"هروب من الجحيم"... أن تكون طبيباً في مصر

السبت 22 فبراير 202012:56 م


يبدأ الطبيب المصري عبد الرحمن الكومي عمله اليومي في جزيرة "أوليغان"، شمال "جزر المالديف"، الثامنة صباحاً. ينتهي منه في الرابعة مساءً. طوال ستة أيام، بمعدل 48 ساعة أسبوعياً. مثله مثل أي موظف يعمل ثماني ساعات في اليوم.

لم يتوفر هذا النظام الاعتيادي للطبيب الشاب قبل أربعة أشهر، حين كان يعمل في أحد المستشفيات الحكومية في مصر 12 ساعة يومياً، تحت ضغط حالات مرضية تتطلب العلاج في ظل عجز كبير في الإمكانات.

حاول التقدم بطلب للحصول على إجازة فطُلب منه "رشوة"، فسافر منقطعاً عن العمل إلى جزر المالديف.

عبد الرحمن واحد من مئات الأطباء الذين هجروا العمل الحكومي في وزارة الصحة المصرية خلال الأعوام الماضية.

وبحسب تقرير إحصائي أصدرته نقابة الأطباء المصرية، انخفض عدد الأطباء العاملين في وزارة الصحة بين عامي 2018 و2019 حتى بلغ نحو 1500 عام 2015. وأوضح التقرير أن حوالى ثلاثة آلاف طبيب دون الـ35 عاماً من العمر قدّموا استقالتهم خلال عامي 2018 و2019، وأن الذين أحيلوا الى التقاعد بالإضافة إلى عدد المُسجلين كـ"طبيب حر" أكثر من عدد الذين دخلوا الخدمة بنحو 1500.

وفق المصدر نفسه، انخفض عدد الأطباء في الوزارة، خلال الفترة نفسها، بنحو 1500 مقارنةً بعام 2015.

العجز الحقيقي أكبر من المعلن

"الأعداد الفعلية أكثر من الأعداد الرسمية الواردة في إحصاء النقابة"، هكذا قال لرصيف22 مصطفى، وهو طبيب شاب في أحد المراكز الطبية الحكومية المتخصصة في علاج الأورام.

اعتداءات بدنية وملاحقات قضائية وإهانة وتشهير عبر السوشيال ميديا، علاوة على ذلك يعاني الطبيب في مصر التعنت الحكومي... إليكم كيف أصبحت مصر "بيئة طاردة للأطباء"

أضاف مصطفى: "الأرقام التي اعتمدتها النقابة تشمل الاستقالات الرسمية. هناك أرقام لا تخضع للحصر الرسمي في سجلات النقابة، مثل الفصل بعد الانقطاع عن العمل، أو الهروب للعمل في الخارج من دون الالتزام بتقديم الاستقالة إلى الجهة الحكومية".

وتابع: "العجز في عدد الأطباء يجاوز الأرقام الرسمية المصرح بها"، جازماً أن "أقسام الاستقبال في بعض المستشفيات الحكومية حالياً، تعتمد على طبيبين على الأكثر، بل إن بعض الأطباء يمارسون تخصصات غير تخصصاتهم لسد العجز في أقسام الاستقبال والطوارئ".

بيئة عمل طاردة

وعن أسباب "هروب الأطباء"، قال مصطفى: "من منظور طبي، فإن البنية التحتية للقطاع الصحي الحكومي غير ملائمة، ولا تتيح تقديم الرعاية اللازمة للمرضى".

ونبه إلى أن "الوضع الاقتصادي للأطباء الشباب أيضاً عائق، فالطبيب الشاب يحتاج إلى مواصلة الدراسة في مجال سريع التطور بعد التخرج، وهو أمر صعب ومكلف. أضف أنه يحتاج إلى مستوى معقول من العيش. يضطره هذا للعمل 14 ساعة يومياً خلال ستة أيام على الأقل. وكذلك العمل في أكثر من مستشفى لتأمين دخل مناسب".
"التعامل مع المرضى مرهق كذلك، أصبح الطبيب حالياً معرضاً للإهانة أو التعدي بالضرب من قبل ذوي المرضى وعائلاتهم الغاضبة من نقص التجهيزات في المستشفيات، يرونه مسؤولاً عن كل شيء، ويُحاسبونه على وضع لا يقع في نطاق مسؤولياته، بل غالباً ما يكون هو أيضاً ضحيته"، أردف.
وبعد حوادث اعتداءات بدنية متكررة على أطباء، حذرت منى مينا العضوة في مجلس النقابة العامة لأطباء مصر، في آذار/مارس الماضي، من أن عدم تأمين ظروف عمل الأطباء سيؤدي إلى "شرخ عميق صعب الإصلاح، بين الأطباء ومرضاهم، ويدفع بالأطباء للهروب من العمل في مستشفيات مصر"، لافتةً إلى احتمال وقوع "انفجارات أكثر عنفاً ونتائج أكثر كارثية".
كذلك يتعرض الأطباء في مصر للإهانات اللفظية وللتشهير أحياناً عبر "السوشيال ميديا". من أبرز هذه الحوادث ما بدر من زوج الفنانة الكوميدية شيماء سيف، محمد كارتر، الذي وضع منشوراً حافلاً بالإساءات للأطباء في مستشفى قريب منه متهماً إياهم بالتقاعس في أداء واجبهم. لكنه حذف المنشور بعدما شرح الأطباء المعنيون ما حدث ونشروا صوراً.

معايير الجودة: صفر

تتفق طبيبة مصرية، فضلت عدم ذكر اسمها، مع ما قاله مصطفى، مضيفة أن "بيئة العمل حافلة بقدر كبير من البيروقراطية على أصعدة ممارسة الطب ودراسته أيضاً". وتابعت الطبيبة التي تعمل في أحد المستشفيات في دولة خليجية أنها "تشعر بالخجل مما تراه من معايير للجودة في المستشفى الذي تعمل حالياً فيه إذا ما قارنته بوضع العمل في مصر، التي لا تطبق معايير الجودة الطبية".
"العمل في الطب خارج مصر مختلف"... أطباء مصريون يروون لرصيف22 كيف تبدلت حياتهم بعد "الهروب من جحيم" العمل في المستشفيات الحكومية
وأضافت: "الشهادات المصرية غير معترف بها في الخارج. فعلى المستوى العملي يملك الطبيب الكفاءة والمهارة لكن من دون شهادة معترف بها. علماً أن الطبيب المصري يحتاج لخوض اختبارات عديدة لمعادلة شهادته المصرية بشهادة أخرى من دولة أجنبية يسعى للسفر إليها".
يذكّر هذا بحادثة وفاة ثلاث طبيبات حديثات التخرج في قنا (صعيد مصر) في كانون الثاني/يناير الماضي، وإصابة أخريات، عقب إجبارهن على السفر فجأة إلى القاهرة بوسيلة غير آمنة لحضور تدريب روتيني.

خارج مصر "العمل مختلف"

أكد طبيب شاب آخر، متخصص في طب الطوارئ وأقسام الاستقبال، تواصل معه رصيف22، ما قاله الطبيبان. هو أيضاً كان قد انقطع عن العمل حتى تم فصله من المستشفى الحكومي المصري الذي كان يعمل فيه. قال: "وضع بيئة العمل في مصر، وبخاصة في أقسام الطوارئ، مؤسف. التجهيزات محدودة، وعجز في الموارد البشرية يضطرك لتحمل ضغط عمل يفوق طاقتك، ومقابل مادي محدود".

وهو يصف وضعه الجديد في أحد المستشفيات الخليجية بالـ"مختلف 100 في المئة. ساعات عمل واضحة، وضغوط عمل مقبولة لوفرة الأطباء في الطوارئ، ومقابل مادي مريح".

في الأثناء، اتفق الثلاثة على أن للوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر دوراً رئيساً في هجرة الأطباء، مؤكدين أن هذا الوضع يمس جميع العمال في مختلف المهن والتخصصات.

من حسن الحظ يستطيع الأطباء العمل في الخارج ولديهم خيارات أكثر من غيرهم."لا تقدير مادياً ولا معنوياً، وهو مهدد بالضرب وتلقي غضب المرضى. فما الدافع ، والحال هذه، إلى مواصلة العمل؟"، هكذا ختم مصطفى ملخصاً وضع الطبيب في مصر حالياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard