الفرهود في ذكراه الثمانين... شهادة حية عما حلّ بيهود بغداد

الاثنين 11 يناير 202112:42 م

عقب فشل "حركة مايس" التي قامت ضد بريطانيا وهيمنتها على مقاليد السلطة عام 1941، بقيادة أربعة عقداء في الجيش وبدعم وتمويل من هتلر، عانت العاصمة العراقية من فراغ أمني نتج عنه تعرّض أفراد الجالية اليهودية لحملة اعتداءات مريعة، ذهب بعض المؤرخين إلى مقارنة بشاعتها بالهولوكوست.

فيويلت شمّاش (1912 - 2006) عاشت مع أسرتها رعب تلك الفترة الحرجة، وروت تفاصيل الأحداث في مذكراتها التي صدرت ترجمتها إلى العربية حديثاً، عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، بعنوان "رسائل فيوليت: جولة في حياة يهود بغداد"، فيما يلي مقتطفات من فصل/ رسالة "الفرهود".




الأيام العصيبة

صعوبة الحصول على الأخبار كانت من المشاكل التي عانينا منها خلال تلك الأيام العصيبة، فبعد شهر من منع التجوال وانقطاع الكهرباء والاختباء، كنا نعيش فعلياً في الظلام، كما بتنا نسمع هدير المزيد من الطائرات في السماء، مع تردّد إشاعات عن اندلاع معارك مع الجيش البريطاني في الصحراء لوقف تقدّمه نحو بغداد.

عقب فشل "حركة مايس" التي قامت ضد بريطانيا عام 1941، عانت العاصمة العراقية من فراغ أمني نتج عنه تعرّض أفراد الجالية اليهودية لحملة اعتداءات مريعة، ذهب بعض المؤرخين إلى مقارنة بشاعتها بالهولوكوست

هربت جماعة رئيس حكومة الانقلاب "رشيد عالي" (1892 - 1965)، باستثناء واحد من عتاة أفرادها هو "يونس السبعاوي" الذي بقي لإثارة مزيد من المتاعب، وكان معروفا بقيادته لمجموعات الفتوّة النازية التي ارتكبت العديد من الاعتداءات ضد اليهود.

استدعى السبعاوي زعيم جاليتنا، حاخام باشي بغداد "ساسون خضّوري"، كي يبلغه تعليماته التي نزلت على الأخير كالصاعقة، ونصّت على أن يلزم اليهود بيوتهم ولا يغادروها بعد ظهيرة ذلك اليوم، وان يقوموا بطهي طعام يكفيهم لثلاثة أيام، وتجهيز حقيبة سفر لكل أسرة بانتظار أن يتم نقلهم إلى معسكر احتجاز خاص من أجل تأمين "سلامتهم". التفسير الوحيد لما قاله السبعاوي كان أن خُطّة ما قد أعدّت للإجهاز علينا.

بالفعل، أصدر السبعاوي تعليماته إلى العاملين في إذاعة بغداد بدعوة الجماهير إلى الانتفاض ضد اليهود وذبحهم، لكن الإعلان لم يتم بثه، وعلمنا لاحقاً أن أمين العاصمة، أرشد العمري، فرض سيطرته على المدينة في اللحظة الأخيرة، مطيحاً بالسبعاوي من منصبه، وأن الأخير قد فرّ إلى إيران.

ظننا حينها أن الخطر قد زال، فعقدنا العزم على العودة إلى دارنا مساء عيد "شفوعوت"، الذي حلّ في يوم السبت المصادف للحادي والثلاثين من الشهر.

عودة التواصل

عاد التواصل بين أفراد جاليتنا بعد انقطاع، وحل الهدوء محل صخب إطلاق العيارات النارية وهدير الطائرات المحلّقة، كما ظهر عدد من رجال الشرطة في أماكن متفرقة من المدينة وهم يحملون بنادقهم، وأعلنت محطة الإذاعة في مساء السبت نبأ توقيع اتفاقية للهدنة واستعادة النظام، وأن الوصي على العرش، الأمير عبد الإله بن علي، سيصل العاصمة في العاشرة من صباح اليوم التالي.

تطلّعنا إلى سيادة النظام والقانون في مدينتنا من جديد، لكن أحداثاً مُفزِعة ما لبثت أن وقعت واستمرت ليومين متتاليين، اصطُلح على تسميتها بـ "الفرهود"، وهي كلمة شنيعة لا أعرف مرادفاً لها، وكل ما أجده لوصفها أنها حالة انهيار تام للنظام والقوانين، تصبح خلالها الأرواح والممتلكات في خطر، بل قد يصح تعريفها بأنها حملة تطهير عرقي، أو حتى مجزرة!

مفتي القدس، أمين الحسيني، الذي كان لاجئاً في بغداد وشارك في الانقلاب، كان حريصاً على بثّ السموم عبر خطاباته الإذاعية التي ألقت باللائمة على اليهود في الوضع المزري للبلد، وحرّضت السذّج من العوام ضد اليهود

خطابات مفتي القدس

مفتي القدس، أمين الحسيني، الذي كان لاجئاً في بغداد وشارك في الانقلاب، كان حريصاً على بثّ السموم عبر خطاباته الإذاعية التي ألقت باللائمة على اليهود في الوضع المزري للبلد، وحرّضت السذّج من العوام ضدنا.

مزاعمه المجنونة لم تدّخر تهمة الا وألصقتها بنا، فكان يهيّج الناس بقوله إننا جواسيس، نرسل الإشارات عبر المرايا للطيارين البريطانيين المُغيرين على المدينة، ونتلصّص على المكالمات الهاتفية والبرقيات، ثم نقوم بتسريب المعلومات الواردة فيها إلى السفارة البريطانية.

في وسط ذلك التوتّر السائد والأجواء المشحونة، توافد العديد من أبناء جاليتنا على جانب الكرخ للترحيب بالوصي، ونظراً لتزامن المناسبة مع موسم العيد، فقد ارتدوا أفضل ملابسهم، الأمر الذي كان خطأ جسيماً، اذ كانت تسير بمحاذاتهم أفواج من الجنود العائدين من القتال بعد التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار، وهي تجرّ وراءها أذيال الهزيمة.

لم تكن هناك قيادة تسيطر على السلاح الذي كان بحوزة الجنود، ولا كان الأخيرون يعلمون شيئاً عن حلول عيدنا، فاليوم كان الأحد، لا السبت الذي يشهد في العادة معظم العطل اليهودية، ولم يكن لنزول اليهود إلى الشوارع متأنّقين سوى تفسير وحيد لدى الجحافل المُنكسِرة، هو أننا كنا مبتهجين بهزيمة الجيش وعودة الاستعمار البريطاني الكافر لبسط هيمنته على البلد.

كتائب الشباب

في الساعة الثالثة من بعد ظهر الأحد المصادف الأول من شهر حزيران، وخلال عبور مجموعة من اليهود على الجسر في طريق عودتهم، اعترضت طريقهم مجاميع من الجنود المنسحبين مع بقايا "كتائب الشباب" ذات التوجّهات النازية، وقاموا بالاعتداء عليهم باللكمات أولاً، ثم طعناً بالسكاكين.

الأسر اليهودية في بغداد التي كانت لها بنات حسناوات باتت أهدافاً مفضّلة لهجمات الجنود، الأمر الذي اضطر رجال تلك الأسر إلى رمي الفتيات من الشرفات الخلفية، كي يتلقّفهن الأصدقاء والجيران ويقوموا بتهريبهن


لقي أحد اليهود حتفه فوراً، بينما أصيب ستة عشر آخرون بجراح على مرأى ومسمع من أفراد الشرطة العسكرية الذين لم يحرّكوا ساكنا لإنقاذهم، فالجنّي كان قد خرج من قمقمه.

توجّه زوجي للحديث مع سائق إحدى السيارات دون أن ينتبه إلى الدم الذي غطى وجه الرجل المذعور وتناثرت بقعه على شتى أجزاء سيارته، إذ انهمك بسماع روايته عن الفوضى التي سادت وسط المدينة، والهياج الذي سيطر على الحشود الغاضبة، فراحت تحطّم وتنهب وتضرم النيران وتطعن بالسكاكين، الأمر الذي تسبّب بسقوط الكثير من القتلى والجرحى.

قال السائق إنه قام بنقل عدد من المصابين بسيارته، وأن ما شهده من أهوال قد أصابه بالغثيان، إذ أقدم الغوغاء على بقر بطن صبي، وتدلّت أحشاؤه خارجها، لكن المسكين أغلق الشق بيده وبقي على تلك الحال حتى أنقذته أعجوبة من هلاك مُحقّق.

رأى الناس رجال الشرطة والجيش وهم يشاركون في الهجوم، فالتحق بهم المارة من المدنيين، وكل حامل ضغينة أو حقد في قلبه ضدنا، وسرعان ما امتد العنف إلى الضفة اليسرى للنهر، حيث تعرّضت النساء اليهوديات للاغتصاب، وذُبِح الأطفال على مرأى من أهاليهم الفزعين، قبل أن تنال منهم طعنات السكاكين وطلقات الرصاص، ثم توجّه الغوغاء لنهب كل ما تبقّى في محال اليهود، ولم يغادروها حتى أضرموا النار فيها.

سائقو العربات وراكبو حافلات النقل من اليهود كانوا يُجرّون خارجها لضربهم أو قتلهم، أما البيوت فكانت تُقتحم عنوة، يُعذّب ساكنوها أو تُبتر أطرافهم عوضاً عن قتلهم، ريثما يتم سلب ممتلكاتهم ثم تُحرق دورهم.

الأسر اليهودية التي كانت لها بنات حسناوات باتت أهدافاً مفضّلة لهجمات الجنود الهائجين، الذين لم يتردّدوا في ضرب الحرّاس الأُجراء، الأمر الذي اضطر رجال تلك الأسر إلى رمي الفتيات من الشرفات الخلفية، كي يتلقّفهن الأصدقاء والجيران ويقوموا بتهريبهن.

جذب الجنود الأطفال بعيداً عن أهاليهم، وقاموا بقطع أذرع الفتيات الصغيرات للحصول على أساورهن الذهبية واغتصبت نسوة حوامل قبل شق بطونهن

أو كانت المسكينات يقفزن فوق الأسوار أو يتسلّلن عبر أبواب السطوح بحثاً عن ملاجئ آمنة لهن في البيوت المجاورة، ولم يسلم الأطفال من الخطر، فكان الأهالي يقذفونهم من فوق الأسطح إلى أذرع الأصدقاء الفزعين، حفاظاً على حياتهم.

تم اقتحام كنيس وحرقه على طريقة النازييين، كما أتلِفت جميع كتب التوراة الموجودة فيه، ثم جذب الجنود الأطفال بعيداً عن أهاليهم، وقاموا بقطع أذرع الفتيات الصغيرات للحصول على أساورهن الذهبية.

 واغتصبت نسوة حوامل قبل شق بطونهن، بينما أبلغنا صبي في الثالثة عشرة من العمر أنه رأى عبر الستارة في منزله رجالاً يجرّون فتيات يهوديات من شعورهن في الشارع، وينهالون ضرباً بالفؤوس والمطارق على الذكور الذين كانوا برفقتهن.

كان الجو شديد الحرارة، لكننا لم نجرؤ على الصعود إلى السطح، كما اعتدنا أن نفعل في ذلك الوقت من كل عام، وحاولنا تحصين أنفسنا عن طريق رصّ قطع الأثاث الثقيلة خلف الأبواب الأمامية، ثم قمنا بإسدال الستائر على النوافذ، وإسناد قطع السجاد عليها حتى كدنا نختنق من الحر، فقرّرنا النزول إلى السرداب، على أن نبقي أضواءه مطفأة، حيث عشنا ليلة شبيهة بكابوس باتت المدينة خلالها مستباحة للصوص والقتلة، الذين وجدوا في الفراغ الأمني فرصتهم الذهبية للسطو والذبح.

فكانت ولولات النساء المفجوعات وصراخهن بأسماء أحبتهن المقتولين تتناهى إلى مسامعنا ونحن جالسين في الظلمة، لا ندري إذا كان ما ينتظرنا هو الفرج أم دورنا في لقاء مصير مخيف.

احتراق المدينة

استمرت بغداد بالاحتراق دون أن يجد أهلها أثراً للبريطانيين، حتى طلع علينا فجر الاثنين/ الثاني من حزيران، ونحن لم نزل في السرداب. هوت ضربات عالية على باب الدار أفزعت الجميع، فصعد الرجال بحذر لاستطلاع الأمر، وتمكّن هارون شقيق زوجي من التعرف على صوت الطارق الذي كان جاراً مسلماً، شغل في السابق منصب محافظ البصرة، وكان صديقا للعائلة.

أبلغنا الرجل أنه جاء لاصطحابنا إلى بيته المجاور لدار القنصل المصري، كي نكون بحمايته مع أسر يهودية أخرى كان يؤويها في سردابه، لكنّه حذرنا من خطورة الوضع في الخارج.

لم تكن الشمس قد أشرقت بعد حينما تسلّلنا مسرعين، وعلمنا فيما بعد أن العديد من المسلمين قد تصدّوا للمشاغبين ومنعوهم من التعرّض لجيرانهم من اليهود، اذ حال مختار أحد الأحياء، وكان في الخامسة والستين من العمر، بين أهل منطقته من اليهود وخمسين مجرماً أرادوا اقتحام دورهم، ومنع المعتدين بحزم من دخول الحي.

استمر توافد المهاجمين، وكانوا يأتون في مجاميع متتابعة بقيادة رجال الشرطة الذين خلعوا شاراتهم كي لا تُعرف هوياتهم، كما التحق بالحملة الشرسة عدد من البدويين وسكنة الأحياء المُعدمة، مستغلين الفوضى التي سادت المدينة، بالإضافة إلى عناصر كتائب الشباب كما ذكرت، والجنود الفارّين من جبهات القتال الذين أمضوا الليلة الماضية في تنظيم صفوفهم لشن هجوم أوسع في اليوم الثاني، لكنهم جوبهوا بمقاومة قوية هذه المرة.

أسلحة المواجهة وفصول الرعب

الأحجار الثقيلة والقار والزيت المغلي والخرق استُخدِمت جميعها كأسلحة في المواجهة، وتم اختيار قائد لكل مجموعة من المدافعين كي يُصدر الأوامر للباقين، لكن الفرار عبر السطوح المتجاورة كان أكثر الوسائل فاعلية في إنقاذ حياة كثيرين منا.

استُخدِمت الأحجار الثقيلة والزيت المغلي كأسلحة في المواجهة، وتعرّض أفراد الجالية اليهودية لحملة اعتداءات مريعة...  شهادة حية عما حلّ بيهود بغداد

وكان جشع المهاجمين عاملاً آخر أدّى إلى تقليل الخسائر في الأرواح، إذ خالفت غالبيتهم الأوامر الصادرة بقتل اليهود، وانشغلوا بتفتيش البيوت المستباحة وتجريدها من كل غال ونفيس، ثم أسرعت الحشود الهائجة بالتوجّه نحو إلى شارع "الرشيد" لنهب مخازنه التجارية قبل أن تسبقها اليها مجموعات أخرى وتستحوذ على محتوياتها.

توالت السرقات حتى الساعة الثانية من بعد الظهر، وما كانت لتتوقف لولا الخشية من امتداد يد التخريب إلى سائر الأحياء المسلمة، الأمر الذي دفع قوات الأمن أخيراً إلى التدخّل وفرض سيطرتها، ففرّ اللصوص عندما فتح رجال الشرطة نيران بنادقهم الرشاشة، وخلت بذلك الشوارع من السائرين وتوقف دويّ الرصاص.

لكن الهدوء لم يسد حتى تمام الساعة الخامسة مساء، عندما بثت الإذاعة نبأ تعيين "جميل المدفعي" رئيساً للوزراء، وكان الأخير معروفاً بنبله وحسّه الإنساني، كما أُعلِن عن القضاء على مجموعات عدّة من الغوغاء، وفُرِض حظر للتجوال من غروب الشمس إلى شروقها، فسيطرت على الشوارع حالة من الصمت المطبق.

لم نكتشف فداحة الخسائر والحجم الحقيقي للدمار إلا بعد مرور زمن طويل، إذ تفاوتت الروايات في تقدير عدد القتلى والجرحى الذين كانوا بالآلاف.

ها أنا أكتب سطوري بيد مرتجفة رغم مرور عشرات السنين على الفرهود، فالرعب الذي عشناه في ذينك اليومين من شفوعوت حفر جرحاً غائراً سيبقى أثره إلى الأبد، وكان عاملاً حاسماً في اتخاذنا قرار الرحيل عن بلاد الرافدين، الأرض التي كانت وطناً لأقدم جاليات يهود الشتات طيلة آلاف السنين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard