"كنت وغيري من البنات نلعب مع الأولاد"... ألعاب الطفولة الشعبية التي انقرضت من بلادنا

السبت 9 يناير 202103:24 م

دار نقاش سريع بيني وبين زميلي قبل فترة، حول ماذا سأشعر لو أتيحت لي الفرصة بأن أعود طفلة من جديد؟ قمت بصدّ الفكرة فوراً لأسباب عدة، فيما كان تبرير زميلي بشوقه لإعادة عمره من جديد، رغم الصعوبات التي مرّ بها: "اشتقت أن أضحك من قلبي، أشتاق إلى زمن لعب كرة القدم في الحارات، رنّ أجراس بيوت الجيران والهرب وصوت ضحكاتي وضحكات أصدقائي يملأ المكان".

ذلك ما جعلني أفكر بكتابة تقرير عن ألعاب الطفولة في في الأحياء والشوارع العربية، وغيرها من الألعاب الشعبية القديمة، ومن الأردن إلى مصر ثم الكويت، تشابهت عبارات كثيرة مع من تحدثت معهم/ن عن الألعاب الشعبية، من بين العبارات التي تكررت، العبارة التي قالها زميلي: "اشتقت أن أضحك من قلبي!".

ليست فقط صوت الضحكات التي يشتاق إليها الشاب الأردني خالد شلبية (37 عاماً) في أيام لعب كرة القدم في "الحواري"، كما يقول لرصيف22، بل لأن كرة القدم في ذلك الوقت: "كانت إثباتنا الوحيد أننا 'صرنا رجالاً!'، حيث كنا نتأخر في العودة إلى البيت بحجّة لعب كرة القدم في الحارة، وبحجّتها أيضاً، أي كرة القدم، كانت ترسلنا أمهاتنا خارج البيت إن زارتهن جارة أو قريبة".

 ويضيف: "أول ما يلمع بذاكرتي عن الألعاب الشعبية المشتركة، والتي لعبناها، أولاداً وبنات سوية، هي جملة: طاسة ترن طاسة بالبحر غطاسة، وهي عبارة عن افتتاحية للعبة الفوازير والألغاز وكان جوابها: الرمانة. كنت ألعبها مع أصدقائي وصديقاتي، وعادة ما كان موعد هذه اللعبة آخر الليل، حسب توقيتنا آنذاك".

ومن الألعاب المشتركة أيضاً في الماضي، كما يستكمل خالد شلبية: "لعبة الغمّيضة، وهي لعبة مشوقة تحتاج لعدد كبير من الأشخاص، يقوم واحد منهم بالعدّ لرقم معين وهو مغمض العينين، حتى يتمكن الجميع من الاختباء، ويقوم بعدها برحلة البحث عن المشاركين في اللعبة، والتي قد تستمر لساعات… تخيّلي كيف كان لدينا قوة التحمل"، يقول خالد في جملة معترضة قبل أن ينتقل إلى لعبة "الزقطة" التي كان يلعبها مع البنات والأولاد في الحارة. 

ولعبة "الزقطة"، كما يصفها خالد هي "عبارة عن لعبة تعتمد على التركيز والدقة، تتكون من خمسة أحجار صغيرة ومتساوية في الحجم، يجلس اللاعب على أرض منبسطة ويختار حجراً واحداً ويقذفه للأعلى، ويحاول خلال هذه المدة أن يجمع الأربعة أحجار المتبقية ويضعهم على ظهر اليد قبل أن يعود الحجر الذي يطير فوق إلى الأرض".

ومن الألعاب الخاصة بالأولاد، أي ما تُسمى "الولادية"، كما يسترسل خالد، كانت كرة القدم، ويتابع: "كنا ننظم دورياً حقيقياً أو على لعبة جديدة كلياً، كنا نسميها نص جول أو جول إنجليزي، وهي مباراة تقوم على فريقين وحارس مرمى واحد، عادة ما يكون متحيّزاً لفريق ما ليكون سبباً في خسارة الفريق الآخر، كذلك لعبة جزيرة الكنز، وكانت لعبة مشوقة جداً تقوم على تخبئة شيء ما ورسم خريطة لمكانه، ونظراً لضيق الأحوال المادية وعدم توفر دراجات هوائية للجميع، كنا نستأجر أنا وأصدقائي الدراجات من محل بعشرة قروش محددة بعشر دقائق".

هذا التقرير هو عن ألعاب الطفولة في الأحياء والشوارع العربية، وغيرها من الألعاب الشعبية القديمة، ومن الأردن إلى مصر ثم الكويت، تشابهت عبارات كثيرة مع من تحدثت معهم عن ألعاب الطفولة الشعبية، من بين العبارات التي تكررت كانت: "اشتقت أن أضحك من قلبي!"

تراث الألعاب الأردني

وفي الأردن أيضاً، وتحديداً في محافظة "السلط"، استطاع الباحث الدكتور وليد المصري، إعادة إحياء لعبة شعبية عمرها 2000 عاماً تدعى "المنقلة"، وهي لعبة وفق حديثه لرصيف22: "أصلها نبطي، حيث كان العرب الأنباط يلعبونها، ودخلت محافظة السلط قبل 400 عاماً، إبّان الحكم العثماني، وما تزال حتى اليوم تُمارَس في ساحة العين وسط السلط".

"خفت عليها أن تنقرض"، أجاب الدكتور المصري، رداً على سبب إعادة إحيائه للعبة "المنقلة" مؤخراً، وكانت إجابته مليئة بالخوف من أن يضيع منه كنز ثمين، ويقول: "المنقلة جزء أصيل من تراثنا، مثلها مثل الثوب البدوي أو الفلاحي، وعمرها الذي يصل إلى حوالي 2000 عام كفيل بأن يكون سبباً لاستمرارها على مر الأجيال، وهي بالمناسبة لعبة يمارسها كبار السن، حيث تساهم دقتها في تنشيط ذاكرتهم وتحفيزها، هي لعبة ذكية جداً وأصيلة جداً، فهي مكونة من خشب البلوط خاصتنا في الأردن، ومن السنديان خاصتنا أيضاً".

وأضاف: "عندما لاحظت أن عدداً ممن يلعبون المنقلة التي تمارس في ساحة العين قد تقلّص، ربما لأن غالبية من يمارسونها من كبار السن، شعرت بالغيرة على تراث أردني جميل، فأطلقت مبادرة لإعادة إحيائها، من خلال إشراك المجتمع المحلي فيها، وعرضها على زوار مدينة السلط، حتى أن المبادرة شملت تدريب الجيل عليها، وصدقيني هناك طفل معروف باستمرار يغلب كبار السن فيها!".

ويختم أن المنقلة باتت شكلاً سياحياً في مدينة السلط بعد إعادة إحيائها، حيث من يزور ساحة العين، بحسب قوله يتعرف على اللعبة ويمارسها، ويقول: "لدي رسائل على الفيسبوك من سائح إسباني زار السلط وتعرف على المنقلة، يطلب مني استكمال تدريبه للعبها"، ويضحك: "المنقلة وصلت إسبانيا!".

ألعاب أيام زمان المصرية

ومن الأردن إلى مصر، وتحديداً في أواخر سبعينيات القرن الماضي، تعود بنا زيزي خير، وهي من مواليد عام 1974، إلى "ألعاب أيام زمان"، التي قسّمتها في حديثها مع رصيف22 إلى: الألعاب الخارجية والألعاب الداخلية، وتقول: "الألعاب الخارجية تلك التي كنا نلعبها في المصيف، النادي أو الشارع، وعندما كنا نجتمع كأفراد العائلة الممتدة، كنا نلعب في (بيت السلم) في منزل جدتي، ومن بين هذه الألعاب لعبة للبنات وأعتقد أنها امتدت خارجة الوطن العربي تدعى: فتّحي يا وردة غمّضي يا وردة".

وتقوم "فتحي يا وردة غمضي يا وردة، على أساس تشبيك أيادي البنات المشاركات في اللعبة على شكل دائرة، عندما نفتحها نقول فتحي يا وردة، وعندما نغلقها تكون على شكل وردة، وتأتي بنت من خارج الدائرة وتقول: افتحوا الباب، ونرد: لا، الجاموسة بتولد!".

قال عنها خالد شلبية بالأردني "الغمّيضة"، فيما عرفتها زيزي بالمصري "الأستغماية"، وهي من الألعاب الخارجية التي تحتاج إلى مساحات واسعة: "كنا أغلب الوقت نمارسها في الشارع أو في الحدائق، وكان المتسابق فيها إذا وصل خط الأمان يعني أنه وصل إلى 'الإمة'، كذلك كانت هناك لعبة تسمى 'الأولى'، نقوم بتخطيط مجموعة من المربعات على الأرض، نلعب بواسطة حجر 'طوبة'، ونحركها بحيث يجب أن تبقى داخل خطوط المربعات، كنا نلعبها ونحن نقفز على قدم واحدة، لكن أهالينا لم يحبذوا أن نلعبها بالقرب من بيوتنا، حيث كانوا يطلبوا منا أن نلعبها بعيداً عن المنزل".

لماذا؟ سألت زيزي، أجابت: "لأن في تراثنا الصعيدي هناك شيء يسمى 'الحجلة' وهي أسلوب ندب الموتى، تكون هيئة من يندبون بهذه الطريقة، مثل هيئتنا ونحن نلعب لعبة 'الأولى'، يقفون على قدم واحدة، لذلك كان أهالينا يتشاءمون من لعبها قرب بيوتنا".

أما عن الألعاب الداخلية فهي كما تبين زيزي الألعاب المنزلية: "كانت تقوم على الورقيات مثل الكوتشينة، نلعب بواسطتها الباصرة ولعبة الشايب، وهذه لعبة دمها خفيف جداً، بسبب الأحكام التي كنا نصدرها على من يحمل ورقة الشايب، كانت الأحكام مضحكة جداً... اشتقت لصوتي وأنا أضحك مثل تلك الأيام"، تختم زيزي وتقول: "هذه هي طفولتي، تلك هي ألعابي وتلك أيام الزمن الجميل".

"شعرت بالمعنى الحقيقي للمساواة والحرية في طفولتي في الكويت، كنت ألعب كرة القدم مع أولاد الجيران، ولم تكن هناك نظرات أو عبارات تستنكر ما أفعل، كنت وغيري كثر من الفتيات نلعب مع الأولاد"

ألعاب الطفولة في الكويت

"لا أخجل من شيء، فأنا إنسانة على مشارف الخمسين، ولا أندم على ما كنت أقوم به في طفولتي، ولو عاد بي الزمن جديد سأعيد ما كنت ألعبه"، تقول ليلى محسين (49 عاماً) وهي تعود بذاكرتها، في حديثها معي، لزمن ألعاب الماضي التي كانت تلعبها في الكويت، حيث ولدت هناك في سبعينيات القرن الماضي، فتلك الألعاب كانت من النوع "المشكلجي" كما تصف، وكما تؤكد أكثر من مرة وهي تضحك أنها لا تندم على لعبها.

من بين تلك الألعاب "المشكلجية" كما تروي ليلى: "كانت أجمل لحظات ضحكاتنا أنا و'شلّتي' في الحارة عندما كنا نلعب لعبة رنّ الجرس على بيوت الجيران والهرب بعدها، كانت قهقهة ضحكاتنا ترتفع كلما ارتفع صراخ الجيران علينا وهم يطلبون من أهالينا أن 'يضبّونا'، ناهيك عن ألعاب أعترف للأسف أن فيها تنمراً، عندما كنا نتسلّط على شخص في الحارة ونسرق منه سندويشته وهو ينتظر باص المدرسة صباحاً".

"أسمى حياة الحرية عشتها في طفولتي في الكويت"، تقول ليلى، وتفسّر ذلك بقولها: "شعرت بالمعنى الحقيقي للمساواة والحرية في طفولتي في الكويت، كنت ألعب كرة القدم مع أولاد الجيران، ولم تكن هناك نظرات أو عبارات تستنكر ما أفعل، كنت وغيري كثر من الفتيات نلعب مع الأولاد: الباسكليت، والباتيناج، وحتى الرول سكيت أو سكيت بورد، كنت أذهب به من منزل أهلي إلى سوق السالمية وأتنفس حرية وأنا في الطريق".

"لم يعد يفرق معي شيئاً"، تكرر ليلى عباراتها، وتختم بتكرار عبارة: "لو عاد بي الزمن سألعب ما كنت ألعبه... اشتقت لضحكتي ولمذاق الحرية أيضاً!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard