"نسكن هنا قبل الدولة"... جذور علاقة "الحويطات" بمعقلها التاريخي المهدّد بالاختفاء لصالح "نيوم"

الأربعاء 6 مايو 202003:16 م

"نحن نسكن في هذه المناطق قبل الدولة السعودية بمئات السنين. ننتسب إلى قبيلة الأشراف. والجميع يُدرك جيداً تاريخ الأشراف في الجزيرة العربية. وقبيلة الحويطات لها تاريخ بارز في هذه المناطق قبل الدولة السعودية، فعندما وصل الشريف فيصل بن الحسين مثلاً إلى مدينة الوجه الساحلية، قابل الشيخ أحمد بن محمد أبو طقيقة أمير ضباء والشيخ عودة أبو تايه من الأردن واتفقوا على طرد العثمانيين وتصفية نفوذهم".

بهذه الشهادة يصف أحمد الحويطات، وهو من المهتمين بتاريخ قبيلته وأحد سكان قرية الخريبة الأكثر تضرراً من عملية التهجير ضمن إطار مشروع "نيوم"، مكانة قبيلته في المنطقة وأهمية الأخيرة بالنسبة إلى سكانها.

يقول أحمد لرصيف22 إن رفض الكثير من أبناء الحويطات الترحيل من منطقتهم يعود إلى أن أجدادهم عاشوا فيها، وهم يدركون أن "نيوم" مشروع سياحي ضخم لكنه ليس لأبناء البلد، فعلى العكس سيعمل على استقطاب الأجانب وخاصة الإسرائيليين الذي سيكونون جزءاً من المشروع، مشدداً على أن أبناء الحويطات لا يحبون أن تكون ديارهم مرتعاً لهؤلاء.

ويرجع وجود قبيلة الحويطات في المنطقة التي تقرّر استبدال معالمها بمشروع "نيوم" إلى 1000 عام، كما يشير  محمد أبو طقيقة الحويطي، أحد وجهاء المنطقة.

يوضح أبو طقيقة بدوره لرصيف22 أن وجود قبائل الحويطات يرجع إلى ما قبل الحكم السعودي بمئات السنين، بل إلى ما قبل الحكم العثماني، إذ كان شيخ القبيلة قد سمح لقوات الشريف حسين بالمرور بسلام من المناطق الخاصة بها.

وعاد أبو طقيقة إلى تاريخ علاقة عائلته مع السلطات، شارحاً أنه في زمن الملك مؤسس السعودية عبد العزيز آل سعود، كان الشيخ أحمد بن محمد بن رفيع أبو طقيقة أول حاكم معيّن من قبل بن سعود على مدينة ضباء. بعد ذلك حصلت خيانات وغُدر بالشيخ أحمد، فنُقل إلى قلعة أجياد مع 11 من شيوخ القبيلة ووجهائها، وبقوا هنالك عدة سنوات، ولم ينجُ منهم سوى واحد هو الشيخ محمد بن إبراهيم أبو طقيقة.

وأضاف أن محمد بن إبراهيم، بعد خروجه من السجن، وجد المشيخة بيد الشيخ محمود بن أحمد بن رفيع أبو طقيقة ثم انتقلت إليه، ومنه إلى ابنه الشيخ عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبو طقيقة، فإلى ابنه الشيخ عون بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبو طقيقة.

"وجود قبائل الحويطات يرجع إلى ما قبل الحكم السعودي بمئات السنين، بل إلى ما قبل الحكم العثماني، إذ كان شيخ القبيلة قد سمح لقوات الشريف حسين بالمرور بسلام في المناطق الخاصة بها"

من هذا التاريخ، ينتقل أبو طقيقة للحديث عن سعي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى استحداث مشاريع في المنطقة والعمل على تطويرها، بينما يرى سكان تلك المناطق في "نيوم" تغييراً كاملاً لمعالم منطقتهم وتاريخها، لا بل يرون فيه استبدالاً لسكانها الأصليين وإحلالاً لآخرين محلهم، وهذا ما يعدّونه تغييراً ديموغرافياً، معتبرين أن عملية التطوير والتحديث يجب أن تشمل سكان المنطقة وتعمل على استيعابهم وليس تهجيرهم منها.

ولفت إلى أن الحويطات يشكلون غالبية سكان منطقة "نيوم" التي تضم قيال، والعصيلة، وشرما، والخريبة، بالإضافة إلى مناطق البدع، ومقنا والمويلح، وكلها تابعة لقبيلة الحويطات.

مشروع نيوم والتغيير الديموغرافي 

حلّ مشروع "نيوم" في المعقل الأساسي لقبيلة الحويطات. وكان أبناء القبيلة قد أبدوا لأمير تبوك استعداداً لترك المناطق الإستراتيجية التي تحتاجها الدولة لمشاريعها مقابل تعويض مادي أولاً، والبقاء ضمن نطاق المنطقة ثانياً، وليس الترحيل والتهجير والاستبعاد تماماً. لاحقاً، فوجئ أهالي المنطقة بأن قيمة التعويض غير معلومة ووجهة التهجير مجهولة، إذ طُلب منهم الخروج من مناطق الحويطات كلها.

يمثل مشروع "نيوم"، حسب الأهالي، تغييراً ديموغرافياً في المنطقة التي تساوي مساحة فلسطين كاملة. يمتد المشروع على مساحة 26.5 ألف كم مربع، شمال غربي السعودية في إمارة تبوك، ويضم أراضيَ من مصر في شرم الشيخ والغردقة وخليج العقبة في الأردن.

وكانت التحضيرات الفعلية للمشروع قد بدأت قبل ثلاثة أشهر، تمهيداً لعملية تهجير المواطنين القاطنين في منطقة "نيوم"، إذ تتمثل المرحلة الأولى في مناطق قيال والعصيلة وشرما والخريبة، وتشمل المرحلة الثانية البدع ومقنا والمويلح.

تشكل المنطقة معقلاً أساسياً للكثير من القبائل السعودية، على رأسها قبيلة الحويطات، ويبلغ طولها 100 كيلومتر على امتداد ساحل البحر الأحمر وعرضها 150 كيلومتر باتجاه مدينة تبوك، وتسكنها قبائل مختلفة، إحداها الحويطات التي يُقدَّر عدد أفرادها بحوالي 30 ألفاً، يشكلون جزءاً أساسياً من القبيلة الواسعة التي تمتد في عدد من البلدان العربية كالأردن وفلسطين والبحرين ومصر.

وتسعى الحكومة السعودية إلى نقل أبناء المنطقة لبناء مشروع "نيوم" الجديد، وهو ما يخشاه السكان، مُعتبرين التهجير بمنزلة تقطيع أوصال المجتمع كله. وبدت بشائر لعنة "نيوم" واضحة على سكان تلك المناطق وما حولها حين باشرت السلطات السعودية رسمياً إبلاغ المواطنين بإخلاء أرضهم في ظل رفض غالبيتهم ذلك لأنهم لا يعرفون سواها وطناً. ومع ذلك أعطوا مهلة أسبوعين لإتمام الإخلاء.

"المشروع ليس لنا"

عدا التغيير الديموغرافي وقطع أواصر الرحم والديار بين أبناء القبيلة الواحدة، يرى هؤلاء عدم وجود مصلحة اقتصادية واجتماعية لأبناء القبيلة، فمشروع "نيوم" لن يفيدهم بعد تهجيرهم على مستوى الوظائف والعمل، كما أنه لن يضم مصانع أو مشاريع يعملون فيها، بل سيكون مكاناً ترفيهياً للأجانب والسياح القادمين من خارج البلاد ليسكنوا فيها.

في هذا الإطار، تساءل محمد أبو طقيقة: "ما العيب في أهالي المنطقة؟ لماذا لا يتم احتواؤهم وتطوير أماكنهم ليكونوا جزءاً من المشروع بدلاً من تشتيتهم وتهجيرهم إلى أماكن أخرى؟"، مؤكداً أن أبناء المنطقة لا يمانعون من إنشاء مدينة متطورة ذات طراز عالمي تحتوي على خدمات وبنية تحتية جيدة ما دامت تعمل على احتوائهم لا تهجيرهم كما تفعل الدولة حالياً.

كان أبناء الحويطات قد أبدوا استعداداً لترك المناطق التي تحتاجها الدولة لمشاريعها مقابل تعويض مادي والبقاء ضمن نطاق المنطقة... فوجئوا لاحقاً بأن قيمة التعويض غير معلومة ووجهة التهجير مجهولة

في سياق متصل، أوضحت الناشطة والحقوقية السعودية علياء الحويطي أن تاريخ المنطقة التي سيعمل ولي العهد السعودي على انتزاع ملكيتها من الأهالي يعود إلى 1000 عام وتتحدر غالبيتهم من قبائل الحويطات، وهذا يُعدّ انتهاكاً صارخاً وتعدياً على أملاك الآخرين من دون وجه حق.

وأشارت في حديثها لرصيف22 إلى أن هذه القبيلة من أكبر القبائل العربية الممتدة في شمال الجزيرة العربية وجنوب سيناء، وتشتهر في العالم العربي كله لانتشارها في أربع دول عربية هي مصر والسعودية والأردن وفلسطين.

وأضافت: "برغم هذا الانتشار، فإن عشائر هذه القبيلة المتشعبة تعرف أصولها وتاريخها وتحفظ تراثها وتهتم بتوريثه لأبنائها"، مشددةً على أن "نيوم" يعمل على تفتيت أواصر القبيلة المنتشرة في تلك الدول والتي بقيت برغم الحدود الفاصلة متجانسة ومتماسكة.

ورأت الحويطي أن قبيلة الحويطات كانت عرضة للتهميش الكبير بعد الحكم السعودي، إذ تم إبعاد مشيختهم ووجهائهم عن المشهد السياسي بخلاف القبائل النجدية والجنوبية التي كان لها دور بارز في الحالة السياسية والاجتماعية السعودية، علماً أن قبيلة الحويطات لعبت في الأردن ومصر وفلسطين دوراً سياسياً كبيراً، كما كانت لها أدوار بارزة في ترسيخ دعائم الحكم في الأردن، إضافة إلى بروز ساسة منها مثل الشيخ عودة أبو تايه الذي أدى وسلالته دوراً أساسياً في تثبيت نظام الحكم السياسي "الهاشمي" في الأردن.

هذه الروابط بين فروع القبيلة تحدث عنها أحمد الحويطي الذي أشار إلى العلاقة الوثيقة بين أبناء القبيلة الواحدة في السعودية وبين أبنائها في الدول الأخرى، لافتاً إلى أن بينهم نسباً، وأن بعض أفراد القبيلة يتوزعون بين السعودية ومصر التي هاجروا إليها قبل أكثر من مئة عام حين كانت الجزيرة العربية فقيرة.

وأضاف أن الأغلبية لم تهاجر في حين أن بعض الذين ذهبوا إلى مصر عادوا وأخذوا الجنسية السعودية، أما الحويطات في الأردن فظلوا في مناطقهم، على اعتبار أن القبيلة تمتد من محافظة الوجه في السعودية إلى معان في الأردن.

ليست الحويطات وحدها المتضررة من مشروع "نيوم"، إذ تعتبر قبيلة بني عطية ثانية أكثر القبائل تأثراً بعد الحويطات من الناحية الاجتماعية، فهي قبيلة كبيرة في تعدادها وتبعد عن "نيوم" حوالي 100 كيلومتر، ومنطقتها قد تكون مستقبلاً ضمن حدود المشروع، بالإضافة إلى قبيلة البلوي التي تُعدّ إحدى القبائل المتأثرة سلباً كونها تسكن على أطراف "نيوم"، وقبائل المساعيد وبني عقبة والوكيل، وهؤلاء من أشراف المدينة، استوطنوا فيها منذ أيام الدولة العثمانية، وهم قليلو العدد، لكن فيهم مثقفين وأصحاب مناصب في الدولة.

وفي عداد المتضررين المحتملين، عائلات ذات أصول حضرية، وهي كثيرة وتقطن في محافظة ضباء القريبة من حدود "نيوم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard