"إذا داهمني الموت فجأة أريد أن أموت وأنا جميلة"... عن التجميل وخفاياه في سوريا

الأربعاء 22 يناير 202005:39 م

لم تمنع الحالة الأمنية التي كانت في أوج حدتها في مدينة دمشق عام 2012، سُهى، الفتاة الثلاثينية آنذاك، من البدء بباكورة إجراءات "الصيانة التجميلية" كما أسمتها. "كنت أبدّل الأطباء الواحد تلو الآخر، علّني أحظى بمَن يزيد جمالي جمالاً".

تضمنت تلك الإجراءات ثلاث عمليات حقن شحوم ذاتية متتالية في الوجه، تفصل بين الواحدة والأخرى مدة لا تزيد عن الثلاثة أشهر، وعملية تصحيح لمشاكل تنفسية ناجمة عن عملية تجميل أنفها الأولى، إضافة إلى حقن البوتوكس للتخلص من التجاعيد، فهي كما تقول: "لا أعرف ما الذي كان يدفعني إلى المخاطرة تحت وابل القذائف. كنت كلما أنتهي من تعديل جزء ما في وجهي، تتملكني الرغبة بإجراء المزيد، كما أنني كنت أفكر أنه إن داهمني الموت فجأة، أريد أن أموت وأنا جميلة".

تمثل سُهى حالة من بين كثيرات غيرها في سوريا لفتيات ونساء لم يعد يحقق لهنّ الشكل الطبيعي الرضى الذاتي والنفسي عن مظهرهن الخارجي، وقد تبيّن من استطلاع أجرته معدة التحقيق مع مجموعة من عشر فتيات في العشرينات والثلاثينات من العمر أن الأوضاع العامة الاقتصادية والسياسية التي خلفتها الحرب الحالية لم تكن عائقاً أمامهنّ، وهذا الأمر يعيد إلى الذاكرة "تأثير قلم الحمرة"، المصطلح الذي ظهر بعد أحداث أيلول/ سبتمبر في أمريكا، ويفيد بأن الأوقات العصيبة تدفع الناس إلى صرف النقود على رفاهيات في متناول قدرتهم، لعجزهم على التحكم بغير ذلك.

الطبيب هيثم الحسيني، رئيس الجمعية العربية السورية لطب الجلد، لا يؤيد النظرية السابقة، نظراً لأن الإقبال على الإجراءات والعمليات التجميلية يعتمد على القدرة المادية للفرد. يقول: "إننا نتحدث عن حقن بوتوكس بآلاف الليرات السورية، كما أن المعالجة سواء بالليزر الذي يتضمن جلسات متعددة، أو المواد المالئة التي يُعاد حقنها كل ستة أشهر تقريباً، تكاليفها ليست زهيدة، إلا أن التهافت عليها خلال فترة الحرب يجعل منها ظاهرة مثيرة للاستغراب في ظل وجود أولويات أخرى أكثر أهمية".

قد يُخيّل للمرء أن الغنى في هذه الحالة أمر ضروري خاصة وأن طبقة ما يُسمى بـ"النفوريش" (الأثرياء الجدد) تظهر في سنوات الحرب، لكن على العكس من ذلك، فالفتيات والنساء من الفئتين المتوسطة وما دون يتدبرن تكلفة جمالهن بطرق عديدة.

أصبح أمراً اعتيادياً أن يقتطعن جزءاً من الراتب الشهري ويجمعنه لغاية تجميلية، أو أن يتدبّرن طرقاً لتوفير المال كطالبة الطب البشري مروى التي واظبت لسنة كاملة على الذهاب إلى الجامعة والعودة منها سيراً على الأقدام لتوفير أجرة الطريق من أجل نفخ شفتيها، أو أن يبعن قطعة ذهب، مثل سلام ربة المنزل، لتُكمل كلفة عملية تجميل الأنف الثانية التي أجرتها منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.

 جردة تاريخية

اعتادت الروايات الدينية أن تصوّر المرأة على أنها رمز الغواية الجنسية منذ مجيء آدم وحواء إلى الأرض، وما يزال هذا الاعتقاد سائداً حتى الآن. وكما أن اهتمام المرأة بمظهرها يعود إلى رغبة في داخلها، فإن الرجل في عصور ما قبل الميلاد دعاها إلى ذلك أيضاً. وكتب الشاعر الروماني القديم أوفيد عن فن التجميل في كتابه "فن الحب"، أبياتاً (مأخوذة عن ترجمة علي كنعان لدار التكوين للنشر والتأليف والترجمة) قال فيها: كم مرةً نبّهتك بحرص أن تعتني بنفسك/ لألا تظهر رائحة إبطك أو تكتسي ساقاك بالشعر الخشن/ ولا تتركي أسنانك تسوّد وتصاب بالتلف/ لقد علّمتكِ كم ينجح قلم الحمرة في تحسين المظهر.

اختلفت مقاييس الجمال الأنثوية عبر العصور، فعند المصريين القدامى وُصِفَت المرأة المثالية بأنها نحيلة ولها خصر مرتفع وأكتاف ضيّقة، وفي عصر النهضة الإيطالية تبدلت الصورة إلى المرأة ذات المعدة المدورة والردفين الممتلئين والثديين الكبيرين. أما المعدة المسطحة والبشرة النضرة والمؤخرة الكبيرة والفجوة بين الفخذين فهي مقاييس الجمال في فترة ما بعد الحداثة، ولكي تواكب المرأة السورية المواصفات الجديدة كان لا بد لها من خوض غمار الطب التجميلي.

يقول الطبيب وائل البرازي، رئيس الرابطة السورية للجراحة التجميلية والحروق: "إن الجراحة التجميلية تُعنى بالترميم والحروق والتشوهات الخُلقية والأورام الجلدية، وإن هذا النوع من التخصص في سوريا يعود إلى الستينيات. وبالنسبة إلى عدد الأطباء المسجلين والمرخصين قانونياً في الرابطة السورية للتجميل فهو لا يتجاوز المئة والعشرين طبيباً". بَيدَ أن المفهوم السائد في الأوساط الشعبية يُحَجِّمها إلى بعض العمليات التجميلية والإجراءات غير الجراحية التي تخضع لها المرأة بهدف تحسين مظهرها الخارجي.

في التسعينيات، بحسب الطبيب هيثم الحسيني، "درجت أجهزة الليزر لإزالة الشعر والتصبغات الجلدية، وبداية من عام 2000، بدأ الأطباء في سوريا يخضعون لدورات تدريبية لحقن البوتوكس لتجاعيد الجبهة وحول العينين، والمواد المالئة التي تُعرف بـ’الفيلر’ تستخدم لإضافة الحجم والامتلاء في الخدين والشفتين أو لإزالة الخطوط مثل خَطَي الابتسامة".

وقتها، لم تكن المواد والتقنيات متوفرة كمّاً ونوعاً كما هو الحال الآن، وكان شائعاً حقن مواد مالئة دائمة تركيبتها العلمية "بولي إكريلاميد" تدخل في صناعة الورق والصِباغ والبلاستيك، وقد أدت المضاعفات التالية لها إلى منع استخدامها عالمياً منذ سنوات بعيدة.

يؤكد طبيب التجميل والجراحة الترميمية عصام العجية "أن الفيلر الدائم ما يزال مستخدماً في بعض العيادات السورية، فهو مادة رخيصة الثمن كان يبلغ سعر السنتمتر الواحد منها دولاريْن، والسبب الذي يجعله يؤدي إلى اختلاطات قد تكون كارثية هو أن المادة الغريبة عن الجسم تتليّف في حال استقرت بداخله أكثر من سنتين، وعندما يكون الحقن في الوجه قد تظهر الخراجات التي تتكون بسبب انتقال الإنتان إلى الفيلر الدائم في حال كانت المريضة تعاني من التهاب في الجيوب الأنفية أو خراجات سنية، كما أن انتزاع المادة المحقونة ليس سهلاً، وغالباً لا يكون الاستئصال كاملاً، لأن الحَقن في الغالب يكون على عدة مستويات يصعب الوصول إليها كلها".

لا حسيب ولا رقيب

أثناء العمل على التحقيق، جرى التواصل مع نور وهي فتاة في السابعة والعشرين من العمر، حقنت شفتيها عند طبيب جراحة عامة غير متخصص بالتجميل بسنتمتر واحد من الفيلر الدائم منذ ثلاث سنوات، ما تسبب لها بتورم في الشفة السفلى، جعلها تلجأ إلى طبيب آخر، تمكن، من حسن حظها، من انتزاع المادة المحقونة.

تعج صفحات فيسبوك بمنشورات لفتيات يحكين عن تجارب تجميلية انتهت بنتائج عكسية. إحداهن كتبت: "عملت أنفي عند الدكتور ... والله يكسر إيديه نزعلي أنفي"، وأخرى تحذّر من الذهاب إلى طبيب محدد أجرى لها عملية نحت للجسم وزرع بروتيز في الثديين، بلغت كلفتها 4000$، ولم تحصل على حد تعبيرها إلا على "الوجع والتشويه"، فضلاً عن التهاب البروتيز.

زاد غياب رقابة نقابة الأطباء ووزارة الصحة على أداء الأطباء وما يستخدمونه من مواد غير مرخصة أو مصرح العمل بها، من نسبة الأخطاء الطبية المرتكبة، وعزز من قناعة المريضات بأن الشكوى لا طائل منها في ظل غياب حُكم عادل من شأنه أن ينصفهنّ في حال تعرضن للضرر.

وفي استطلاع للرأي، رُصِدَت خمس حالات، أربع منها لعمليات أنف لم تكن ناجحة واضُطرت المريضات لأن يتكفلن بعملية تصحيح ثانية دون أن يتلقين أي تعويض من الطبيب المتسبب بالضرر، وأخرى لإزالة ندبات حب الشباب بجهاز البلازمابن في واحد من مراكز التجميل غير المختصة، انتهت بحروق بليغة في الوجه وتفاقم المشكلة الأساسية. وقد أكدت الفتيات جميعهنّ أنهنّ لم يتقدمن بشكوى ضد الطبيب من منطلق أنهن الطرف الأضعف في قضايا كهذه، وأنها "مرمطة على الفاضي".

من الناحية القانونية، توضح المحامية فرات أبو عقدة أن لنقابة الأطباء السورية قانونها الخاص بالعقوبات المسلكية وغيره، وتؤدي إلى إيقاف الطبيب عن العمل أو منعه من مزاولة المهنة في حال كان الخطأ الطبي المتسبب بالوفاة ليس من الأخطاء الوارد حدوثها نسبياً، إلا أن هذه العقوبات لا تتضمن السجن أو التعويض عن العطل والضرر أو العجز النسبي الذي تسبب به الطبيب، وإنما هي من بنود قانون العقوبات العام الجزائي وتحكم به المحكمة مستندة إلى تقارير خبرة طبية مقدمة من خبير أو ثلاثة أو خمسة.

وكشف الدكتور وائل البرازي عن تعدي أطباء من اختصاصات غير تجميلية على المهنة. "في حالات كهذه، دائماً أعود إلى نقطة الصفر التي تتمثل بلوم المريضات، فأنا أسأل مريضة تضررت من اختيارها طبيب أذنية لإجراء عملية شد بطن، ألم تقرأي اللافتة؟ هل يجوز أن يقوم طبيب أذنية بعملية كهذه؟ والأخطر من ذلك أن هذا الطبيب الذي أُحدّثك عنه أجرى في عيادته شفط شحوم لإحدى المريضات وحقن كمية منها في الصدر بقُنَية الشفط ذاتها، فدخلت في القلب وتوفيت المريضة إثر ذلك".

التعدي على تخصص التجميل لا يقف عند أطباء غير مختصين، بل يتعداه إلى مزيّنات الشعر ومُجازين بالختان يُجرون الحقن وعمليات تجميلية ترميمية، وهنا يقول الدكتور برازي: "أجريتُ منذ مدة عملية لطفل لديه التحام إصبعين خلقي، وقد لفتني وجود ندبة بينهما، فعرفتُ من الأبوين أنه أثناء ختانه عند مُطهر الأولاد الصفوري خضع لإجراء ثان ‘على البيعة’، تمثل بشق طولي لتفريق الإصبعين الملتحمين مما تسبب بأذية الأوعية والأعصاب وتشكُّل ندبة كبيرة وعميقة، فقلل ذلك من فرصة أن يحظى بنتيجة جمالية".

المسألة هنا إذن لا تقتصر على تخريب نواحي جمالية فقط، بل قد تصل إلى نقطة لا يمكن معها إصلاح الخطأ الطبي، وانقضاء المشكلة بتعويض مادي، فثمة أرواح بشرية على المحك.

وعلى الرغم مما أصاب هذا المجال من عدم انضباط وفوضى مهنية، إلا أن أسماءً كثيرة من أطباء التجميل السوريين حققوا سمعة لامعة محلياً وعربياً، سببت انزعاجاً، على سبيل المثال لا الحصر، والكلام هنا للدكتور البرازي، في الوسط الجراحي التجميلي في لبنان. "لا أخفيكِ أن إحدى وسائل الإعلام اللبنانية تواصلت معي منذ مدة وقالت لي ‘ما ضل عند الجراحين اللبنانيين مرضى’، واستفسرت عما يمكن فعله للحد من ظاهرة مجيء اللبنانيات إلى سوريا بهدف السياحة التجميلية، فالتكلفة بالنسبة إليهنّ رخيصة والنتائج ممتازة".

عندما كانت تضع نظارة طبية، كانوا يلقبونها بـ"أم أربع عيون"، وعندما استبدلتها بواحدة "على الموضة" صاروا ينادونها "هاري بوتر"، والشاب الذي ارتبطت به كان يقول لها "كل شي زابط فيكِ إلا أنفك"... هكذا دخلت ريهام في عالم عمليات التجميل

المواد وفيرة والمنافسة شديدة

إن تزامن ازدياد الطلب على عيادات ومراكز التجميل في السنوات العشر الأخيرة مع تطور تقنيات التجميل التي قلصت من نسبة الاعتماد على العمل الجراحي، أدخل المريضات في دوامة بحث محمومة على المواد والإجراءات الأقل ضرراً، إلا أن كثرة المصادر المُزَوِدة بالمواد، كما يؤكد الطبيب هيثم الحسيني، "فتحت سوقاً تجارية تعتمد على التهريب"، تتجنب الدخول في أقنية وزارة الصحة للحصول على التراخيص اللازمة، ما ساهم بتوفر مواد مُقلَّدة غير أصلية قد تكون صينية أو مجهولة المنشأ تدخل بطرق مهربة.

وللعلم، فإن حيازة سجل تجاري يسمح لحامله بالإتجار فقط، ومن أجل تسجيل مواد وأجهزة الطب التجميلي التي تندرج ضمن بنود المستلزمات الطبية والمنتجات الصيدلانية الصحية غير الدوائية، لا بد من استصدار ترخيص مستودع طبي له مواصفات محددة.

وتحدث الصيدلي باسل السمكري، مدير شركة ركن الجمال، بإسهاب عن المسألة قائلاً: "الأمر يتطلب مديراً فنياً بشهادة صيدلي، إضافة إلى أن موقع المستودع ينبغي أن يكون تجارياً، وألا تقل مساحته عن ستين متراً، وأن يتوفر مولد كهربائي من أجل المحافظة على درجة حرارة التخزين عند انقطاع الكهرباء، وجهاز ساحب للرطوبة، وآخر طارد للجرذان، وغير ذلك". وعن التكلفة المالية لذلك، فقد وصلت لديه إلى ستة ملايين ليرة سورية (حوالي تسعة آلاف دولار) توزعت بين الرسوم الأولية والنهائية المدفوعة في وزارتي الصحة والمالية، ونفقات تجهيز وأجرة المستودع وإجازة الاستيراد.

بعد ذلك، تبدأ مرحلة تسجيل الأصناف، وهي تحتاج إلى العديد من الوثائق المصدقة من البلد المُصَنِّع، منها شهادة نسب المواد الداخلة في التركيب، وأخرى للجودة والتحليل والبيع الحر. تستغرق هذه الإجراءات عدة أشهر، وهو ما يُعتبر خسارة مالية للتاجر الذي يفضل عدم الخوض فيها، خاصة أن رسوم التسجيل تبعاً للقرار 7/ت تبلغ 3560 دولاراً، تكون سارية حتى انتهاء شهادة البيع الحر، و3000 دولار للمنتج الأساسي، حسب القرار 10/ت، و1500 لكل تركيز إضافي له، تُدفع لخمس سنوات. وتُحمّل كل هذه التكاليف على أسعار المبيعات، وتصبح بذلك غير مناسبة لشريحة كبيرة من السوريات الراغبات في الاهتمام بجمالهن.

يدرك باسل السمكري العازم على اعتماد أسلوب تسويقي علمي مبتكر، لكونه مقبلاً على البدء بالترويج لمنتجات إحدى الشركات الإيطالية التي أصبح وكيلاً لها في سوريا، أن عليه أن يراعي القدرة المادية في المجتمع السوري، وأنه سيواجه منافسة شديدة مع وجود أنواع كثيرة غير مرخصة، وأنه قد يحصل أحياناً أن يرغب الطبيب بمنتج تجميلي معيّن لديه لكن المريضات قد لا يتمكنّ من تحمل التكلفة.

وفي سؤال وُجه لعشر فتيات بين العشرين والخامسة والثلاثين من العمر عن نوع البوتوكس الأنسب لإمكانياتهن المادية، أجابت سبع منهن أن البوتوكس الصيني هو الأنسب، فسعر عبوة المئة وحدة يتراوح بين 50 إلى 100 دولار. وعلى الرغم من أنه من المواد غير المرخصة التي قد تكون شروط الحفظ فيها غير مضمونة، فهو يحتاج إلى درجة حرارة بين -5 إلى -15، إلا أن كثيرين من الأطباء يضطرون إلى التماشي مع رغبة المريضة وقدرتها على الدفع.

الترويج من كل حدب وصوب

رافق ظهور المجموعات النسائية الخاصة على فيسبوك صعود وتيرة الطلب على طب التجميل، وقد جُعِلَت منبراً يحيط بكل زواياه، تقدّم فيه العضوات نصائح من صُلب تجربتهن الشخصية، ويتحدثن عما يتعرضن له من مضاعفات ناجمة عن عمليات تجميل الأنف، أو حقن الفيلر في الوجه، أو تكبير الصدر بحشوات البروتيز، وعن مدى كفاءة بعض الأطباء الذين باتت أسماؤهم معروفة في دنيا الجمال وأي منهم أقل أخطاءً.

تقول روبي البني، المسؤولة عن مجموعة سيليكونات التي أُطلِقَت منذ ما يزيد عن السنتين، وتضم إلى الآن 72 ألف مُشتَرِكة: "خطرت لي فكرة إنشاء المجموعة عندما كنتُ أسمع تعليقات من الفتيات مثل ‘وين عاملة بوتوكس لشفافك؟’، ‘ليش هيك وشك رح يطق من البوتوكس؟'، وكان يستفزني جداً أنهن لا يميّزن بين الإجراءات التجميلية، ووددتُ أن تقتصر المجموعة في بادئ الأمر على نشر معلومات طبية تجميلية، وتلقي استشارات من بعض الأطباء حول ما تشارك به الفتيات من استفسارات، ومع الأيام تطورت الفكرة، وبدأتُ أبحث عن أطباء مختصين، منهم مَن لم يكن يحظى بشهرة كبيرة، بسبب استحواذ أسماء معينة على الصيت الأكبر، وكنت أحرص على أن أعاين مهارة الطبيب على نفسي أولاً قبل أن ينضم إلى المجموعة".

لكن كثرة أسماء الأطباء المتداولة بين المشتركات واختلاف آرائهن بناء على تقييم ذاتي لنتائج ما خضعن له أو تجارب قريبات لهن، يسبب في بعض الأحيان لمّن تود أن تباشر بخطواتها التجميلية الأولى إرباكاً في اتخاذ القرار النهائي بالاعتماد على هذا الطبيب أو ذاك.

لانا عمرها عشرون سنة، ومن المشتركات في سيليكونات، أجرت عملية لأنفها الكبير الذي تصفه بأنه يشبه أنف شخصية أمل عرفة في مسلسل "عشتار"، عند طبيب غير معروف في المجموعة، وتعتبر أن أغلب الأطباء الذين ترد أسماؤهم بكثرة هم "موضة".

داخل هذه المجموعات، تجد مراكز التجميل التي تغزو لافتاتها شوارع مدينة دمشق، وباتت تشكل منافساً حقيقياً لأطباء التجميل، فرصة للترويج للخدمات التي تقدمها، فهي لم تعد تكتفي بجلسات الليزر لإزالة الشعر والعناية بالبشرة وتنظيفها، بل أصبحت تنافس في الحقن واستخدام أجهزة معالجة الندوب وتحفيز الكولاجين وشد الوجه غير الجراحي بأيدي ليست مختصة.

وبرأي طبيبة الجلدية إيليانا سلوم، "كثيرات من الفتيات تُغريهن صور ‘قبل وبعد’، وينبغي أن يعرفن أن مراكز التجميل هذه هي من أجل البزنس فقط، والطبيب مهما تكن ميوله مادية، فهو في الدرجة الأولى يحمل شرف ممارسة المهنة، ومؤتمن على صحة الإنسان، إلى جانب المعرفة العلمية بالتشريح وطبقات الجلد وأصول الحقن".

ومن أجل تفادي الوقوع في مطب الأخطاء التجميلية، تبنت بعض المراكز آلية تسويق أكثر احترافية بالتعاقد مع أطباء تجميل، إضافة إلى أن فكرة العروض المجانية أو المخفضة تمثل ركناً أساسياً في إدارة صفحات مراكز التجميل وصفحات السوشال ميديا لزيادة جمهورها الافتراضي واستقطاب أكبر قدر ممكن من الراغبات في التجميل، خاصة اللواتي لا تسمح قدرتهن المادية لهنّ بتحمل النفقات كاملة.

أجرت يارا عملية شد وتكبير الصدر بعد مضي ثلاث سنوات على زواجها. كانت الحل الوحيد أمامها كي يقول لها زوجها: "أوه، مرتي صايرة ما أحلاها". صدرها البارز الممتلئ لم يحث زوجها على الاهتمام بها، لكن النتيجة المُرضية التي وصلت إليها، جعلتها ترغب بالمزيد

بين السوشال ميديا وكلام الناس

لم تعد المؤخرة المسطحة مرغوبة، ولا الأنف غير الانسيابي، ولا الصدر المترهل غير البارز، ولا الشفتان الرقيقتان الصغيرتان، ولا تجاعيد الوجه، وأصبحت العين المجردة تألف كثرة المنحنيات والبروزات في جسد المرأة، والعينين المسحوبتين الواسعتين، والجبين المشدود، و"فَك تكساس" أو "رقبة نفرتيتي".

ومهما اختلفت الأسباب التي تدفع النساء إلى تبني هذه الصورة، سواء كانت ناجمة عن حادث ما أو لدوافع تجميلية بحتة، تظل الرغبة بامتلاك كل مقومات الجمال هي الغاية الرئيسية لذلك.

تقول هبة، وهي في الخامسة والثلاثين من العمر، وخضعتْ لعملية تجميل للأنف منذ خمس سنوات، وترغب الآن بزرع حشوتي بروتيز في الصدر: "أصبحنا أسيرات صور الفنانات على السوشال ميديا، ‘عم يخربولنا راسنا’، وأعتبر أن الأمر سوسة، وأستغرب من صديقاتي اللواتي لا يرغبن بتحسين مظهرهن الخارجي".

أما ريهام البالغة من العمر 21 عاماً، فهي تريد أن تصل إلى النقطة التي لا تعود تسمع فيها تعليقات سلبية من المحيطين فيها عن شكلها، لأن الأمر تسبب لها بأزمة نفسية كبيرة، ما تزال تعاني من ارتداداتها حتى الآن. ففي السابق عندما كانت تضع نظارة طبية سميكة، كان أفراد من عائلتها يلقبونها بـ"أم أربع عيون"، وعندما استبدلتها بواحدة أخرى "على الموضة"، صاروا ينادونها بـ"هاري بوتر"، والشاب الذي ارتبطت معه بعلاقة عاطفية كان دائماً ما يقول لها "كل شي زابط فيكِ إلا أنفك".

هذه التعليقات أفقدت ريهام ثقتها بنفسها، وقبل أن تبدأ رحلة التغييرات الجذرية، أخذت تُمضي أمام المرآة ما يزيد عن الساعة وهي تضع المكياج، وكانت تجمّل وجهها مؤقتاً إلى أن تصبح راضية عن كل ما فيه. "لما خلّص مكياج بنقلب 360 درجة، وبحس برضا عن حالي، بس مو رضا كامل، لأن بعرف بس أرجع على البيت رح أمسح كل شي وكأن شيئاً لم يكن".

قبل البدء بإعداد هذا التحقيق بيومين، كانت ريهام تمضي فترة النقاهة في المنزل بعد الانتهاء من عملية تجميل الأنف. من أجل أن تمحو من ذاكرتها تلك اللحظات التي كانت تقف فيها أمام المرآة باكية محملقة بالهالات السوداء تحت عينيها وأنفها الكبير ومسامات وجهها الواسعة، كان لا بد لها من أن تخضع لحل نهائي، يجعلها تتوقف عن نبذ ذاتها، ويُبدد شعورها الداخلي بالقهر.

شغلة بتجر شغلة

الآن أصبحت ريهام في حالة نفسية أفضل، وبعد أن تقلص الورم الناجم عن العملية، تبيّن لها أن المسافة بين شفتها العليا وأنفها اتسعت، وهي بصدد البحث عن الطبيب المناسب الذي سيقرر إما رفع الشفة جراحياً أو حقن الفيلر، وترى أنه من الضروري أن تحظى أسنانها بابتسامة هوليوود الثلجية، وأن تجري عملية ليزك لعينيها وتتخلص من النظارة، وبعد أن تنتهي من ذلك، تريد أن تتفرغ للاهتمام ببشرتها. "أعتقد أنني أريد أن أغيّر كل شيء دفعة واحدة وأرتاح".

تؤكد يارا، وهي زوجة وأم في السابعة والعشرين من العمر، أن التجميل "بيجرّ بعضو". وعلى الرغم من أن أسبابها تختلف عن أسباب ريهام، إلا أن المباشرة بعملية شد وتكبير الصدر بعد مضي ثلاث سنوات على زواجها، كانت الحل الوحيد أمامها كي يقول لها زوجها: "أوه، مرتي صايرة ما أحلاها".

من سوء حظ يارا أن صدرها البارز الممتلئ الآن لم يغيّر من طبيعة الحال، ولم يحث زوجها على الاهتمام بها، لكن النتيجة المُرضية التي وصلت إليها، جعلتها ترغب بالمزيد. "أنا بعترف إنو صار عندي هوس بالتجميل والجمال. ولما حدا بيحكي عن الموضوع قدامي بركز كل انتباهي، وبصير أستفسر عن كل شي حابة أعملو، وما عندي مشكلة جرّب".

خلال فترة العمل على التحقيق، زارت يارا طبيب أذن وأنف وحنجرة، واتفقتْ معه على موعد لإجراء عملية لأنفها. وبعد المتابعة معها، تؤكد أن "شكلو صار بجنن". كما أنها أخذت برأي طبيب آخر لشد البطن ونحت الخاصرتين وتكبير المؤخرة، ونصحها بأن تنتهي من إنجاب الأولاد أولاً، ثم يمكنها أن تعود لتحديد الإجراءات المناسبة. وحالما تنتهي من كل ذلك ستقول: "ستوب، خلص، أنا هلق وصلت للشكل اللي بحبو".

تكررت في الآونة الأخيرة حملات تدعو النساء إلى تقبل أجسادهن كما هي تحدياً للقوالب المجتمعية، لكن لا يبدو أنها تحقق نتائجها المرجوة، فصور الأنوثة الصارخة على إنستغرام وفيسبوك باتت تثقل كاهل كثيرات يؤكدن أن تعديل أجسادهن مبعث حقيقي للراحة والثقة بالنفس.

وبما أن الجمال المَنوط بمعايير محددة أصبح من مستلزمات العصر، فهو يزيد من فرص الزواج أحياناً، والعمل في الميادين التي تتطلب مظهراً جميلاً، إلا أنه لم يعد حِكراً على الإناث وحدهن، فالكرش لم يعد من ميزات "الوجاهة"، وباتت العضلات المنفوخة والأنف غير المفلطح من مواصفات الرجل ذي الحظوة الأكبر لدى النساء المفتونات بالوسماء.

ولم تعد الجودة الداخلية للإنسان، كما درجت على الإعلاء من شأنها الأمثال القديمة، مثل "مَن أراد أن يبحث عن اللؤلؤ فليغص في الأعماق"، معياراً كافياً في مجتمع تتقولب شرائح متنوعة من أفراده بطواعية مُفرِطة أحياناً مع تبدلاته. وربما أصبح المزاج العام بنسبته الأكبر يميل نحو صورة شكل مثالية لا عيب فيها.

توضح الطبيبة إيليانا سلوم أنه "من غير المقبول أن نكون نُسخاً مكررة عن بعضنا البعض. ومن الملاحظ أن عدم الرضا عن الذات لا يتوقف عند حد معين. فطبيب التجميل دوره أن يعالج المشاكل المُلحة، لكن عندما تصل الأمور إلى حد ‘التفتيقات’ والمبالغة، من المؤكد أنها ستنقلب قُبحاً".

*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي". اضغط هنا للمزيد من المعلومات حول البرنامج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard