"الحكومة بتسلمنا للموت كل يوم"... هجرة آلاف الأطباء المصريين منذ تفشي كورونا

الخميس 7 يناير 202101:46 م

"الحكومة بتسلمنا للموت كل يوم. أي بلوة يلبسها الدكاترة ومفيش لا دعم ولا حماية ولا حتى إمكانيات نواجه بيها الكارثة. كل يوم بخرج من بيتي وأنا بحتسب روحي شهيدة، أكيد مش عايزة أخاطر بحياتي ولا حياة عيلتي بس بروح مجبرة لأن الموت أرحم من ‘أمن الدولة‘".


بهذه الكلمات عبّرت لرصيف22 علياء كرم، وهو اسم مستعار بناء على رغبتها لاعتبارات السلامة، عن الوضع الذي يعيشه غالبية أفراد القطاع الطبي ليس الأطباء فحسب بل أيضاً أطقم التمريض.


مع ضحكة ساخرة، أضافت: "بعد كارثة مستشفى الحسينية على سبيل المثال، صدر قرار يقضىي بأن يتولى اثنان من الأطباء يومياً مسؤولية تعبئة تانكات الأكسجين والتأكد من وفرة الأكسجين وإحصاء عدد المرضى الذين يحتاجون الأكسجين، وهو عمل إداري وليس عملنا على الإطلاق بل يعطلنا عن رعاية المرضى الذين يفوقون أعدادنا وقدرتنا بكثير". وكان عدد من مرضى العناية الفائقة في المستشفى المذكور قد قضوا جراء نفاد الأكسجين، وهذا ما أثار ضجة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


قرار تكليف الأطباء بالأكسجين


"أي بلوة يلبسها الدكاترة"... تقرير يؤكد ارتفاع معدلات هجرة الأطباء من مصر بعد تفشي كورونا إلى 7000، هرباً من تقديم الحكومة إياهم لقمة سائغة للموت دون معدات وقاية أو تجهيزات كافية

منذ تفشي جائحة الفيروس التاجي في البلاد، تعددت التقارير عن معاناة العاملين في القطاع الطبي بسبب نقص الإمكانيات ومعدات الحماية والزج بهم كمحاربين عزل في معركة غير متكافئة وسط إصرار رسمي على "التكتم والتعتيم" على ما وصف بعدم جاهزية البنية التحتية للقطاع العلاجي.


ووصف عدد من الأطباء لرصيف22 التخلي عن العمل الحكومي في مستشفيات الدولة بأنه "هروب من الجحيم". وذلك عقب تقرير لنقابة الأطباء المصريين يؤكد استقالة نحو ثلاثة آلاف طبيب دون سن 35 عاماً خلال عام واحد -2018/ 2019- بسبب بيئة العمل غير المؤاتية وضعف الراتب.


زيادة هجرة الأطباء

في أحدث تقرير له، أفاد المركز المصري للدراسات الاقتصادية (ECES) بـ"زيادة هجرة الأطباء إلى الخارج عقب الموجة الأولى" للجائحة، مقدراً أن أعداد الأطباء الذين هاجروا بلغت "نحو 7000". 


ردّ المركز، وهو مؤسسة بحثية مستقلة غير هادفة للربح، جانباً من العجز في مواجهة الجائحة في البلاد وارتفاع معدلات الوفيات إلى ثلاثة أضعاف المعدل العالمي (6% و2% على الترتيب) نتيجة "نقص مقدمي الخدمات الصحية" جراء هجرة ووفاة الكثير منهم. وقد أبلغت نقابة الأطباء عن وفاة "285 شهيداً" من أفرادها بالفيروس منذ بداية الوباء حتى 6 كانون الثاني/ يناير. علاوة على نحو 70 ممرضاً وممرضة.


وأشار في تقريره إلى أن وزارة الصحة المصرية "لم توضح كيفية التعامل مع هذا العجز". لكن علياء كرم، صاحبة الـ34 عاماً التي تعمل في أحد المستشفيات الحكومية الجامعية في محافظة المنوفية، أوضحت لرصيف22: "الطبيب اللي بيموت بيتم توزيع شغله على زمايله"، لافتةً إلى بعض الإجراءات من قبيل الإبقاء على الذين بلغوا سن التقاعد ومد فترة خدمتهم ونقل بعض المهام التطبيبية إلى أفراد التمريض وإلى بعض الإداريين في الخدمات البسيطة أحياناً.


واتخذت الحكومة قرارات بمد خدمة مئات الأطباء إلى 62 و65 عاماً بدلاً من 60، عازيةً ذلك إلى رغبتها في مواجهة العجز في أعداد الأطباء والتفشي الكبير للفيروس بـ"الخبرة والشباب" جنباً إلى جنب. وكانت هناك محاولة لتحويل الصيادلة إلى أطباء عقب "معادلة شهاداتهم" لكن نقابة الأطباء تصدت لها بشدة.

"الحكومة بتسلمنا للموت كل يوم. أي بلوة يلبسها الدكاترة… كل يوم بخرج من بيتي وأنا بحتسب روحي شهيدة، أكيد مش عايزة أخاطر بحياتي ولا حياة عيلتي بس بروح مجبرة لأن الموت أرحم من ‘أمن الدولة‘"

ونبهت علياء إلى أنه "ممنوع أي طبيب يتخلف عن الشيفت (الدوام) بتاعه، ومفيش حاجة اسمها مريض لا بكورونا ولا أي مرض تاني"، مبرزةً أنها بصعوبة حصلت على إجازة 10 أيام لإجراء جراحة كادت حياتها أن تتعرض للخطر لم تم تأجيلها.


قالت علياء أيضاً إن إجازة رعاية الطفل المكفولة وفق القانون تم وقفها ورفض تجديدها للطبيبات اللواتي كن في إجازة قبل تفشي الجائحة. وأكدت التقارير المتداولة عن تحويل أي شخص يعمل في القطاع الطبي الحكومي إلى جهاز "أمن الدولة" السيىء السمعة وتعريضه للفصل الفوري والتحقيق إذا حدث مع تجاهل أية أعذار للغياب.

 

عبير إبراهيم (48 عاماً)، اسم مستعار أيضاً، تعمل مشرفة تمريض (رئيسة حكيمات) في أحد مستشفيات جامعة طنطا (شمال مصر)، قالت لرصيف22: "حاولت أن آخذ إجازة بكل السبل لأن مناعتي ضعيفة وأنا أم لأربعة أطفال وأخشى عليهم من العدوى، لكن تم تهديدي بتحويلي إلى التحقيق ليس داخل المستشفى وإنما في أمن الدولة".


ويقبع عدد من الأطباء في السجون منذ شهور بسبب حديثهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن نقص التجهيزات الطبية والمطالبة بأبسط حقوقهم.


وشككت علياء وعبير في الزعم بهجرة 7000 طبيب أخيراً، واستندتا إلى صعوبة الخروج من الخدمة الحكومية، علاوةً على وقف الطيران وإجراءات الهجرة في كثير من بلدان العالم. لكن عبير اعتبرت أن أي طبيب/ ممرض يمكنه الإفلات من العمل الحكومي حالياً، "وهذه فرصة للنجاة والحياة" ينبغي عدم إهدارها.

بعد كارثة #مستشفى_الحسينية… قررت وزارة الصحة المصرية إلزام طبيبين بكل مشفى بالإشراف يومياً على تعبئة تانكات الأكسجين وعدّ المرضى الذين يحتاجون التنفس الاصطناعي على الرغم من أنه عمل إداري من شأنه تعطيل الأطباء الذين تعاني صفوفهم عجزاً حاداً بالفعل. فن إدارة الأزمة!

سيناريوهات متشائمة وتوصيات

شمل تقرير ECES عدداً من السيناريوهات المتشائمة التي قد تبلغها الأوضاع في ظل استمرار "تصدير صورة غير حقيقية للمجتمع عن خطورة الوضع" مع تأخر الحكومة في فرض الإغلاق والسماح بالتجمعات خلال فترة الانتخابات البرلمانية الأخيرة والمهرجانات الفنية والاحتفالات والتراخي في تطبيق الإجراءات الاحترازية مثل ارتداء الكمامات وإلزام المطاعم والمولات بنسبة الـ50%...


توقع المركز أن تراوح الإصابات بالفيروس خلال شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير عام 2021  بين سبعة ملايين (السيناريو الأقل تشاؤماً) و43 مليوناً (السيناريو المتشائم). ولفت إلى أن حدوث أي من السيناريوهين يتوقف على سرعة تشديد الإجراءات الاحترازية والتعاقد على اللقاح.


وبينما أشاد المركز بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الموجة الثانية من الجائحة، شدد على أنها وحدها ليست كافية. وحث على الالتزام الصارم بالإجراءات من قبل جميع أجهزة القطاع الإداري والمسؤولين والوزراء باعتبارهم قدوة للمواطنين مع التوسع في تبني حلول غير تقليدية كتقديم الخدمات الخاصة بالتشخيص والعلاج والتطعيم عبر قوافل متنقلة، وتدريب الأطباء البيطريين على كيفية التعامل لدى الحاجة إليهم، بالإضافة إلى وضع ضوابط على الخدمة الصحية المقدمة من القطاع الخاص لوقف المغالاة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard