لا تلبس نعلين من جلد الحمار في حضرة الله

لا تلبس نعلين من جلد الحمار في حضرة الله

الثلاثاء 12 يناير 202101:41 م

 

الإنسان كائن يحيا بالمعاني، فالوجود لديه معدوم، إن لم يحز معنى. الشمس ليست نجمة تعبر سماء النهار فقط، بل هي إله، كذلك الحذاء ليس مجرد حماية للقدم، إنّه تاريخ وأسطورة، سلطة وخضوع، عزّ وذل. تقول الأسطورة بأنّ هرمس، رسول الآلهة اليونانية، كان ينتعل حذاء مجنّحاً صنعه له هيفيستوس، يسمح له بالصعود إلى مقرّ آلهة الأولمب والنزول إلى الدرك الأسفل من الجحيم.

يمتلك الحذاء تاريخاً من المعاني، فأحذية الملوك تختلف عن أحذية العامة، وأحذية الرجال تختلف عن أحذية النساء، حتى إن حذاء الملك، قد خصّص له عبد ليحمله، هذا ما نجده في نقش نعرمر الذي يقال بأن الفرعون الذي يظهر فيه، هو الفرعون مينا، موحد القطرين.

يشير النقش إلى أنّ الفرعون في لحظة سلطة عظيمة، يمسك بيده اليسرى ناصية أحد الأشخاص، بينما ترتفع يده اليمنى بالهراوة، رمز السلطة والعقاب، في حين يقف خلفه شخص يحمل حذاءه، وكأنّ الفرعون في هذه اللحظة المقدسة لا يجوز له أن يكون منتعلاً. وليس بعيدًا عن ترميز الحذاء، أن تُقتل شجرة الدر بالقباقيب من قبل خادماتها. وفي عصرنا الحديث اغتنى الحذاء بالمعاني حتى أتخم، فمن الرمز السلطوي، والأخطر منه العسكري، إلى حذاء الرياضة وحذاء الباليه، ومن ثم إلى الفيتشية الجنسية التي غزت عالم الأحذية إلى نقش حذاء نيل أرمسترونغ على سطح القمر، فهل بإمكاننا أن نعرّف الإنسان بالكائن الذي ينتعل الأحذية؟

يمكن أن نصف الحذاء بأنّه بوابة عبور بين عالمين، هكذا نجد سندريلا عبر حذائها تنتقل من حياة الفقر إلى حياة الغنى، بأن تصبح أميرة، وليس غريباً أن نجد النبي موسى يصبح شخصاً آخر بعد أن يخلع حذاءه على تخوم الوادي المقدس "طوى"، بعد أن جاءه الأمر الإلهي كما ورد في القرآن: "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوى". والأمر نفسه قد سبق وروده في التوراة، سفر الخروج: "اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة".

رمزية الحذاء أنّه بوابة عبور بين عالمين، هكذا نجد النبي موسى يصبح شخصاً آخر بعد أن يخلع حذاءه، بعد أن جاءه الأمر الإلهي: "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوى"

استجيدوا النعال، فإنّها خلاخيل الرجال

هذا ما قاله الأحنف بن قيس، كما ذكر صاحب البيان والتبيين، فالعرب لهجت بذكر النِعال، وكانوا يحدّثون أن جذيمة الأبرش أول من لبس النِعال. والحذاء لدى العرب محلٌّ للمدح والهجاء والذم والشكوى، فها هو النابغة يمدح الغساسنة: رقاقُ النِعالِ طيبٌ حجزاتهم/ يُحيَوّنْ بالريحانِ يومَ السبَّاسِبِ.

وفي اللغة، النَّعل: الحذاء، وجمعه نِعال، ورجل ناعل أي يلبس حذاء في قدمه، وأيضاً النَّعل هو الأرض الغليظة التي لا تنبت وجمعها نِعال، وهذا الجناس الكامل بين النعل/ الحذاء والنعل/ الأرض الغليظة، يأتي من أن النعل/ الحذاء يقي باطن القدم من غلظة الأرض أو نعلها. 

ولم تجد الخنساء، عندما طغى عليها الحزن بعد مقتل أخيها صخر، بدّاً من أن تلعن الدنيا، وضمناً كل البشر، ولم تجد سبيلاً لإحصاء كل البشر إلا بأن تقسم الناس بين حاف وناعل، فلا يفوتها أحد منهم:

أَلا لَيتَ أُمّي لَم تَلِدني سَوِيَّة/ وَكُنتُ تُراباً بَينَ أَيدي القَوابِلِ    

وَخَرَّت عَلى الأَرضِ السَماءُ فَطَبَّقَت/ وَماتَ جَميعاً كُلُّ حافٍ وَناعِلِ.

استخدمت الأحذية كرمز للتفجع واللطم في الجاهلية، وقد قال أبو ذؤيب الهذلي: وَقامَ بَناتي بِالنِعالِ حَواسِراً/ وَأَلصَقنَ ضَربَ السِبتِ تَحتَ القَلائِدِ.

والسِبْتُ هو الجلد المدبوغ، وقيل يُصنع من جلود البقر التي أزيل عنها الشعر، وهي أحذية لينة مترفة ينعلها الناس الأغنياء الكرام. قال عنترة: بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ/ يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ.

كانت الخنساء تجد في أخيها صخر، عصمة لمن زلّت به نعله ودارت به الحدثان، وذلك كناية عن الافتقار وسوء الحال والوقوع في الخطأ والزلل، كمن سقط من علوٍ من أرض نعلة/ غليظة، أو سقط عليها فأدمته حجارتها.

وهذا ما نجده في شعر طفيل الغنوي: جَـزى اللَهُ عَـنّا جَعفَراً حينَ أَزلَقَت   بِـنـا نَـعـلُنـا فـي الواطِئينَ فَزَلَّتِ.

لعب النعل/ الحذاء دوراً مهماً عند العرب في استيعاب الرموز والمعاني التي يحايثونها في حياتهم، فمن كناية زلت النّعل، إلى قولهم: "حَذْوَ النعل بالنعل"، الذي يعني التشابه والتماثل، ومنه جاء الحديث النبوي: "لَتَركبنّ سنن من قبْلكم حذْو النعل بالنعل".

نعل من جلد حمار

جاء في البيان والتبين للجاحظ، أن جساس بن قطب تمنّى لو أن له حذاء من جلد ضبع: يا ليت لي نَعْلين من جِلْد الضَّبع/ وشُرُكا من آستها لا تنقطعْ/ كلَّ الحِذاء يحتذي الحافي الوَقِعْ.                                                           الوَقِع هي الحجارة، وما قصده جساس أن من يمشي على الحجارة حافياً يتشهى حذاء حتى لو كان من جلد الضبع الكريه الرائحة، المنتن. وهنا لنا أن نسأل هل كان النبي موسى محتاجاً إلى درجة أنه انتعل حذاء من جلد حمار، كما ذهب المفسرون في تعليلهم للطلب الإلهي بأن يخلع نعليه؟

قال ابن مسعود إن سبب الأمر في خلع النعلين لأنهما كانا من جلد حمار ميت أو غير مدبوغ أو جلد غير زكي، والسؤال لو كان نعلاه من أي جلد آخر، فهل كان هناك من ضرورة لخلعهما؟

ذهب آخرون للقول بأن الطلب جاء ليباشر موسى الأرض المقدسة بقدميه حافياً، ومنهم من قاسها على الطائفين حول الكعبة حفاة، ومنهم من ربطها بالطهارة، مع أن الفقهاء أجازوا الصلاة بالحذاء. تعددت آراء الفقهاء في ذلك، ولكن يمكن لنا أن نحاول إقامة رابطة بين نقش نعرمر، الذي يظهر فيه الفرعون حافياً، وموسى الذي سيكون بعد هذه الواقعة رئيساً لبني إسرائيل يمارس السلطة والعقاب، فهل كان الخطاب الإلهي قد أتى وفق ما عرف موسى من عادة المصريين وأعرافهم، أم في الإمر "إن"؟

ذكرنا سابقاً مجازات ورموز الحذاء عند العرب، ولم نذكر الهجاء من بينها. يقول أوس بن حجر: تَنَاهَقُون إِذَا اخْضَرَّتْ نِعَالُكُمُ/ وفي الحَفِيظَةِ أَبْرَامٌ مَضَاجِيرُ.

النِعال، هي الأرض الغليظة التي لا تُنبت، وما يقصده الشاعر بأنهم كالحمير التي تتناهق عندما تمتلئ الأرض بالعشب بسبب موسم جيد من الأمطار، وفي أيام السوء يضجرون كالإبل وتكثر شكواهم، فلا هم كرام متواضعون في أيام الرخاء بل متجبرون متشدّقون، وينقلبون في أيام الجدب والجفاف إلى الشكوى بدلاً من الصبر على ما آلت إليه حالهم. وجاء استخدامه لكلمة "نِعالكم" لما تشي به هذه الكلمة من ربط مع كلمة النِعال/ الأحذية، من حيث دلالات الكرم والتواضع والعطاء، أو الذم والهجاء والحزن.

خلع النبي موسى حذاءه المصنوع من جلد الحمار... ما علاقة قصته بمجازات ورموز الحذاء عند العرب؟

وذكر الفراء في مثل ما سبق: قوم إذا اخضرت نِعالهم/ يتناهقون تناهق الحمر.

نعود إلى موسى الذي خرج من مصر هارباً بعد أن قتل رجلاً، والآن عليه العودة لينذر فرعون، مزوداً بحجج قوية، كالعصا التي تصبح أفعى واليد التي تصبح بيضاء من غير سوء. لقد اخضرّت نِعال موسى بعد أن كلّمه الله، فهل يترك غلظته السابقة التي تسببت بمقتل رجل، ويكون رسولاً يحمل الكلمة الطيبة، أم أنه سيعمد للتباهي والتشدّق؟

لقد خلع النبي موسى حذاءه المصنوع من جلد الحمار، وكأنه خلع عنه غلظته السابقة، وبالتالي لن يصحّ فيه الهجاء الذي كان العرب يذمّون به من يتجبّر ويتشدق بالخيرات التي تصيبه بعد مشقّة وتعب، والمراقب لدعوة موسى، وفق ما أورده القرآن الكريم، يرى أن التجبّر كان من قبل فرعون، في حين كان موسى متواضعاً رحيماً، حيث كرّر دعواه لفرعون أكثر من مرّة، وكان الفرعون يرفض.

ومما سبق، نفهم لماذا ذهب بعض المفسرين إلى الربط بين الطلب الإلهي من موسى أن يخلع نعليه لكونها مصنوعة من جلد حمار، وما كان من أساليب الهجاء عند العرب، بأن يصفوا الذين إن اخضرّت نِعالهم/ أرضهم، لبسوا النِعال وداسوا على الناس، بأنهم كالحمير التي تنهق بعد أن تخضرّ الأرض، أليس أنكر الأصوات صوت الحمير؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard