تولد الشمسُ هذه الليلة ويزول الظلام... أمل ظلّله كورونا في طهران

الاثنين 21 ديسمبر 202004:55 م

لا يقتصر شغف الإيرانيين بالطبيعة باستهلال عامهم الرسميّ بحلول الرّبيع (21 آذار/ مارس) وعلاقتهم بالأرض واخضرارها والطبيعة وتحولاتها البهية في الربيع، بل يمتدّ هذا الشغف ليشمل علاقة من نوع آخر مع ما هو فوق الأرض وما وراء الطبيعة؛ الطبيعة وأسرارها ومفاتنها الخيالية إلى جانب تقدّس الشمس والنور لديهم، جعلت الإيرانيين منذ القدم ينسجون قصة لميلاد الشمس في عزّ ليالي الشتاء الطويلة ليحتفلوا بها رمزاً للأمل في الشمس وانتهاء الظلام.

في حركتها السنوية، تصل الشمس إلى أدنى نقطة في الأفق الجنوبي الشرقي في نهاية الخريف، مما يقلّل من طول النهار ويزيد من طول الليل. ولكن، منذ بداية الشتاء أو الثورة الشتوية تعود الشمس إلى شمال الشرق، ويؤدي ذلك إلى زيادة ضوء النهار ونقصان ظلام الليل. واعتبرت بداية عودة الشمس إلى الشمال الشرقي والزيادة في طول النهار في أفكار ومعتقدات الناس القدماء وقتَ ولادة الشمس.

إنها ليلة "يَلدا" التي تصادف الليلة الأولى لفصل الشتاء وفق التقويم الإيراني وآخر عشاء الخريف (20 كانون أول/ ديسمبر)، أطول ليلة في السنة، وكانت تسمّى أيضاً بالليلة الأربعين (شَبِ تشِلّه). يختلف الاحتفالات والطقوس بها وفق كثير من المدن والمناطق إلا أن رمزها الأساسي هو وجود البطيخ الأحمر والرمّان والمكسرات، وقراءة أبيات لحافظ الشيرازي.

یقول بعض الإیرانیين إن الاحتفال بليلة یلدا انتقل منهم إلى ثقافات أخرى، ويؤكّد بعضهم أنها ليلة ولادة المسيح، ولكن اختلاف التقويم الشمسي والميلادي جعل احتفالات عيد ميلاد المسیح تختلف بتوقيتها عن "يلدا" ببضعة أيام، كما أن هذه الليلة هي أطول من ليالي الشتاء والخريف بدقيقة واحدة فقط! وكان يعتقد الإيرانيون أن غداة ليلة "يَلدا" تزدهر الشمس والأيام تصبح أطول، ويزداد الضوء الإلهي.

یقول بعض الإیرانیين إن الاحتفال بليلة یلدا انتقل منهم إلى ثقافات أخرى، ويؤكّد بعضهم أنها ليلة ولادة المسيح، ولكن اختلاف التقويم الشمسي والميلادي جعل احتفالات عيد ميلاد المسیح تختلف بتوقيتها عن "يلدا" ببضعة أيام

وفي الماضي کان الناس يقيمون طقوساً وتقاليد في ما يخصّ هذه الليلة، إحدى هذه الطقوس والعادات کانت إقامة الاحتفالية ليلاً والسهر والسّمر حتى الفجر، أي حتى شروق الشمس أو ولادتها؛ فكانت تجلس العائلات الإيرانية في هذه الليلة حول مدفأة تسمّی "الكُرسي"، وهي عبارة عن طاولة خشبية كبيرة تسع لعدّة أشخاص، تغطّی عادة بقماش غالباً ما یكون لونه أحمر، ويوضع تحتها مجمر الفحم، وفوقها مائدة المكسرات والفواكه، ولكن الکرسيّ اختفى شيئاً فشيئاً من عادات ليلة "يلدا" ومن البيوت الإيرانية مع تغیير نمط الحياة وكلّ ما أتت به الحداثة من أساليب التدفئة، إلا أن ثمة عودة طفيفة توجد اليوم ولاسيّما هذا العام في طهران بعودة "الكُرسيّ"، بشكله الحديث وبمدفأة كهربائية.

أما هذا العام فقد أثرت جائحة كورونا على العالم بأسرِه، ولا يستثنى الإيرانيون الذين يهتمون كثيراً بالمناسبات والتقاليد وبالتجمعات العائلية في هذا الاحتفال، فكان هذا التأثير مختلفاً. فحرم فيروس كورونا وتداعياته وقيودُه الإيرانيين من القيام بالطقوس والتقاليد الخاصة والزيارات العائلية في عيد نوروز، أهمّ مناسبة إيرانية، والتي صادفت شهر آذار/ مارس 2020، أي بدايات تفشي الفيروس في إيران.

ووصل هذا الحرمان إلى مناسبات إيرانية أخرى، أهمّها ليلة يلدا، التي احتفل بها الإيرانيون الذين خسر بعضهم أحد أقربائهم خلال الأشهر الأخيرة بسبب الإصابة بالفيروس، ليلة أمس 20 كانون أول/ ديسمبر 2020، بشكل مختلف، حيث اختفت التجمعات العائلية في ليلة يلدا عمّا كانت عليه في كل عام، التزاماً بالبروتوكولات الصحية، ومحاولة لمنع لتفشي فيروس كورونا.

كما يجب الإشارة إلى الأزمة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها إيران على خلفية العقوبات الأميركية وتداعيات جائحة كورونا وانخفاض قيمة العملة الوطنية، والتي حرمت بدورها الكثير من الإيرانيين من تحضير المستلزمات التقليدية لهذه المناسبة على غرار السنوات الماضية، أهمها المكسرات التي ارتفع سعرها في هذه الأيام أكثر من ثلاث مرات مقارنة بالعام الماضي، كأسعار سلع ومواد أخرى في إيران.

اضطرت العائلات الإيرانية ليلة امس للاحتفال بالمناسبة كلّ عائلة على حدتها، ومشاركة الاحتفال عبر الفضاء الافتراضي مع الآخرين، أو عن طريق تبادل الرسائل والصّور، أملاً برحيل فيروس كورونا من بلادهم، وفي أمل انفراجة في الأزمة الاقتصادية ورفع العقوبات الأمريكية في "يلدا" العام المقبل

التغيير في شكل الاحتفال بليلة يلدا في إيران في هذا العام، إلى جانب الغلاء والمشاكل الاقتصادية ومخاوف المواطنين من تفشي فيروس كورونا، يعود إلى الدعوات الواسعة للسلطات الإيرانية، منها اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا التي أعلنت أن الزيارات العائلية تشكل 51 في المائة من أسباب تفشي كورونا في البلاد، وقد اتُّخذت لهذا السبب تدابير وإجراءات شديدة من بينها حظر التنقل داخل المدن من الساعة التاسعة مساءً حتى الرابعة فجراً.

ومنعاً لارتفاع حالات الوفيات والإصابات بعد الزيارات العائلية في ليلة يلدا، أعلنت السلطات عن منع التنقل داخل المدن في ليلة يَلدا والليلة التي سبقتها من الساعة الثامنة مساءً، إلى جانب إغلاق المحالّ التجارية منذ الساعة السادسة مساءً.

إلى جانب ذلك، دعا نائب وزير الصحة الإيراني "إيرَج حريرجي" المواطنين إلى تأجيل الاحتفال بليلة يَلدا إلى العام المقبل، أو أن تتمّ التجمعات عبر الإنترنت، كما طالبهم بضرورة وضع الكمامات خلال الزيارات العائلية في هذه الليلة في حال زيارة بيوت الأقارب والأصدقاء.

واضطرت العائلات الإيرانية ليلة امس للاحتفال بالمناسبة كلّ عائلة على حدتها، ومشاركة الاحتفال عبر الفضاء الافتراضي مع الآخرين، أو عن طريق تبادل الرسائل والصور، أملاً برحيل فيروس كورونا من بلادهم، وفي أمل انفراجة في الأزمة الاقتصادية ورفع العقوبات الأمريكية في "يلدا" العام المقبل. وقبل حظر التجوّل في طهران حاول بعض المواطنين إبداء فرحهم وبثّ شيء من الأمل والبهجة في الشوارع:




*الصور والفيديو في هذه المادة من تصوير الباحث "أليكس شمس" وقد صوّرها مساء أمس خلال جولة في طهران. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard