بمناصب في الواجهة وأخرى في الكواليس... الأسر السياسية المتحكمة بالمشهد العراقي

الاثنين 11 يناير 202101:00 م
Read in English:

The Families Controlling Iraq’s Politics Openly and Behind the Scenes

واحدة من الصفات التي يمكن استخدامها للحديث عن الأسر الحاكمة في المشهد العراقي هي التغوّل في التعامل مع الحكم والإدارة وفي تفصيل المناصب على مقاس الأشخاص كما على مقاس الأحزاب والكتل السياسية التي تنتمي إليها.

ثمة "منازل" سياسية باتت تُقاد من قبل أشخاص بعينهم، احتكروا سياسة الأحزاب التي تحت أجنحتهم وأصبحوا يتحكمون في السياسة العراقية، وتحديداً في الحكومة والبرلمان.

ينقسم المشهد العراقي، وبحكم التوزيع الاجتماعي، إلى ديني وسياسي، وتأتي في مقدمته، أسرة نوري المالكي (رئيس الحكومة الأسبق) الذي يرأس "ائتلاف دولة القانون"، حيث نجد صهري المالكي، ياسر وحسين اللذين يعدان جزءاً من الائتلاف، في مجلس النواب.

نوري المالكي

ويحضر كذلك نجل المالكي، أحمد الذي لم يتسلم منصباً سياسياً، لكن تقارير عدة أشارت إلى أنه كان مسؤولاً عن صفقات سياسية واستثمارية ضخمة.

بعد ذلك، تأتي عائلة الحكيم بزعامة عمار الحكيم الذي يتزعم "تيار الحكمة" بنحو 19 مقعداً في البرلمان. ورث عمّار زعامة البيت الشيعي عن والده عبد العزيز الحكيم الذين كان من مؤسسي مجلس الحكم الانتقالي، وعن عمه محمد باقر الحكيم الذي أسس تياراً سياسياً في ما مضى عُرف بـ"المجلس الأعلى الإسلامي في العراق".

عمار الحكيم

من الممكن إضافة أسرة العلّاق التي استأثرت بمناصب إدارة البنك المركزي وأمانة مجلس الوزراء، وأسرة بحر العلوم التي يتولى أفرادها مناصب سفراء ووزارات مختلفة، بينما لم يكن الاحتكار مقتصراً على المكون الشيعي، بل ظهر لدى السنة سياسيون رسموا لأنفسهم طريقاً في السياسة العراقية.

في هذا الإطار، يحضر نفوذ أسرة الكربولي المتحدرة من محافظة الأنبار، ومن بينها رجل الأعمال والسياسي جمال الكربولي وشقيقه عضو مجلس النواب محمد الكربولي.

توازيهم نفوذاً أسرة النجيفي، فهناك أسامة النجيفي الذي شغل منصب رئيس مجلس النواب منذ عام 2010 وحتى 2014، بينما يترأس الآن تحالف "متحدون" البرلماني، وكذلك شقيقه أثيل النجيفي الذي كان يشغل منصب محافظ نينوى قبل سقوطها بيد تنظيم داعش.

أسامة النجيفي

وفي إقليم كردستان، أسر سياسية تحتكر المشهد كذلك، حيث تختزل أسرتا البرزاني وطالباني العمل السياسي في الإقليم، فيتولى مسعود البرزاني رئاسة جهاز البيشمركة الأمني بعد أن كان رئيساً للإقليم.

وفور تنحي مسعود عن الرئاسة، تولى ابنه مسرور البرزاني رئاسة الحكومة بينما أصبح نيجيرفان البرزاني، ابن أخ مسعود، رئيساً للإقليم بحكم اتفاق سياسي بين الحزبين الرئيسيين، حيث الحزب الآخر هو "الاتحاد الوطني الديمقراطي" الذي يتولى رئاسته قوباد طالباني بشكل مشترك مع لاهور شيخ جنكي، وهو ذاته الذي يشغل منصب نائب رئيس حكومة الإقليم، كما أن للحزبين نواب في برلمان كردستان والبرلمان الاتحادي ووزراء في الحكومة الحالية ووزارات سابقة.

تأثير ونفوذ سياسي

يوضح عضو البرلمان العراقي رعد المكصوصي أن بعض الأسر السياسية في البلاد تؤثّر في عمل البرلمان والحكومة بشكل يفوق تأثير الأحزاب التي تنتمي إليها، واصفاً ذلك بـ"الظاهرة الواضحة للجميع". ويرى المكصوصي أن التوافقات السياسية والقرابة بين المسؤولين كانت سبباً في اتخاذ قرارات كثيرة، مستشهداً باقتسام موارد الإقليم بين الحزبين، ما ساهم في تدهور الوضع الاقتصادي لسكان كردستان.

بموازاة ذلك، يشير عضو البرلمان إلى عدم تقديم أثيل النجيفي للمحاكمة أو حتى اتهامه بالمسؤولية عن سقوط نينوى، لأن عائلته وكتلته تدخلت لحمايته مستخدمة نفوذها السياسي، كما يستحضر إخفاقات الوزراء والمسؤولين الذين فُرضوا على الحكومات العراقية ما بعد 2003 والذين ينتمون لتلك الأسر ولم يُساءَلوا عن كيفية إدارتهم مناصبهم.

المالكي، الحكيم، النجيفي، البرزاني... عائلات ظهرت لأسباب قومية، وأخرى دخلت معترك السياسة من بوابة الدين، وغيرها استغلت المناصب السياسية لتتغوّل وتنشر شبكة أبنائها وداعميها في الكثير من مفاصل الدولة في العراق

في المقابل، يُبرّر النائب الكردي السابق أريز عبد الله وجود العائلات السياسية بحكم "تاريخها الذي تمتلكه"، إذ يرى بأن "لها تفويضاً يؤهلها لدخول البرلمان والحكومة من خلال الثقل داخل أحزابها أولاً والشارع الذي ترتكز عليه ثانياً"، وهذه برأيه تُنتج عدداً من النواب يمثلونها داخل مجلس النواب.

ويُرجع عبد الله أسباب ظهور تلك العائلات إلى ارتباط بعضها بالقومية كأسرة البرزاني، بينما دخلت أخرى المعترك السياسي من بوابة الدين أو الإسلام السياسي كما هو الحال مع عائلة الحكيم. وهناك أخريات كعائلة المالكي أو النجيفي، والتي تسير على خط سياسي واضح حيث لم يسبق لها أن شاركت في منعطفات في التاريخ العراقي من قبيل مقاومة النظام أو المطالبة بالاستقلال، كما هو الحال مع أسر كردستان.

الخلافات والتصدعات

رغم محافظة بعض العائلات ظاهرياً على وحدتها وتماسكها وتأثيرها داخل أحزابها وخارجها، كالحكيم والمالكي وبارزاني وطالباني، ثمة خلافات بدأت تظهر على السطح.

كان الخلاف واضحاً في صفوف أسرة علاوي بعد قبول علي علاوي، ابن عم إياد علاوي زعيم "ائتلاف الوطنية" العلماني، منصب رئاسة الوزراء بدعم من قوى شيعية مقربة من إيران، كما حصل أمر شبيه ما بين الكربوليين جمال ومحمد، حيث يتزعم الأول حزباً ينافس آخر ينضوي فيه محمد ويقوده رئيس البرلمان محمد الحلبوسي.

لكن هذه العائلات تكاد تكون الأقل نشاطاً بين مثيلاتها سواء الكردية أو الشيعية، فالمالكي مثلاً يُحصّن وجوده بالاعتماد على نواب من قبيلته وأبناء عمومته، إذ يُشير الواقع إلى أنه لا يزال يتحكم بالعملية السياسية أو بجزء منها على الأقل، فالتدرج في المناصب بالنسبة لهم لا يبدأ فقط من الوزارة أو مجلس النواب بل من خلال تهيئة الشخصيات التي تتولى بادئ الأمر مناصب ليست من الصف الأول أو لا يسلط الاعلام عليها الأضواء، مثلاً منصب مدير عام ثم وكيل وزارة ثم وزير، ولا يفوت هؤلاء أن يرشحوا أنفسهم للانتخابات في حال لم يكونوا وزراء أو ما شابه حيث يصبح بإمكانهم ممارسة السطوة السياسية من نافذة البرلمان.

وكذلك الحال بالنسبة لأسرة البرزاني، حيث يُمكّنها نفوذها السياسي في الإقليم من التحكم بمرشحي الوزارات التي تكون من حصة الأكراد في أي حكومة اتحادية، كما تتولى أو تشارك في أي مفاوضات بين أربيل وبغداد إذا ما نشبت أزمة بينهما، وتمارس النهج ذاته في الوصول إلى المواقع الحساسة ،سواء على مستوى إقليم كردستان أو الحكومة في بغداد.

وحتى وقت قريب، تعنّت "الحزب الديمقراطي الكردستاني" في منحه الموافقة لحكومة مصطفى الكاظمي، مشترطاً قبول إعادة توزير فؤاد حسين في منصب وزير الخارجية بعدما كان يشغل منصب وزير المالية في حكومة عادل عبد المهدي.

دولة داخل دولة

تعليقاً على هذه الخلافات، يرى أستاذ العلوم السياسية أحمد العبادي أن المناصب التي جمعت بعض الأسر، كانت السبب في تفريق أخرى، مبدياً عدم استغرابه من تركيبة السياسة العراقية التي تسببت بصراعات بين الإخوة والأقارب من أجل السلطة، في إشارة الى حكم نظام صدام وما سبقه.

ويتابع العبادي بالقول إن وجود تلك الأسر يدلل على خطأ يستوجب إصلاحه، موضحاً أن الديمقراطية تعني معاملة العراقيين وفق أساس المواطنة لا الانتماءات.

ويعزو أستاذ العلوم السياسية الجوانب السلبية في الحكم والإدارة ونشوء المحسوبية والتحكم الخاطئ ببعض المؤسسات والإرباك فيها إلى سلطة تلك الأسر عليها، مشيراً الى تكوينها ما يوصف اصطلاحاً بالدولة العميقة التي تُعرف بسيطرة الاحزاب على هياكل الوزارات وأجهزة الأمن والهيئات.

ومثال على ذلك أيضاً أن البرزاني الذي يتولى منصب رئاسة جهاز البيشمركة الأمني في كردستان تُحكم عائلته قبضتها على الإقليم سياسياً، في حين أوصل المالكي أبناء "حزب الدعوة"، ممن يثق فيهم ويدينون له بالولاء المطلق، إلى مواقع متقدمة في الدولة.

مسعود بارزاني

وفي حين كان المالكي يدير البلاد من موقع رئاسة الوزراء، منح قادة وضباط أمنيين مواقع حساسة من دون أن يكونوا من أقاربه، لكن نفوذ عائلته السياسي حاضر في تقديم الحماية من أي استجواب أو عزل محتمل لهؤلاء.

تتحاشى الأسر السياسية والمتحكمة في المشهد العراقي إعلان أسماء أقاربها الذين يديرون مواقع كثيرة في الدولة، ويقتصر الإعلان على نواب أو وزراء فقط. أما المناصب الأخرى فليست للنشر وتكاد تكون الأهم، لأنها المتحكمة الفعلية في نواح شتى

وهناك أسرة الحكيم التي تدعم هي الأخرى أسماء بعينها لمناصب حساسة، تبدأ من منصب مدراء أقسام وصولاً الى وزراء مروراً بمناصب أقل من وزير، كما أن لبقية الأسر تأثير لكن على قدر وجودها وحضورها، إذ تتباين النسب بين اسم واخر.

ويقول العبادي إنه وسط سطوة تلك الأحزاب ونفوذها، يلاحظ أن تلك الأسر والشخصيات تتحاشى إعلان أسماء أقاربها الذين يديرون مواقع كثيرة في الدولة العراقية، ويقتصر الإعلان على نواب أو وزراء فقط.

أما المناصب الأخرى فتلك ليست للنشر، موضحاً أن المناصب غير المعلنة تكاد تكون أهم من الوزير أو النائب، لأنها المتحكمة الفعلية في إدارة الوزارة من نواح شتى.

تغيير قادم

يرى المحلل السياسي عمر الشريفي أن حكم الأسر السياسية في العراق بدأ يقل تدريجياً، على الرغم من استمرار وجود شخصيات متنفذة، تقوم بفرض آرائها في الكثير من الأحيان.

ويعتبر أن هذه الظاهرة لا يمكن تجاوزها بين ليلة وضحاها ، مستدلاً بالقول على التيارات الناشئة التي دخلت الساحة العراقية والمعادلات التي على أساسها قررت الدخول للمعترك السياسي، حيث يقارن ما بين الدورات النيابية التي مرت على العراق منذ 2003 حتى الآن.

ويلفت الشريفي إلى أن الأحزاب التقليدية وإن كانت كبيرة، لكنها تواجه وعياً شعبياً مختلفاً هذه المرة أفرزته التظاهرات وسنوات الحكم الفاشلة، وعليها أن تُغيّر قادتها وتمنح الشباب والوجوه الجديدة فرصة لتسلق سلم الحكم فيها، أملاً بالوصول إلى مواقع متقدمة في الدولة العراقية، سواء في البرلمان والحكومة، إذا ما أرادت مواكبة التغيير الآخذ في التبلور شيئاً فشيئاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard