"لو خلقني الله رجلاً لتقاضيت راتباً أعلى"... عن عمل النادلات في اليمن

الأحد 20 ديسمبر 202002:22 م

تستيقظ نهى سرور في السادسة من صباح كل يوم حتى أيام الجمعة. تترك أطفالها الستة وتغادر منزلها في السابعة حتى لا تتأخر عن موعد "البصمة"، إذ يبدأ دوامها تمام الثامنة في أحد مطاعم العاصمة اليمنية صنعاء، وعليها أن تقطع المسافة بين المنزل والمطعم، اثني عشر كيلومتراً، مشياً.

"لقمة الحياة صعبة خاصة بهذه الأيام. أشتغل طوال النهار كي أوفر لأطفالي الطعام. إذا جلست في البيت لن أجد من يطعمنا"، هكذا تختصر نهى لرصيف22 معاناتها اليومية مع شبح الجوع والتشرد.

وهي تتقاضى من عملها ثلاثة دولارات ونصف باليوم، وتحصل على وجبتين من النشويات، وتبحث حالياً عن شقة بعدما طلب صاحب المنزل الذي تسكن فيه عائلتها أن يخرجوا منه، وتضيف: "زوجي موظف بسيط في شركة، وكل ما نحصل عليه نحن الاثنان بالكاد يكفي لدفع بدل الإيجار وتوفير الاحتياجات الأساسية للمنزل. أعمل المستحيل كي أطعم أولادي".

وخلال السنوات الست الأخيرة، والتي دخلت فيها اليمن كارثة صُنفت من الأسوأ إنسانياً على مستوى العالم، ظهرت مجالات عمل جديدة للمرأة اليمنية، كانت فيما مضى مقتصرة على مهن التدريس والطب، وبشكل أقل الهندسة والقضاء والعلوم السياسية والاقتصادية. والميادين التي لم يكن مقبولاً للمرأة الخوض فيها مثل العمل في المطاعم، باتت اليوم أكثر شيوعاً، ولم يعد غريباً رؤية امرأة تعمل نادلة، وإن بشروط صعبة وأحياناً مجحفة، وفي ظل نظرة مجتمعية لا تزال غير متقبلة عمل المرأة في كثير من الأحيان.


أجور غير متساوية

في واقع لم يترك لها حتى رسم حلمها البسيط في مواصلة التعليم والحصول على فرصة أفضل للعيش، تتحسر نهى على ما تعيشه اليوم، تقول: "لو تعلمت لكنت وجدت فرصة عمل أفضل من العمل في المطعم، أو لو خلقني الله رجلاً كنت لتقاضيت مبلغاً أكبر، فهنا يتقاضى الموظفون مبالغ أعلى منا نحن الفتيات. صحيح أن عملهم مختلف عن عملنا لكننا نتساوى في عدد الساعات، وننفذ كل ما يطلب منا".

لم يعد غريباً رؤية امرأة تعمل نادلة في اليمن، وإن بشروط صعبة ومجحفة، وفي ظل نظرة مجتمعية لا تزال غير متقبلة عمل المرأة في كثير من الأحيان.

لا يختلف الحال كثيراً لدى نسرين محمد، العاملة بنفس المطعم، وهي تتقاضى خمسة دولارات باليوم عن دوام يستمر 10 ساعات، وهي وظيفة تعمل فيها منذ عدة أعوام.

تقول نسرين لرصيف22: "على الرغم من عملي سنوات طويلة هنا ليس وضعي جيداً. الامتيازات فقط للرجال وكأننا لا نعمل"، وتضيف متسائلة بحسرة: "ألا يكفي غيابي طوال النهار عن أطفالي والوقوف ساعات في تقديم الخدمات وحل مشاكل الزبائن، كي نجد التقدير أو المبلغ الذي يستحق هذه التضحية؟ حتى التأمين الصحي غير متوفر لنا!".

وتشير الدكتورة افتكار المخلافي، وهي أستاذة علم الفقه المقارن المساعدة بكلية الشريعة والقانون في جامعة صنعاء، إلى أن القانون اليمني نظم شروط العمل وبيّن ما يجب على العامل وما يجب على أرباب العمل، ولم يميز بين الجنسين إلا في إجازة الوضع والزواج، وفي الوقت ذاته لم ينص صراحة على أنه يجب عدم التمييز بين الرجل والمرأة في مسألة الأجر، وتضيف: "القانون يضع شروطاً، ويبين إجراءات، ويوضح ما يجب من حقوق وواجبات وعلى الجميع الالتزام بها. لم يميز بين الرجال والنساء في تقاضي الأجور، وكل عامل بحسب ساعات عمله كان رجلاً أو امرأة".

وتقول لرصيف22: "القانون موضوعي ويطبق على الجميع، لكن المشكلة في القطاع الخاص أن أجر المرأة أقل من أجر الرجل، وهو أمر نراه في جميع القطاعات الخاصة وليس في المطاعم فقط. الإشكالية في قبول المرأة نفسها، وفي أرباب العمل كونهم يعرفون أن المرأة مضطرة للعمل وبالتالي يستغلون حاجتها له".

ويلفت فواز الخطيب، وهو مدير مطاعم الخطيب بالعاصمة اليمنية صنعاء، إلى أن عدداً كبيراً من الفتيات المتعلمات يأتين للعمل في المطاعم خلال السنوات الأخيرة. ويقول لرصيف22: "زادت نسبة الفتيات العاملات في المطاعم بمقدار 100%. هناك من تركن تعليمهن الإعدادي أو حتى الجامعي، وهناك من أنهين تعليمهن الجامعي وجئن للعمل هنا نادلات".

وعن توزيع الأجر بين العمال، يقول الخطيب: "تُقدر المستحقات بحسب الكفاءة وطبيعة العمل. من المؤكد اختلاف أجر النادلة عن المحاسبة، كما يختلف الأمر بين نادل وآخر، فمن يقدم عشرين طلباً في اليوم لا يتساوى مع من يقدم تسعة".

لو تعلمت لكنت وجدت فرصة عمل أفضل من العمل في المطعم، أو لو خلقني الله رجلاً كنت لتقاضيت مبلغاً أكبر، فهنا يتقاضى الموظفون مبالغ أعلى منا نحن الفتيات. صحيح أن عملهم مختلف عن عملنا لكننا نتساوى في عدد الساعات، وننفذ كل ما يطلب منا

العادات والتقاليد

وتعتقد افتكار المخلافي أن زيادة الطلب من النساء على العمل في هذا المجال أدى إلى خفض أجورهن، فدائماً البديل موجود في حال الشكوى من تدني الأجر، ناهيك بإشكالية العادات والتقاليد التي تؤثر بشكل كبير على الأجور، فالمرأة تحمد الله بأن رب العمل وافق على عملها، ووضعها الاقتصادي يجعلها تقبل بأي مقابل كونها مجبرة وتتشبث بأي فرصة.

وتضيف: "ما يدفع أرباب العمل للتفرقة هو الثقافة الذكورية لديهم، بمعنى أن الرجل يعمل في هذا المجال من الأساس، والمفترض أنه الأحق بهذه الوظيفة".

في المقابل يرفض فواز الخطيب فكرة وجود تمييز لصالح الرجل، ويشير إلى أن الفرق هو في عدد ساعات العمل: "عادة ترغب النساء بالعمل في ساعات النهار فقط ونحن نقدم الخدمة حتى ساعة متأخرة من الليل، ومن ضمنها صرف "القات" الذي يكون أغلبه في المساء. وبسبب طبيعة مجتمعنا المحافظ لا يستطعن العمل بدوام كامل كالرجال، وهذا ما يُحدث الفارق".


هل يعني ازدياد العدد القبولَ المجتمعي؟

ترى أسمهان الأرياني، وهي ناشطة مجتمعية ومدربة في النوع الاجتماعي، أن الكارثة التي يعيشها اليمن منذ ست سنوات ألقت بظلالها على المرأة والرجل، لكن المرأة على الأغلب هي الأكثر تأثراً، إذ فقدت عائلها فاضطرها ذلك للعمل، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية متدنية وغير مستقرة.

ولا تستطيع الأرياني الجزم بشأن اقتناع المجتمع اليمني فعلاً بعمل المرأة واستقلاليتها، أم أنه أمر مؤقت بفعل الحرب والحاجة، لكنها تشير إلى أن المرأة التي تضطر للعمل تواجه تحديات أولها عدم إيمان المجتمع بدورها، ووجود نظرة نمطية لأدوارها خارج البيت، وهذا يعمل على الانتقاص من شأنها أثناء تأديتها أي دور جديد، والنظر إليها على أنها تخرج من المنزل لتغطية وقت فراغ وليس بسبب احتياجات أساسية أو لرغبتها في المشاركة بالحياة العامة، وقد تصبح وصمة للمرأة أنها خرجت للعمل في مكان معين كنادلة مثلاً بينما لا يعيب هذا العمل الرجل.

الوضع الاقتصادي للمرأة اليمنية يجعلها تقبل بأي مقابل كونها مجبرة وتتشبث بأي فرصة.

وتطرح الأرياني خلال حديثها مع رصيف22 تساؤلاً حول مستقبل النساء العاملات بعد انتهاء الحرب في اليمن: "هل ستفقد النساء عملهن الحالي وتعود الصورة إلى ما كانت عليه في السابق أم لا؟ فالمجتمع بشكل عام لا يؤمن بعمل المرأة وخروجها من البيت، وما أجبرها على ذلك حقاً هو الوضع الاقتصادي المتدني".

وتطرح الدكتورة المخلافي رأياً مشابهاً، فتقول إن الحرب أجبرت المستضعفات على العمل في مهن لا يتحقق لهن فيها الاستقلال المالي، وتضيف: "الوضع الاقتصادي للبلد أفرز فرص عمل دخلها لا يتناسب مع احتياجات الأشخاص، كعمل النادلات اللواتي يزددن من سنة لأخرى، وهذا لا يعكس انفتاح المجتمع وتطوره، وإنما واقع اقتصادنا المتدهور، فالناس اضطرت للعمل في أي مجال من أجل البقاء على قيد الحياة بكرامة ولو بأقل الأجور".


جهل بالحقوق

يتجلى ضعف المرأة أيضاً من جهلها أدنى حقوقها كما تصف المخلافي: "النادلات يعملن بدون أي عقود وبالتالي لا يستطعن اللجوء للقضاء للمطالبة بحقوقهن، ومن ثم يستغل صاحب العمل ضعف موقفهن ويحدد الأجر الذي يريده بحسب عدد ساعات الدوام، وهن معرضات للطرد بأي وقت فأمامهن القبول فقط، وهن أنفسهن لا يعرفن كم تبلغ أجور زملائهن".

لا بد لمنظمات المجتمع المدني من أن تتلمس احتياجات المرأة اليمنية، وتبدأ بتدريب وتأهيل النساء العاملات ودعم مشاريعهن الخاصة، حتى يخرجن وهن متمكنات يعرفن حقوقهن ويستطعن المنافسة في سوق العمل

وترى المخلافي أن أرباب العمل يخشون من إمكانية لجوء الرجال للمحاكم العمالية والمطالبة بحقوقهم، الأمر الذي يضعون له ألف حساب، بعكس النساء اللاتي يعملن بهذه المهنة وهن في الغالب غير متعلمات أو حصلن على تعليم بسيط أو متوسط في أفضل الأحوال، مما يسهل استغلال أرباب العمل بالمساومة على أجورهن، خاصة أن القانون لا يلزم رب العمل بشيء، إذ إنه لم يعيّن حداً أدنى للمستحقات وهذه مشكلة في قانون العمل اليمني، بحسب المخلافي.

وتدعو الناشطة أسمهان الأرياني لدعم المرأة وتأهيلها وتدريبها لتنافس الرجال، فهي تخرج بمهارات ضعيفة حين تقارن بمهارات الرجل مما يعطيها أعمالاً أقل شأناً، "فلا بد لمنظمات المجتمع المدني من أن تتلمس هذه الاحتياجات وتبدأ بتدريب وتأهيل النساء العاملات ودعم مشاريعهن الخاصة، حتى يخرجن وهن متمكنات يعرفن حقوقهن ويستطعن المنافسة في سوق العمل"، حسب تعبيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard