"قررنا اختيارك قائداً لثورتنا"... عزيز المصري الذي عُرف بالأب الروحي لـ"الضباط الأحرار"

السبت 19 ديسمبر 202006:37 م

في أربعينيات القرن الماضي، بدأت مجموعة من ضباط الجيش المصري تسخط على نظام الحكم الملكي في البلاد، واستقر التفكير على التحرك في ثورة يقودها الجيش والشعب معاً للخلاص من الملك فاروق. حمل هؤلاء في ما بعد اسم "تنظيم الضباط الأحرار"، وكانوا في مرحلة التأسيس عندما بحثوا عن قائد وملهم، حتى وقع الاختيار على الفريق عزيز المصري.

من هو الفريق عزيز المصري؟

وفقاً لكتاب "بقلم أنور السادات: قصص أدبية ومقالات صحفية"، للكاتبين خالد عزب وعمرو شلبي، وُلد المصري عام 1880 لأسرة سكنت العراق وانتقلت إلى مصر حيث درس المرحلة الثانوية في القاهرة، ثم التحق بالكلية العسكرية في الآستانة (إسطنبول حالياً)، ثم كلية الأركان، وتخرج منها عام 1904.

ويقول المؤلف صبري أبو المجد، في كتابه "عزيز علي المصري وصحبه... بناة الوحدة العربية الإسلامية": "أُطلق عليه في إسطنبول لقب ′قاهرة لي عزيز علي′، أي عزيز علي المصري، واعتُقل في تركيا يوم 9 شباط/ فبراير عام 1914، وهو خارج من فندق توكاتليان بعد الظهر، بعدما اقترب 3 من البوليس الملكي منه، ودعوه إلى دائرة البوليس".

لم يُذكر السبب الرئيسي وراء الاعتقال، بينما يكشف عزب وشلبي في مؤلفيهما ما حدث بعد ذلك: "حُكم على عزيز المصري بالإعدام، لكن أُطلق سراحه في 21 نيسان/ أبريل عام 1914، ونُفي إلى مصر، وهناك تقديراً لدوره الوطني والقومي واعترافاً بعبقريته العسكرية، اختاره محمد محمود باشا، رئيس الوزراء المصري عام 1928، مديراً لكلية الشرطة، فاستحدث فيها أساليب جديدة في التعليم والتربية، ما أثار إعجاب الملك فؤاد، ملك مصر".

ويضيف الكاتبان بالقول: "اختاره الملك فؤاد أن يكون الرائد الأول للأمير فاروق، ولي العهد آنذاك، ورُقي إلى درجة فريق، وعُيّن مفتشاً عاماً للجيش المصري، ليكون أول مصري يشغل هذا المنصب، لكن قدره أن يكون ثائراً باستمرار، فعزله الإنكليز من منصبه، وكانت المحطة الأخيرة في حياته العسكرية والسياسية ارتباطه بالضباط الأحرار".

ويكشف الكاتب محمد السيد صالح، في مؤلفه "عزيز المصري أبو الثوار"، أن اسم "عزيز" في الشعار الشهير "يا عزيز يا عزيز كُبّة تاخد الإنكليز" الذي عرفته القاهرة أثناء الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى ثورة 1919، يرجع إلى عبد العزيز زكريا علي، الشهير بعزيز المصري، أشهر ثائر عرفته مصر في تاريخها الحديث، بحسب قوله.

عزيز المصري يُلهب حماس السادات

نتطرق هنا إلى بداية علاقة الفريق عزيز المصري بـ"تنظيم الضباط الأحرار"، والتي يرويها بنفسه كما نقل عنه المؤلف محمد عبد الحميد في كتابه "أبو الثائرين عزيز المصري"، قائلاً: "كان أنور السادات أول من التقيت به من الضباط الأحرار، وبدأت صورته تتضح أمام عيني من خلال زياراته لي في بيتي خاصة في المواسم والأعياد، ثم التقيت به أثناء الحرب العالمية الثانية".

بموازاة ذلك، يكشف السادات، في كتابه "أسرار الثورة المصرية"، سر إعجابه وزملائه بالمصري، قائلاً: "كنا نعرف ما أراده لجيش مصر من قوة ومنعة، وبدأنا ننتعش بالنهضة الفعلية التي بعثها في الجيش، وكنا نسمع كثيراً عن القصص التي تُروى عن محاولاته الإصلاحية، والمشاكل والعقبات التي توضع أمامه".

ويضيف السادات "عندما خانه اللواءات وكان قائدهم وأسرّوا بما في نفسه للإنكليز، صدر قرار بالإقامة الجبرية له، والتي جاءت كناقوس كبير يدوي في آذاننا كي نبدأ العمل، وطال الحديث عنه، ولاح مني شدة اهتمامي بهذا الموضوع، وأبديت رغبة شديدة في ضرورة لقاء هذا الرجل الذي كان موقفه محور تفكيرنا".

حدثت المقابلة بين المصري والسادات بعد ذلك في إحدى العيادات الخاصة لطبيب، بترتيب من مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا الذي كان على صلة وقتها بالاثنين.

"كنا نعرف ما أراده لجيش مصر من قوة ومنعة، وبدأنا ننتعش بالنهضة الفعلية التي بعثها في الجيش، وكنا نسمع كثيراً عن القصص التي تُروى عن محاولاته الإصلاحية"... كيف ساعد الفريق عزيز المصري الضباط الأحرار في تنظيم أنفسهم وإنجاز مخططهم ضد الملكية؟

ويحكي الرئيس الراحل ما دار في اللقاء المرتقب: "قال لي: ′اعملوا وحدكم، واعتمدوا على شبابكم وإيمانكم′، وكان يتكلم بانفعال شديد، حتى كاد يغلبني البكاء، لكنه عاد إلى طبيعته الواثقة، وقال: ′إن كان معك خمسة أفراد مؤمنين، فإني على استعداد اليوم أن أحمل طبنجتي، وأتقدمكم لأي عمل لإنقاذ البلد′، وعندما هممت بالانصراف، شعر بالمسؤولية التي وضعها فوق كتفي، فقال مؤكداً: ′لن يكون خلاص للبلد إلا بانقلاب على أيدي العسكريين′".

ومن هنا كانت الانطلاقة الفعلية والتفكير الجاد في الثورة على النظام الملكي، بحسب السادات الذي يقول: "عندما خرجت من عنده كانت رسالتنا قد تحددت كهدف بعيد نستطيع أن نراه بأعيننا، وإن كنا لا نتبيّن الطريق إليه".

عبد الناصر في منزل عزيز المصري

بعد اللقاء المذكور، بدأ عدد من الضباط يذهبون إلى بيت عزيز المصري، ليعرضوا عليه رؤيتهم، ويستفيدوا من خبراته السابقة، ويتبينوا الطريق الذي ينوون السير فيه، وكان منهم جمال عبد الناصر الذي كادت خادمة المنزل زينب تعتدي عليه في لقائه الأول مع الفريق.

"كانت بداية اللقاء بجمال عبد الناصر مثيرة وغريبة، عرفته بشخصيته المناضلة من خلال موقف طريف، يبعث على الدهشة والضحك في آن واحد".

يروي المصري بنفسه تفاصيل الواقعة، كما نقل عنه كتاب "أبو الثائرين عزيز المصري"، فيقول: "كانت بداية اللقاء بجمال عبد الناصر مثيرة وغريبة، عرفته بشخصيته المناضلة من خلال موقف طريف، يبعث على الدهشة والضحك في آن واحد. ذات مساء كنت أجلس في حجرتي في منزلي في عزبة النخل في منطقة عين شمس، وجاءت إلي خادمتي زينب خير الله تطرق الباب في هدوء وتستأذن بالدخول، وأخبرتني أن هناك مجموعة من الشباب يرتدون الملابس المدنية يرغبون في لقائي والجلوس معي".

ويستمر الفريق في سرد تفاصيل الواقعة: "في هذا المساء كنت متعباً وأحس بالإرهاق، ومن هنا كان قراري أن أجلس وحدي ولا أقابل أي زائر، إلا إذا كانوا رجال البوليس، ومعهم أمر بالقبض علي والذهاب بي إلى السجن للتحقيق في أي شيء، فقلت لزينب وهي تنتظر الإجابة مني على مقابلتهم: إنني متعب، أرجو أن تقدمي لهم على الفور اعتذاري لتوعكي، وخرجت وأغلقت الباب وراءها، وبعد دقيقة وربما أكثر سمعت صوتاً عالياً، صوت زينب الهادئ كان قوياً هادراً يطلب من الزائرين الانصراف والحضور في وقت آخر، لأن حالتي الصحية غير جيدة".

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

يقول المصري: "ساد الصمت بعض الوقت، وبعدها سمعت صوتها مرتفعاً تنادي الطباخ لإحضار عصا غليظة (شومة)، وزادت الضوضاء في ردهة المنزل، وأقدام كثيرة تتحرك، وتصطدم بأرضية الصالة، فخرجت لاستطلاع الأمر، وعندما فتحت باب حجرتي، وتقدمت بضع خطوات داخل الصالة، وجدت زينب تمسك بالعصا وتتجه نحو شاب طويل أسمر تنوي الاعتداء عليه بشراسة عند مقدمة ظهره وكتفه، وطلبت منها في دهشة تفسيراً لما أراه أمامي، فتقدم الشاب خطوة إلى الأمام، ثم خطا أخرى، وكان الخجل بادياً على وجهه، وهو يقول: ′نأسف لما حدث، نحن أولادك يا باشا، نحن تلاميذك يا سيادة الفريق، نأسف لما حدث مرة أخرى، نحن نعرف تاريخك ومواقفك جئنا لنجلس معك، بل نحن في شوق لأن نجلس معك، نحن ضباط الجيش كان من المفروض أن يسبقنا إليك أنور السادات حتى يعرفك بقدومنا، ولكن للأسف لم نجده هنا ليقدمنا إليك... وأجزم أنه في الطريق إلينا الآن′".

وعلى الرغم من أن الرجل كان متعباً ولا يريد مقابلة أحد منذ لحظات قليلة، إلا أنه تجاهل كل شيء عند رؤية الشباب. هكذا وصف الأمر بالقول: "أمام هذه الكلمات سقطت مني أي حجة للاعتذار وعدم الجلوس معهم، ونسيت تعبي كله، وتقلصت بداخلي جميع همومي وشعرت بالانتعاش... أحسست بالحيوية تسري في جسدي كله، ونسيت كل شيء وأنا أدعوهم إلى الجلوس. تأسفت لهم لسوء التفاهم، وضحكت من أعماقي، لأن زينب كانت جادة وحاسمة في القرار الذي اتخذته بضرب الشاب الأسمر الطويل الذي كان يسطع من عينيه بريق يدل على الذكاء والفطنة، وهذا الشاب الأسمر لم يكن سوى جمال عبد الناصر، ولا أذكر من الأسماء سوى عبد الحكيم عامر وجمال سالم، وربما حسن إبراهيم".

عزيز المصري يرفض "الانقلاب"

شعر المصري بالسعادة بعد لقاء الضباط، كما يؤكد قائلاً في كتاب "أبو الثائرين عزيز المصري": "كان الجلوس معهم يعطيني الإحساس بالدفء العاطفي والراحة العقلية واسترخاء النفس المصحوب بالإعجاب، فكنت أحس بامتزاج ثورتي داخل ثورتهم، وتأكدت أن التغيير قادم لا محالة ما دام أمامي أمثال هؤلاء الرجال".

"لم أكن أريد أن أسلب القيادة منهم، ولقد أثبتت الأيام بعد ذلك حكمة قراري، عندما جاء محمد نجيب ليقود الثورة في بدايتها باعتباره صاحب رتبة كبيرة، ثم كيف حدث الخلاف الذي أدى إلى حجبه عن أداء وظيفته كرئيس للجمهورية، ثم إقالته وتحديد إقامته"... عزيز المصري الذي ساعد الضباط الأحرار بخبرته ونصائحه

بعد هذا اللقاء الأول، جاء الآخر مع عبد الناصر. "كنت أنا وأنور السادات وعبد المنعم عبد الرؤوف في انتظاره، وأذكر أن الحديث استمر قرابة 3 ساعات، وكان المتحدث الوحيد في هذه الجلسة"، حسب المصري الذي روى عن ذلك الاجتماع قائلاً: "لاحظت بعد ذلك في أحاديثهم أنهم يرددون كلمة انقلاب أكثر من الثورة، وكنت أقول لهم إن الانقلاب يمكن أن يعقبه آخر، كما كان يحدث في سوريا آنذاك، وطلبت منهم رفع شعار الثورة، لأن الثورة أقوى وأشمل، والشعب المصري عندما يقوم بتأييد ثورة الجيش، فهي بالنسبة له ثورة من داخله، لأنه رافض للملك والأحزاب والاحتلال، ويرغب في التغيير الشامل".

"ابحثوا عن غيري"

كانت الخطوة الأهم بعد هذه اللقاءات اختيار قائد لمجموعة الضباط. نظراً لما رأوه وما عرفوه عن المصري، أرادوا أن يكون هو القائد، إلا أنه رفض ذلك، واكتفى بكونه "أباً روحياً لهم".

يقول عبد المجيد في كتابه "أبو الثائرين عزيز المصري": "بعد ذلك كان هناك لقاء حاسم في منزل عزيز المصري، أبطاله جمال عبد الناصر وأنور السادات وصلاح سالم وعبد الحكيم عامر، بادره جمال بالقول: ′أنت تعرف عنا الكثير، وعرفت هوايتنا وكل خططنا وأهدافنا، وما عزمنا عليه من أجل مصر، وأننا في مجملنا أصحاب رتب متوسطة تقف عند البكباشي، وقليل جداً من يحمل رتبة القائم مقام، لذلك قررنا أن يكون لنا كبير، وأن يكون لنا قائد له قدره وقيمته وأهميته وتاريخه المعروف حتى يرضى عنه الشعب، لذلك قررنا اختيارك قائداً لثورتنا′".

تفاجأ المصري الذي كان عمره في ذلك التوقيت يقترب من الـ70 عاماً، ورد قائلًا: "أنا لا أريد هذه القيادة هروباً منها، ولكنني عازف عنها ورافض لها، ربما لأنني لست الشخص المناسب، أو أنني غير صالح لهذه المهمة، ابحثوا عن غيري، ولكن إن شئتم أن أكون صاحب رأي ومشورة، أو مساعداً في اتخاذ أي قرار، هذا أرحب به ويسعدني أن أقوم بهذه المهمة كأب روحي لكم".

ويؤكد المصري عدم ندمه على هذا الرفض القاطع، مبرراً ذلك بقوله: "لم أكن أريد أن أسلب القيادة منهم، ولقد أثبتت الأيام بعد ذلك حكمة قراري، عندما جاء محمد نجيب ليقود الثورة في بدايتها باعتباره صاحب رتبة كبيرة، ثم كيف حدث الخلاف الذي أدى إلى حجبه عن أداء وظيفته كرئيس للجمهورية، ثم إقالته وتحديد إقامته، ولم أكن أريد لنفسي أن أكون مكانه".

عبد الناصر يقابل زينب

بعدما نجحت ثورة 23 يوليو عام 1952، وعُيّن عبد الناصر رئيساً للوزراء، قابل زينب، خادمة المصري، مرة أخرى. يروي الأخير ما حدث في ذلك اللقاء بالقول: "أذكر أنه قال لزينب في إحدى زياراته بعد الثورة وكان ما زال رئيساً للوزراء: ′يا ترى يا ست زينب ماذا كان سيُقال ويسجله التاريخ لو أنك قمت فعلاً بضربي بالعصا، كانوا سيقولون: ضربت زينب عبد الناصر بالعصا في بيت عزيز المصري′، يومها ضحكنا حتى نفرت عروق وجوهنا، وكان من الحاضرين محمد نجيب وأنور السادات وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم".

وفي عام 1960، منح عبد الناصر بصفته رئيس البلاد المصري "قلادة النيل" التي تُعد أرفع وسام مصري، ويذكر الكاتبان عزب وشلبي، في مؤلفهما "بقلم أنور السادات: قصص أدبية ومقالات صحافية"، أن ذلك كان "اعترافاً بجميله وأبوته الروحية للضباط الأحرار"، واختارته الثورة ليكون أول سفير في الاتحاد السوفياتي ليعمل على إعادة تسليح الجيش، وذلك قبل وفاته في 15 حزيران/ يونيو عام 1965.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard