"

"الكتّاب يميلون بطبعهم إلى الاشتباك السياسي"

إن ألقينا نظرةً على الأدب والشّعر كحقول تتحوّل، في أزمنة الثّورات والانتفاضات، إلى وسيلة وأداة، فماذا نرى؟  هل بالإمكان الإشارة بالبنان إلى تيّار أدبي ابن هذه المرحلة، على غرار ما صنعه الشعراء الفلسطينيّون من شعر المقاومة الذي نطق بلسان حالهم السياسي منتصف القرن المنصرم؟

سألنا الكاتب والروائيّ هشام نفّاع هل يعتقد بنشوء جيل من الكتّاب متأثّر بالانتفاضة الثانية، فأجاب في حديث لرصيف22: "من الطبيعي أن يؤثّر حدثٌ مباشر معاش على شكل الكتابة، سيّما أنّ الكتّاب يميلون بطبعهم إلى الاشتباك السياسي. بإمكاني التحدّث عن تجربتي الشخصية. تلت الانتفاضة سنتان أنتجتا كتابة مباشرة جدّاً تصف القتل والدم وتنبع من حاجة الكاتب إليها من جهة، وكتابة بعيدة تنأى عن الميدان السياسي وتتّخذ مسافة من الراهن من جهة أخرى. وقد ينطبق ذلك على تجارب كتابيّة أخرى". 

ويضيف نفّاع: "إنّ الإجابة عن نشوء جيل تحتاج إلى دراسة. دراسةٌ كهذه لم تحدث. لكن انطباعي العام يجعلني أرى فرقاً بين الانتفاضة الثانيّة وأحداث ثوريّة سبقتها من حيث دفعها باتجاه خلق نوع كتابة ممكن تسميته كتابة مقاومة أو أدباً سياسياً واضح المقولة كذاك الذي ظهر في السبعينيّات أو الثمانينيّات، إذ صُنّف علمياً ونقدياً واتّفق على تصنيفه".

يميل نفّاع إلى الافتراض بإمكانيّة استخراج نخبة من الكتابات التي أعقبت الانتفاضة وتأثرت بشكل مباشر بها، وليس إلى الافتراض بنشوء تيّار أو جيل أدبي متأثر بها. "ثمّ إنّ الانتفاضة هي استمرار لما سبقها سياسياً. لم يكن الزمن الذي قبع بينها وبين الانتفاضة الأولى سلمياً، لم يكن زمن تفاؤل أو أمل، بل كان زمن تصعيد وتراكم وتقويض. إذن، لم يكن الحدث مفاجئاً. ربّما على عدسات أكاديميّة دقيقة أن تفحص ما المشترك أدبياً بعد الانتفاضة بين نصوص ولدت في جغرافيّات فلسطينيّة مختلفة".

  هل بالإمكان الإشارة بالبنان إلى تيّار أدبي ابن هذه المرحلة، على غرار ما صنعه الشعراء الفلسطينيّون من شعر المقاومة الذي نطق بلسان حالهم السياسي منتصف القرن المنصرم؟

الحدث المفصلي vs الوعي الوطني

إنّ الحديث عن تأثير حدث سياسي بحجم الانتفاضة الثانية على جيل بأكمله، لا يمكن أن يمرّ في أذهاننا دون أن نفكّر: إن كنا نحتاج إلى حدث جلل من أجل أن نسمّي جيلاً ما "جيلاً"، فأيّ حدث سياسيّ لحق الانتفاضة سيكوّن الجيل اللاحق؟ نحن نتحدّث عن عشرين سنة أصبح من ولد في اللحظة التي اشتعل فيها الفلسطينيّون في الشوارع في عداد جيل الشباب، وأصبح مكوّناً رئيساً في الحديث عن المشهد السياسيّ أو الثقافيّ المضارع. نسأل قبالة هذا السؤال: هل نحن بحاجة أصلاً لحدث مفصليّ كالانتفاضة من أجل ضمان وعي وطنيّ وثبات في الهويّة السياسيّة للجيل الجديد؟ جيل "ما بعد الانتفاضة" أو جيل الزد- Z-، حسب التسمية العالميّة للجيل الذي وُلد في عصر الإنترنت؟  

من خلال تجربتها في العمل السياسيّ المجتمعيّ مع الشباب الفلسطينيّ في الداخل، تعتقد نداء نصّار بأنّه "قد تكون لدى الشباب مواقف صلبة لكن السؤال يكمن في كيفيّة تأثير هذه المواقف على ممارساتهم وخياراتهم. أحياناً نلحظ ثغرات بين المسألتين، وربّما انفصاماً. ثمّة شعور عند الجيل الجديد بأنّ الاحتلال وتبعاته يحدثان عند الآخرين، حتّى عند أولئك الذين لديهم حسّ وطنيّ". 

"ثمّة شعور عند الجيل الجديد بأنّ الاحتلال وتبعاته يحدثان عند الآخرين، حتّى عند أولئك الذين لديهم حسّ وطنيّ".

تقوم جمعيّة الشباب العرب في حيفا - بلدنا في هذا المضمار بتمرير ورش عمل حول الهويّة والتاريخ الفلسطينيين. "نلحظ في هذه الورش أنّ رسوخ الفكرة والمبدأ يكون مرئياً. لكن ماذا تقول هذه الأمور عن فهمنا لمكانتنا السياسيّة وممارساتنا الفرديّة والجمعيّة؟ أعتقد بأنّ ذلك يعبّر عن هويّة سياسيّة ليست حيّة، ما لم تكن مصحوبةً بحدث مباشر يُشعر الفلسطينيّ بأنّه جزء من المعمعان الحاصل. وقد يدفع الحدث المباشر بعض الأشخاص إلى الجهة المعاكسة المتمثّلة بالهروب"، تقول نصّار.

"كنت كطفلة متطرفة سياسياً"

الراقصة حلا سالم، كانت في الرّابعة من عمرها حين اندلعت الانتفاضة، لكنّ صداها عاد إليها في صباها فأثّر بها. تقول حلا في حديث لرصيف22: "خالي كان شاهداً على استشهاد أسيل عاصلة. أذكر الرواية التي كانت ترويها أمّي عن أنّ خالي اتصل بها ليدلّها على طريق أخرى تسلكها بدل تلك المغلقة بسبب استشهاده". وتذكر قصّة أخرى: "كانت لديّ صديقة تحبّ شاباً هو أخو شهيد. وكنّا عند كل حديث عن سلوك غير مستحبّ قام به حبيبها نعزو سلوكه إلى كون أخوه شهيداً".

إنّ هذا التأثير قد يصبح ملموساً بشكل أقوى إن هو تكوّن في بيئة مجهّزة، كبيئة حلا الأولى: "أعتبر أنّي كنتُ، كطفلة، متطرّفة سياسياً مقارنة ببنات وأولاد جيلي. أذكر أنّي في ذكرى الانتفاضة الثانية ويوم الأرض كنت أكتب نصوصاً في المدرسة خاف المدير من أن أقرأها جهاراً. نشأت في قرية دير حنّا، التي تشكّل مع سخنين وعرّابة مثلث يوم الأرض، فكانت المسيرة تمرّ بأعلام فلسطين لتذكّرني من أنا. كذلك، كان للبيت دور في تشكيل الوعي في ما بعد. جئت من عائلة مسيّسة، لا سيّما أبي الذي كان شيوعياً وكان في صغره سكرتير الحزب الشيوعيّ في جامعته. رافقته في مناسبات وطنيّة كثيرة وكنت دائمة الأسئلة. منذ صغري ملت إلى السؤال والفضول، وحين لا أجد أجوبة شافية أسأل جدّتي وجدّي. أردت أن أفهم لمَ لدينا عائلة في الضفّة لا تستطيع زيارتنا، ولم هناك أقرباء في الشتات لا يمكننا رؤيتهم؟".

"تعطي إسرائيل في مجالات معيّنة، تخفّف قمعها، ثمّ تحقّق مكاسبها في الضفاف المقابلة. يحدث ذلك في غياب مشروع سياسي يعطي الشباب الفلسطيني في الداخل الشعور بالأمان إذا أرادوا اعتماد توجّهات وطنية

سياسة العصا والجزرة  الإسرائيلية

لكنّ السؤال المطروح هنا هو هل تستطيع هذه البيئات العائليّة أن تصمد أمام آلة الأسرلة التي يُعمل بها إسرائيلياً. فحسب قول نداء نصّار: "منذ الانتفاضة الثانية حتّى اللحظة، تنتهج إسرائيل سياسةً لا تعتمد بالضرورة على بناء الرموز الإسرائيليّة أمام الفلسطينيّ. بل تعتمد على سياسة العصا والجزرة. خذوا ما يروقكم ونحن نأخذ مكاسبنا السياسيّة. وفي ذلك تعزيز للنزعة الفردانيّة وكيفيّة تحقيق الحياة الشخصيّة، وبالتالي إحقاق الاحتواء السياسيّ والترويض والأسرلة".

وتتابع نصّار: "تعطي إسرائيل في مجالات معيّنة، تخفّف قمعها، ثمّ تحقّق مكاسبها في الضفاف المقابلة. يحدث ذلك في غياب مشروع سياسي يعطي هؤلاء الشباب الشعور بالأمان إذا أرادوا اعتماد توجّهات وطنية. الأمر الذي يؤدي إلى انسحاب الأفراد إلى الوراء في مسألة الهويّة السياسيّة لأنه يريد خلاصه الفرديّ".

"ما نعيشه ليس طبيعياً"

أما بالنسبة لحلا سالم، فالذاكرة الاجتماعيّة الممتدة تعمل لصالح وعي هذا الجيل، تقول: "أعتقد بأنّ الذاكرة الجماعيّة هي التي أثّرت على تكوّن وعيي السياسيّ. أذكر عرضاً قدّمته مع طالباتي الراقصات في مناسبة تكريم نساء من سخنين، وكانت من بينهن أمّهات لشهداء الانتفاضة وأخوات لشهداء يوم الأرض. أذكر كيف أنّ الطالبات بكين قائلات: هل تفهمين؟! لدينا شهداء! إنّ هذه الذاكرة المستعادة أيضاً من خلال أسماء الشوارع التي تحمل أسماء الشهداء، دفعتني إلى أن أشعر دوماً بأنّ ما نعيشه ليس طبيعياً".  

"أعتقد بأنّ الذاكرة الجماعيّة هي التي أثّرت على تكوّن وعيي السياسيّ"

وفي ما يرتبط بممارستها الثقافيّة النابعة من هذا الوعي، تقول: "لا أجد توازناً على أي مستوى إنساني ما دام التوازن غير متحقق سياسياً. كنت قد تحاورت مع مصممة رقص في تل أبيب. جدّتها مغربية. أعجبتنا فكرة الحديث عن الجدات. لكن جدتها المغربية هاجرت إلى البلاد، أما جدتي فقد فقدت عائلتها التي لجأت إلى خارج فلسطين. لم أستطع أن أصنع هذا المشروع. بإمكاني أن أتحاور أو أشارك. لكن حين تصل المسألة إلى مشروع مشترك تتشتّت رؤيتي".

تراجع في حضور جيل ما بعد الانتفاضة

قد لا يكفي الحديث عن الكيفيّة التي يتشكّل فيها وعي جيل "ما بعد الانتفاضة"، بل يدفعنا النظر إلى هذا الجيل وحضوره في الحقول الفنيّة والثقافيّة المتعدّدة. وكيف بإمكانه، من خلالها، أن ينشر وعيه أو يؤثر على شكل الحاضر والمستقبل. في حقل الأدب والشّعر، مثلاً، يلاحظ الكاتب هشام نفّاع تراجعاً في حضور هذا الجيل: "أنا دائم البحث عن كتّاب في عشريناتهم. لدي انطباع بأنه جيل مُقل في الكتابة الأدبية. ربما ينشر هؤلاء إلكترونياً؟ هذا وارد. لكنّي لا أشعر بحضورهم. ثمّة مجاهيل وتساؤلات كثيرة في هذه الصورة. إنّ إيجادهم سيعطينا مفاتيح لفهم أدبنا وانشغالاتنا وإنتاجنا الراهن".

ويتابع: "لا يكفي أن نفكّر بالسياسة دون أن نفكّر بها بوصفها دفيئة وفضاء ينشأ فيه النقاش والجدل والأسئلة. قد تكون هناك إجابات على رفوف مكتبات الجامعات. آمل. لكن ستكون خسارة كبيرة إن لم تُتَح أمام الناس".

 ويضيف: "كي نستطيع تقويم واقعنا بما يتعلق بالإنتاج الكتابي، لا بدّ أن نقارن جيلنا هذا بشعوب أخرى، وليس بأجيال فلسطينيّة سبقته وحسب. ماذا يحصل مع هذا الجيل في فرنسا أو اليابان؟ قد تكون المشكلة كونيّة. لكن لا بدّ أن نبحث عن إجابة ما".

"فشلنا في عدم قدرتنا على حماية ناسنا"

يبدو أنّ آخرين يشاركون نفّاع هذه النظرة غير المتفائلة، في الأقلّ، نحو الجيل الجديد. يقول تامر نفّار، الذي يُعتبر فناناً قريباً من هذا الجيل: "لست أكاديمياً ولا باحثاً، أرى الجيل الجديد بسبب احتكاكي بتفاصيل في الشارع، كيف أشعر بها وكيف تصلني. شعوري أننا في خيبة مستمرة، ما بعد أكتوبر هنالك خيبة الربيع العربي. لم نعد نتكل على أنفسنا ولا على استقلالنا السياسي. تتكرر جملة جوان صفدي من أغنيته "في حضن الاحتلال" في رأسي دوماً: "يمكن أنا زعلان عشان بشعر بالأمان في حضن الاحتلال"، وهذا محزن والجملة قاتلة. أتخيّلها كأن هنالك عاصفة في الخارج ولأحمي نفسي أدخل إلى السجن. كلاهما بشع".  

وفي ما تنطوي شرائح واسعة من المجتمع الفلسطينيّ في أراضي 48 على نفسها، جاعلةً من قضاياها اليوميّة والاجتماعيّة في مقدّمة معاركها، يبدو أنّ الجيل الجديد، أيضاً، لديه معاركه الخاصّة التي تنأى أحياناً عن المعركة الوطنيّة، لترتبط بعلاقته بمجتمعه وهويّته الشخصيّة. 

"فشلنا لا يكمن في عدم قدرتنا على هزيمة الصهاينة، إنما في عدم قدرتنا على حماية شبابنا وشاباتنا. بالشراسة نفسها التي نرمي بها حجراً على الجندي نرميه على المثليين والمثليات، بالشراسة نفسها التي نهاجم بها قامعنا السياسي، نهاجم مسألة طبيعية كالمثلية الجنسية"

يقول نفّار: "الأفلام التي أُنتجت بعد الانتفاضة الثانية مباشرة، مثل 'الجنة الآن' لآن ماري جاسر وأفلام جوليانو مير خميس، تختلف مقولتها السياسية عن الأفلام التي أُنتجت بعدها بسنوات، مثل فيلم 'بر بحر' لميسلون حمّود، الذي يوثق هروب نساء فلسطينيات من مجتمعاتنا وصعوباتها عليهن ليحمين أنفسهن في تل أبيب. كأن الشاب العربي يشعر بأن الحل مع مجتمعاتنا صعب أو شبه مستحيل، إذاً فليكن الهروب. لكن حل مشكلتي مع اليهودي واردة أكثر. وبسبب هذا لربما جيل اليوم الذي يذهب إلى تل أبيب والغرب لا يثق بنفسه ولا بمجتمعه".

 ويتابع: "فشلنا لا يكمن في عدم قدرتنا على هزيمة الصهاينة، إنما فشلنا يكمن في عدم قدرتنا على حماية ناسنا وشبابنا وشاباتنا. بالشراسة نفسها التي نرمي بها حجراً على الجندي نرميه على المثليين، بالشراسة نفسها التي نهاجم بها قامعنا السياسي، نهاجم مسألة طبيعية كالمثلية الجنسية. 'لونك بدولة عربية كان بتلعن دينك'، نحن من يقول هذه الجملة، وهذا الجيل الجديد للأسف. جيل لا يثق بنفسه، ونحن موجودون ما بين جيل أكتوبر الذي طالب وحارب من أجل استقلاله وبين جيل اليوم الذي يخاف من الاستقلال السياسي". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard