"كنت مصففاً لشعر النساء في غزة"

"كنت مصففاً لشعر النساء في غزة"

السبت 9 يناير 202105:13 م

شاب يافع في مطلع العشرين، يقف بقامته الطويلة أمام صالونه للتجميل الذي يحمل اسمه، يرى شغفه ماثلاً في محل صغير وسط مدينة غزة، يرتدي أغلب الوقت نظارة دائرية العدسات، ويعتمر "فلات كاب" كتلك التي يعتمرها عادة الفنانون والمثقفون، هو أيضاً -يمكن القول- فنان.

في عام 1984، بدأ عدنان بركات (55 عاماً) يشق طريقه في عالم التجميل وتصفيف الشعر "الكوافير" المتعلق بالنساء، ليصبح اليوم من القلائل المتبقين في قطاع غزة، الذين صمدوا أمام التغيرات في العقود الثلاثة الأخيرة، نحو مزيد من مظاهر التدين أو ما يصفها هو بـ"الصحوة الدينية".

على المقعد الجلدي، استقبل عدنان سيدات بارزات في المجتمع الفلسطيني بقطاع غزة، بينهن عضوة المجلس الثوري لفتح جميلة صيدم، والنائبة في المجلس التشريعي راوية الشوا، وأخريات من طبقات اجتماعية مختلفة.

أما المرايا المستطيلة التي باتت تغطي ثلث الجدار فهي أيضاً شاهدة مع عدنان على التحولات في المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة لما يربو على ثلاثين عاماً، منذ افتتاح صالونه عام 1991.

تنانير قصيرة

"بدأت ممارسة الكوافير، عام 1984. كنت أتممت دراسة التوجيهي (الثانوية العامة)، وتحولت إلى مهنة التجميل، تعلمت فنون المهنة عند كوافير مشهور في قطاع غزة، بعد أن أتقنت المهنة، افتتحت صالوناً خاصاً بي عام 1991"، يقول بركات لرصيف22.

يعود بركات بذاكرته إلى الوراء، كأنما يدير كاميرا تصوير قديمة يستحضر صوراً من الماضي. يقول: "النساء كانوا زمان مودرن (عصريات) أكثر، وجود المحجبات ما كان كبير"، وتظهر صور أرشيفية قديمة النساء قبل عقود في غزة بتنانيرهن القصيرة، والقمصان القصيرة الأكمام، لكن هذا الواقع بدأ بالتغير شيئاً فشيئاً، واحتلت مكان التنانير القصيرة تنانير سوداء فضفاضة طويلة، وغطاء الرأس، والجلباب الإسلامي.

على المقعد الجلدي، استقبل عدنان سيدات بارزات في المجتمع الفلسطيني بقطاع غزة، بينهن عضوة المجلس الثوري لفتح جميلة صيدم، والنائبة في المجلس التشريعي راوية الشوا

يضيف متنهداً: "اليوم الأمر مختلف، أغلب النساء محجبات، عشان كده صار بدهم ست كوافير مش رجل".

للمفارقة، كان وجود كوافير رجل قبل عقود أمراً "طبيعياً"-كما يقول بركات- لكنه بات اليوم مرفوض من شريحة واسعة في قطاع غزة، الذي أخد بالانزياح إلى المزيد من التدين بعيد الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) وظهور حركات إسلامية، وقد بلغت ذروة هذه الصحوة بعد تولي حركة حماس الحكومة عام 2007.

ففي قطاع غزة الذي يقطنه ما يزيد عن مليوني نسمة لا يتجاوز عدد مصففي الشعر من الرجال الذين يستقبلون في صالوناتهم نساء أصابع اليد الواحدة، وهم من صمدوا بعد موجة التدين، يقول بركات: "كان زمان ممارسة الرجال لمهنة الكوافير، أمر عادي، أنا تعلمت من كوافير رجل وكان في غيره كثير".


"منعونا من العمل"

عام 2011، منعت الحكومة في غزة أصحاب محال تصفيف الشعر من ممارسة مهنتهم، وأجبرتهم على التوقيع على تعهد يقضي بعدم وجودهم داخل صالونات التجميل التي يمتلكونها، وقد اضطر عدد منهم إلى الإغلاق بحيث لم يبق سوى بركات واثنين آخرين، كما يشير.

بعد القرار الصادر في شباط/ فبراير عام 2011، أصبح بركات "مديراً للمهنة"، عقب تعهده للجهات الحاكمة التوقف عن ممارسة المهنة التي شُغف بها منذ كان مراهقاً، يقول: "منعونا كرجال نشتغل كمصففين شعر للسيدات في غزة بسبب أنه احنا دولة إسلامية، فاضطر كل مصفف شعر للسيدات يوقع على تعهد بأنه يتوقف عن ممارسة هذه المهنة".


بعد تسع سنوات من القرار بمنعه من مزاولة المهنة، لا يزال بركات يؤكد أن القرار "غير منصف"، مضيفاً "لأنه قيدونا في ممارسة مهنة بنحبها وبنشتغل فيها من زمان، واعتداء على حرية الإنسان الشخصية واختياراته في الحياة، لأنه المفروض كل شخص يكون له الحق في اختيار مهنته أو ممارسة ما يحب".
"منعونا كرجال نشتغل كمصففين لشعر السيدات في غزة بسبب أنه احنا دولة إسلامية"

ويقول أحد مصففي الشعر، في مقابلة مع موقع محلي في شباط/ فبراير 2020، إن صالونه تعرض للتفجير عامي 2008 و2009 على يد "مجهولين"، في محاولة لثنيه عن ممارسة مهنته، كما توقف آخرون عن مزاولة المهنة بعد قرار الحكومة، لكن بركات يقول إن محله لم يتعرض لأي تخريب. ويضيف: "لم نتعرض الحمد لله لأي اعتداء، فقد كانت دائماً سمعة الكوافير الطيبة سبّاقة، والكل بيعرف إنه الاحترام أساس شغلنا أنا زوجتي".


بالنسبة لبركات فقد كان لا بد له من التكيف مع التغيرات الجديدة للحفاظ على مصدر رزقه، وشغفه الوحيد، فقسم صالونه فسمين بحيث يمنح خصوصية للمحجبات اللواتي يرفضن وجوده، وأخذ تدريجياً يتنازل عن ممارسة المهنة لزوجته وشريكته في العمل منذ البداية. يقول: "ما باشتغل حالياً إلا قليل، وبناء على طلب زبونات معينات من غير المحجبات، زوجتي وموظفات يدرن المحل بشكل كامل".


ويؤكد إنه "يتفهم" التحولات التي طرأت على قطاع غزة، وكادت تصيب مهنته الوحيدة التي يعرفها في المقتل، مضيفاً: "زمان كنت مطلوب من كافة الزبائن، وضغط الشغل كله علي، اليوم عملي أقرب إلى إداري، أتفهم ذلك، ودرّبت زوجتي لتلبية طلب الزبونات اللي ما بدهم إياني".

ويرى أن الوضع الاقتصادي المتهاوي في قطاع غزة بات عبئًا آخر على مهنة الكوافير عموماً، وقد زاد تفشي فيروس كورونا في القطاع المحاصر، والإغلاقات المتكررة الطين بلة.

ويوجز بركات نظرته لعالم الزبائن اليوم: "حركة الزبائن خفيفة جداً هذه الأيام، والمحل صار يا دوب بيغطي الالتزامات اليومية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard