ثلاث تهم لم أنكرها العام الماضي... نسويّة ولا أنتظر اعتذارك

الثلاثاء 12 يناير 202102:39 م

كشفت موجة المتحرشين الجدد الكثيرين، لكن ليس الكل، ما زال المسكوت عنه أكبر، وظهرت فئة من الرجال "النسويين" الذين يرون أن النسوية أداة فكرية وتيار فلسفي يستخدمونه، ويتبنون مبادئ العدالة والمساواة ونزع الهيمنة التي يحتويها، وهناك أيضاً من يريدون الأضواء: يعتذرون للنسويات ويعتذرون عن تقصيرهم في الصراع النسوي، سواء عبر صمتهم أو عدم فضحهم لأصدقائهم، وغيرها من التهم التي يقرّون نوعاً ما بأنهم ارتكبوها.

من السخف اعتبار صفة نسويّة "تهمة" تُستخدم لتدين الصوت العالي للنساء، و تعكس خوف الرجال على أنفسهم

أثناء تهكمي من منشور أحدهم على فيسبوك، كتب منشوراً آخر، بما معناه: "أولئك النسويات لا يعجبهنّ شيء!"، ذلك لأني سخرت من "نسويته"، أي نعم يا صديقي لا يعجبنا شيء، ولا أريد الدخول في المحاورة الفيسبوكية الطويلة وتراشق الاتهامات واستعراض العضلات الثقافية، لكن جدوى الحديث: لا يهمني اعتذارك ولا يعني شيئاً، هو مجرد أسلوب لجذب الأضواء والانتباه إلى ذاتك، يا صديقي النسويّ!

من السخف اعتبار صفة نسويّة كتهمة، لكن مازالت تستخدم لتدين الصوت العالي للنساء، وخوف الرجال على أنفسهم، الذين يعارضون تحت حجة الهوياتيّة، أو ينضمون لركب المطبّلين لجذب الانتباه، وهنا تكمن تهمة "نسويّة" التي تطلقها، بصورة مثيرة للشفقة، بعض النساء على نساء أخريات، لأن "النسويات" يخرّبن الصمت العام الذي سُمح إثره لبعض النساء أن يستفيدوا وظيفياً واجتماعياً.

"ليس الآن وقت النسويّة، الناس تموت جوعاً!"

ما يثير الغضب في تهمة النسويّة من ناحية أخرى، هي أنها تصنيفيّة، تترك صاحبتها تنتمي إلى الناشطات والمدافعات عن حقوق المرأة، لكن لسنا كلنا كذلك، نعم نسويات لكن لسنا ناشطات، نريد فقط في بعض الأحيان الدفاع عن حقوقنا الفردية، لأننا، أو على الأقل أنا، لا أريد تحويل حياتي وما أقوم به إلى نضال وسعي لتحقيق المساواة العالمية، أريد فقط أن يكون صوتي مسموعاً، أن تكون شبكة الأمان النسوية موجودة لتلقفي في حال وقعت في مشكلة وأٌخفي صوتي.

أعود الآن لطابور المعتذرين والبوليتيكل كوركيتنيس. إن أردت أن تقف إلى جانبنا، فاترك النسوية بحالها، مارس حياتك بشكل طبيعي، ولا تسكت عما تراه أمامك من قمع وتحرش وتمييز، وإن فضحت ذلك، لا داعي لأن ترينا كيف قمت بذلك لتنضم إلى قائمة شهداء النسويّة، لأن ببساطة، يا صديقي، أنت ما زلت مستفيداً من قبيلة الرجال ويمكن لك العودة إليها في اللحظة التي تريد، وحتى إن ادّعيت مغادرتها، فميزاتها التي تتمتع بها ما زالت قائمة.

اتهمت مرة ثانية بالنسوية في ذات العام البغيض، وكانت الصيغة تحقيرية، والسياق بدقة، كان أثناء اجتماع على زوم، والحديث كان عن المنظمات الإغاثيّة التي تساعد من في المخيّمات، حيث النساء هن أشد من يتعرض للعنف هناك، وكان الرد من أحدهم وبسرعة في محاولة لإسكاتي: "ليس الآن وقت النسويّة، الناس تموت جوعاً!"، لم أستطع الرد حينها لأن النقاش كان محتدماً على تطبيق زوم، ولم أتمكن من إكمال ردّي، وهنا السؤال الذي لم أجد له جواباً: هل أتوقف عن العمل مع هذه الجهة بسبب تعليق عصبيّ؟ أم أصمت وأتابع؟

فضحت موجة المتحرشين الجدد الكثيرين، وظهرت فئة من الرجال "النسويين" الذين رأوا في النسوية أداة فكرية وتيارا فلسفيا تبنّوا مبادئه

ما أثار استغرابي هو أني أشرت إلى حقيقة متفق عليها، وهي تعرّض النساء للعنف بصورة أكبر من الرجال، فلم اتُهمت بالنسوية، وتم تصنيفي فوراً بأني من أولئك اللاتي يمتلكن أصواتاً عالية فقط، واللاتي يتجاهلن الواقع الذي هو موت الناس جوعاً؟ تعاملت مع الأمر كشتيمة شخصية قيلت عن غضب، لا كموقف للمؤسسة. ربما أكون مخطئة، لكن مرّة أخرى، لا أريد أن أكون فتاة الإعلانات النسويّة، خصوصاً أن المؤسسة لم تقصّر في مهامها ولا في حقّي.

أترك السؤال إذن: هل أنتظر اعتذاراً ممن قال لي هذه العبارة؟ أتجاهل الموضوع، أم أرسل لأعضاء المؤسسة بريداً جامعاً للجميع، أفضح فيه تحيّز أحدهم وكلامه غير المقبول؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard