من رسائلي إلى ماريا (3)... أخاف أن أحلم كثيراً أثناء نومي فتنتهي الباقة

الجمعة 8 يناير 202102:13 م

من هذا الكون الفسيح ومن على صخرة مدببة في ميناء اللاذقية، صباح الخير حبيبتي ماريا.

أكتب لك وأنا جالسٌ أتأمل البحر والصيادين وبيدي كأسٌ من الشاي وسيجارة من التبغ العربي. حقاً إنني أعيش لحظات من الحياة الفخمة وكأن البحر ملكٌ لأبي.

من على يميني صياد يُدعى ربيع تعرّفت عليه أثناء جلوسي هنا. ربيع شاب أنهى خدمته العسكرية التي دامت قرابة التسع سنوات وعاد ليمارس هوايته في الصيد وشتم مهندسي الثروة السمكية.

ربيع يجلس هنا منذ الفجر ولم يحظَ سوى ببضع سمكات صغيرة جداً ندعوها محلياً بسمك "البذرة" لأن مؤسسة الثروة السمكية تبذرها في البحر آملةً أن تكبر وتتكاثر، لكنهم يعلمون جيداً أن هذه السمكات لن تكبر ولن تتكاثر طالما أن زوارق الجرف التابعة لأحد المسؤولين تجرف كل شيء منذ الصباح الباكر وتفجر الديناميت في عرض البحر لتموت الأسماك وتطفو على سطح البحر فيلتقطونها ويذهبون بها إلى السوق.

نعم يا ماريا، في هذه البلاد هنالك دائماً ثغرة كبيرة في أي مجال تتيح لأحدهم فرصة واسعة للأذية والسرقة.

في بلادنا حتى البحر أبو اليتامى لم يعد يستطيع تحمل نفقات أبنائه.

أنا أيضاً اعتدت على ممارسة الصيد هنا ولكنني، على عكس ربيع، كنت أعيد سمك البذرة إلى البحر كمحاولة يائسة منّي لكي أعود وأصطادها بعد أن تكبر، ثم وجدت أن كل ما أفعله هو تعذيب السمك الصغير لا أكثر فأقلعت عن هذه الهواية.

لك أن تتخيلي الحال التي وصل إليها هذا الشاب حتى يقتنع بهذه السمكات الصغيرات التي لن تشبع قطاً حديث الولادة.

لن يتطلب منك الأمر سوى محادثة مدتها 20 ثانية لتدركي أن ربيع كان شاباً مفعماً بالحيوية والأمل ولكن ما رآه خلال هذه السنوات التسع قتل ما بداخله.

على يساري يا ماريا هنالك موظف تابع للمرفأ يقوم بالتقاط قطع الأخشاب والأغصان اليابسة التي يقذفها البحر إلى الشاطئ ليستخدمها في تدفئة أبنائه ليلاً.

"لا أعلم على ماذا أحزن يا ماريا؟ هل أحزن على حالة هذا العمّ المتعثرة أم على إيمانه وأمله الزائفين، فمَن لا يزال يؤمن بخيرات الاشتراكية كمَن يطلب الدبس من طيز النمس!"

تحدثت إليه قليلاً فأخبرني أنه يستخدم هذه الأغصان اليابسة للتدفئة ريثما تقوم الحكومة بتوزيع المازوت المدعوم على المواطنين، فهو بالطبع لا يستطيع تحمل تكاليف المازوت المتوفر بكثرة في السوق السوداء. ثم أنهى حديثه بعبارة: "الله يخليلنا الحكومة لولاها منموت من الجوع".

لا أعلم على ماذا أحزن يا ماريا؟ هل أحزن على حالة هذا العم المتعثرة أم على إيمانه وأمله الزائفين، فمَن لا يزال يؤمن بخيرات الاشتراكية كمَن يطلب الدبس من طيز النمس! هل أحزن على خوفه من قول ما لا يرضيهم؟ ما الذي سيحدث له أكثر مما هو فيه الآن إنْ قال الحقيقة؟!

على العموم، لم أرد صدمه بالحقيقة التي أظنه يعرفها مسبقاً وهو أن المازوت المدعوم لن يصل قبل زوال البرد ومجيء الصيف، وإنْ أتى فالكمية المخصصة له لن تكفيه أكثر من 20 يوماً.

قررت النزول ومساعدته في التقاط الأغصان وقطع الأخشاب. ما يثير حيرتي دائماً يا ماريا هو أن الأغصان الخضراء تغرق بينما الأغصان اليابسة تطفو!

لم أجد تفسيراً لهذه الظاهرة سوى أن الأغصان الخضراء تغوص بحثاً عن حلول إلى أن تيأس وتفقد الأمل فتيبس وتعود إلى السطح وتستسلم للأمر الواقع وتسلم نفسها للأمواج كي تتقاذفها.

"نعم يا ماريا، في هذه البلاد هنالك دائماً ثغرة كبيرة في أي مجال تتيح لأحدهم فرصة واسعة للأذية والسرقة"

وهذا ما يدفعني للتساؤل: هل أنا غصنٌ أخضر أم يابس؟ أظنني غصناً محروقاً يا ماريا كصديقي ربيع. تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، غصنٌ محروق لا يُستخدم للتدفئة ولا يُستخدم كفحم للشواء، غصنٌ ينتظر تحلله ببطء.

من أمامي هنالك الزوارق التي عادت خائبة. لا أظن أن ما عادت به هذه الزوارق من أسماك يكفي لتغطية تكاليف الوقود الذي استهلكته أثناء الإبحار. فالمناطق التي تحوي على سمك وفير لا يُسمح بدخولها سوى لزوارق محددة.

حتى البحر قسّموه يا ماريا!

وأيضاً، أرى أمامي بضعة أشخاص يغوصون في البحر في هذا الصقيع كي يلتقطوا الحديد القابع في الأعماق ومن ثم يبيعونه كخردة بالكيلو.

لا أريد إخبارك بالمزيد يا ماريا، فأينما أدرتِ وجهك في هذه البلاد تجدين المآسي.

والآن حان وقت العودة إلى المنزل.

سامحيني إنْ لم أعد أحلم بك كثيراً.

المشكلة أننا في هذه البلاد نعيش على الباقات والمخصصات، فالإنترنت والكهرباء باقات، الوقود مخصصات، والأرز والسكر حصص محددة.

حتى أنني أخاف أن أحلم كثيراً أثناء نومي فتنتهي الباقة سريعاً.

سأودّع أصدقائي الجدد ومن ثم سأرحل.

انتظريني يا ماريا، انتظريني ولا تستمعي إلى كلام جدتك.

إلى اللقاء.

مع حبي.

أسعد

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard