"الضباط الأحرار" و"الإخوان المسلمون"... كيف خرج التنظيم من رحم الجماعة ثم انقلب عليها؟

الأحد 13 ديسمبر 202011:09 ص

في أربعينيات القرن الماضي، انضم سبعة ضباط من الجيش المصري إلى جماعة "الإخوان المسلمين". وبعد عدة سنوات، وتحديداً عقب العودة من حرب فلسطين عام 1948، شكّل هؤلاء تنظيماً كان غرضه الأساسي التخلص من النظام الملكي، وإبعاد الملك فاروق عن عرش مصر، عُرف بـ"تنظيم الضباط الأحرار".

كُتبت شهادات عدة عن علاقة هؤلاء الضباط بالإخوان المسلمين في مرحلة الاستعداد لتأسيس تنظيمهم حتى محاولتهم الابتعاد عن الجماعة والتنصل من أي محاولة ليكونوا جزءاً منها، ومنها ما قيل عن شك رئيس الوزراء وقتها إبراهيم عبد الهادي بانتماء الضابط جمال عبد الناصر إلى الجماعة، فنفى الأخير ذلك، وبدأ في إبعاد الشبهة عن نفسه وعن التنظيم الجديد، رافضاً كل محاولات الجماعة جعله جزءاً منها.

كيف جذب الإخوان ضباط الجيش؟

يحكي أحمد عادل كمال، وهو قيادي سابق في النظام الخاص للإخوان المسلمين، عن بدايات انضمام ضباط الجيش إلى الجماعة، في كتابه "النقط فوق الحروف"، فيقول: "قسم الوحدات في النظام الخاص الذي كان يرأسه ضابط البوليس صلاح شادي، كانت مهمته الأساسية نشر الدعوة بين عساكر وضباط البوليس، وعساكر وصف ضباط الجيش، أما ضباط الجيش من الإخوان فكانوا شعبة من النظام الخاص، وكان محمود لبيب (وكيل الجماعة) سنارة الإخوان التي تدلت بينهم، فاستطاع أن يجتذب بعضاً منهم، ومن أكبر الرتب التي أقبلت إلى الإخوان عبد المنعم عبد الرؤوف، وجمال عبد الناصر، وأبو المكارم عبد الحي، وكمال الدين حسين وحسين حمودة".

عبد المنعم عبد الرؤوف

ويكشف حمودة، أحد أعضاء الإخوان في تنظيم الضباط الأحرار، في كتابه "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين"، أسماء الضباط المنضمين للجماعة، وما حدث بعد ذلك: "كانت الخلية الرئيسية في تنظيم الإخوان المسلمين داخل القوات المسلحة مكونة من سبعة ضباط، هم عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وسعد توفيق وخالد محي الدين وحسين حمودة وصلاح خليفة، وظلت تعمل سراً طيلة أربع سنوات وأربعة أشهر، بدءاً من عام 1944 حتى 15 أيار/ مايو عام 1948، لضم أكبر عدد ممكن من الضباط إلى صفوف هذا التنظيم السري، فاتسع نطاقه وتكونت خلايا جديدة فرعية منبثقة من الخلية الرئيسية".

الجماعة تؤسس النواة الأولى لـ"الأحرار"

يوضح الفريق عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار، في كتابه "أرغمت فاروق على التنازل عن العرش"، كيف نشأت النواة الأولى للتنظيم من رحم الجماعة، بقوله: "استطعت في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1942 أن أدعو ضابطاً من الكتيبة الثالثة لحضور درس الثلاثاء في دار المركز العام لجماعة الإخوان، هو النقيب جمال عبد الناصر حسين، ثم أتبعته بضابط ثانٍ هو الملازم أول حسين أحمد حمودة، ثم دعوت ضابطاً ثالثاً هو الملازم كمال الدين حسين من سلاح المدفعية، وكان منزله قريباً من منزلي في حي السيدة زينب، وكثيراً ما تجاذبنا أطراف الحديث أثناء ركوبنا (الترام) صباحاً متجهين إلى وحدتنا".

ويشير عبد الرؤوف إلى ازدياد أعضاء التنظيم بعد ذلك إلى 7 ضباط، قائلاً: "دعا حسين حمودة ضابطين، شقيق زوجته الملازم أول سعد توفيق من سلاح الإشارة (توفي عام 1962)، والملازم أول صلاح الدين خليفة الذي دعا زميلاً له من سلاح الفرسان هو الملازم أول خالد محي الدين، فاكتمل عددنا إلى 7 عام 1944، وواظبنا على اللقاء أسبوعياً في بيت هذا مرة، ومنزل ذاك مرة أخرى".

ويستكمل عبد الرؤوف شهادته عن تلك الفترة: "كانت أحاديثنا في هذه اللقاءات تتناول ضعف عتاد الجيش، وتصرفات الملك فاروق الخليعة، وحوادث الصهاينة المتصاعدة ضد الفلسطينيين، وتكالب الأحزاب على الحكم وكيفية تقوية خلايانا داخل صفوف الجيش".

ويتفق حمودة مع ما ذكره عبد الرؤوف، إذ يقول في مذكراته "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين"، تحت عنوان "التنظيم السري للإخوان المسلمين بين ضباط القوات المسلحة": "التقينا في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف في السيدة زينب في مطلع عام 1944، وكان عددنا سبعة ضباط هم حسب الأقدمية في كشف الجيش المصري آنذاك، اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف، واليوزباشي جمال عبد الناصر، والملازم أول كمال الدين حسين (عضو مجلس قيادة الثورة عام 1952)، والملازم أول سعد حسن توفيق، والملازم أول خالد محي الدين (عضو مجلس قيادة الثورة عام 1952)، والملازم أول حسين محمد أحمد حمودة والملازم أول صلاح الدين خليفة".

ويتابع حمودة: "حضر اجتماعنا الصاغ محمود لبيب، وكيل جماعة الإخوان المسلمين، وتكررت اجتماعاتنا مرة كل أسبوع في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف في السيدة زينب، وفي منزل جمال عبد الناصر في منطقة تقاطع شارع أحمد سعيد في شارع رمسيس (الملكة نازلي سابقاً)، وفي بيت خالد محي الدين في شارع الخليج المصري في الحلمية، وفي بيتي في حمامات القبة، ولم تنقطع أبداً من عام 1944 إلى 1948، ثم انقطعت اعتباراً من أيار/ مايو عام 1948 بسبب حرب فلسطين".

ويؤكد الرواية، من جهته، الكاتب عبد الله إمام، وهو أحد كبار مؤرخي الحقبة الناصرية في مصر، في كتابه "عبد الناصر والإخوان المسلمون"، إذ يقول: "العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار بدأت مبكراً، فكان بينهم عدد غير قليل من أعضاء جمعية الإخوان، فلم يكن التنظيم سياسياً موحد الفكر والأهداف، لكنه كان يضم مجموعة متباينة من الضباط الوطنيين الذين التقوا على عدد محدود من الأهداف، ولم يمنع ذلك أن يكون لكل منهم انتماؤه السياسي".

ومن ناحية أخرى، يوضح إمام كيف بدأت العلاقة بين الضباط والإخوان، بالقول: "تعرف خالد محي الدين على عبد الناصر في أواخر عام 1944، بواسطة عبد المنعم عبد الرؤوف، وتوطدت صلتهما معاً، وكانا على علاقة وثيقة بجماعة الإخوان عن طريق مسؤول اتصال هذه الجماعة الصاغ محمود لبيب، وكانت هذه المجموعة ذات الصلة بالإخوان تضم ضباطاً آخرين منهم كمال الدين حسين، وحسن إبراهيم وعبد اللطيف بغدادي".

"اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب. هناك قابلنا عبد الرحمن السندي، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تماماً... وضعنا يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا يمين الطاعة"... "الضباط الأحرار" و"الإخوان المسلمون" منذ بدء التنسيق إلى التنصل من العلاقة

وفي كتابه "صفحات من التاريخ"، يقول صلاح شادي، وهو كان مسؤول قسم الوحدات في النظام الخاص للجماعة: "اعتبر خالد محي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، أن أول نشأة للضباط الأحرار كانت نهاية عام 1948، ووصفه بأنه تنظيم فيه نسبة كبيرة من الإخوان المسلمين، وأن لجنته التأسيسية تكونت عام 1949".

عبد الرحمن السندي

ويقول كمال الدين حسين، وفق ما نقل عبد الله إمام في مؤلفه: "حركة الضباط الأحرار منذ دخلها عام 1944، لا يعرف لها هدفاً سوى الحكم بكتاب الله، وأنهم جميعاً عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وعبد المنعم عبد الرؤوف بايعوا على ذلك محمود لبيب والمرشد وعبد الرحمن السندي".

يمين الولاء للجماعة

بعد فترة من تعرف الضباط على الإخوان المسلمين، كان لا بد من حلف يمين الولاء للجماعة، وهو ما يحدث مع الأعضاء الجدد كافة.

يقول عبد المنعم عبد الرؤوف، في كتابه "أرغمت فاروق على التنازل عن العرش": "استدعاني وصلاح خليفة الصاغ محمود لبيب، وعرّفنا بالمرحوم عبد الرحمن السندي الذي شرح لنا متى وكيف سيتم أخذ العهد وحلف اليمين، وقد تم ذلك على النحو التالي، حيث ذهبنا نحن السبعة في ليلة من أوائل عام 1946 إلى المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين بالملابس المدنية حسب اتفاق سابق، وبعد أن تكامل عددنا، قادنا صلاح خليفة إلى منزل في حي الصليبة بجوار سبيل أم عباس، حيث صعدنا إلى الطابق الأول فوق الأرض، ونقر على الباب نقرة مخصوصة وسأل ′الحاج موجود؟′، وكانت هذه هي كلمة السر ففتح الباب، ودخلنا حجرة ذات ضوء خافت جداً مفروشة بالحصير، وفيها مكتب موضوع على الأرض ليست له أرجل، فجلسنا على الحصير ثم قادنا صلاح واحداً بعد الآخر لأخذ العهد وحلف اليمين في حجرة مظلمة تماماً، يجلس بها رجل مغطى بملاءة فلا تعرف شخصيته".

ويستكمل عبدالرؤوف شرح ما حدث في تلك الليلة: "بعد أن أعطى كل منا البيعة، عدنا إلى الحجرة الأولى ذات الضوء الخافت، فوجدنا شخصاً عرّفنا بنفسه، وذكر أن اسمه عبد الرحمن السندي، وقال إنه يرأس النظام الخاص للإخوان المسلمين، وهو تنظيم سري مسلح".

وبحسب المؤلف، "كان الذين بايعوا في هذه الليلة حسب الأقدمية في كشوف الجيش، النقيب عبد المنعم عبد الرؤوف من الكتيبة الثالثة مشاة، والنقيب جمال عبد الناصر حسين من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة، والملازم أول كمال الدين حسين من سلاح المدفعية، والملازم أول سعد حسن توفيق، والملازم أول خالد محي الدين من سلاح الفرسان، والملازم أول حسين محمد أحمد حمودة من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة والملازم أول صلاح الدين خليفة من سلاح الفرسان".

ويدعم قول عبد الرؤوف، ما ذكره حمودة، في مذكراته "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين"، حين كتب: "ذكر كل واحد منا اسمه ليتعرف علينا عبد الرحمن السندي، وكان الذي بايع في هذه الليلة بحسب الأقدمية في كشف الجيش المصري وقتذاك (الأسماء السبعة المذكورة لاحقاً)، وفي هذه الليلة تفاهمنا مع السندي على أن نُقوّم الإخوان من أعضاء التنظيم السري على استعمال الأسلحة".

ويروي محي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، في مذكراته "والآن أتكلم" التي صدرت عام 1922، في الفصل الثالث الذي وضع عنوانه "أنا وعبد الناصر والإخوان"، ما حدث أيضاً في تلك الليلة: "اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب، وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تماماً واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوي، ووضع يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام في المنشط والمكره (الخير والشر)، وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله".

من أطلق لقب "الضباط الأحرار" على التنظيم؟

تُرجّح جميع الروايات أن جماعة الإخوان المسلمين هي من أطلقت اسم "الضباط الأحرار" على التنظيم، وخصوصاً وكيلها الصاغ محمود لبيب.

ويقول المؤرخ عبد الله إمام، في مؤلفه "عبد الناصر والإخوان المسلمون": "يرى صلاح شادي، مسؤول قسم الوحدات في النظام الخاص لجماعة الإخوان، أن الجماعة كونت الضباط الأحرار، وهي التي أطلقت عليهم هذا الاسم، فحسن البنا كوّن نظاماً خاصاً للإخوان المسلمين يضم مدنيين وعسكريين يؤهلون تأهيلاً عسكرياً للقيام بأعمال فدائية يتطلبها نشاط الجماعة في الداخل والخارج، سواء في محاربة الإنكليز أو مواجهة عدوان الحكومات التي لا تخدم مصالحهم أو في الجهاد في فلسطين، وكان ارتباط جمال عبد الناصر وكمال حسين وغيرهم من الضباط ضمن تشكيل هذا النظام الخاص، له هذه الصيغة باعتبارهم من الإخوان المسلمين".

ويؤكد صلاح شادي في كتابه "صفحات من التاريخ" أن محمود لبيب، وكيل جماعة الإخوان المسلمين، آنذاك، هو من أطلق لقب "الضباط الأحرار" على التنظيم: "لما تكاثر عدد الضباط، بدأ الأستاذ حسن البنا رحمه الله يفكر في تشكيل قيادة خاصة لهؤلاء الضباط تكون مستقلة عن النظام الخاص، وأسند رئاستها للصاغ محمود لبيب، وكيل الجماعة، باعتباره ضابطاً سابقاً في الجيش، وكان الأخير على صلة بي يخبرني بما جرى في تشكيل هؤلاء الضباط في مختلف المناسبات، وكان يرى أن يجعل لهذا النشاط اسماً حركياً بعيداً عن الإخوان المسلمين، فسماهم الضباط الأحرار".

وليس هناك شهادة تثبت ذلك أكثر مما ذكره الرئيس عبد الناصر بنفسه، إذ يقول حمودة في مؤلفه "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين": "قال لي جمال عبد الناصر إنه اتفق مع محمود لبيب على أن يكون اسم التنظيم الجديد الضباط الأحرار حتى نبعد الشبهة عن الإخوان المسلمين، وكان ذلك قبل وفاة الأخير".

السادات يقدم رؤية مختلفة

في مقابل الروايات السابقة، يقدم لنا الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، رؤية مختلفة حول تسمية الضباط الأحرار، في كتابه "البحث عن الذات"؛ إذ يقول: "قام أول تنظيم سري من الضباط عام 1939، كان ضمن أعضائه عبد المنعم عبد الرؤوف وكان يعتبر الرجل الثاني بعدي، وعبد اللطيف بغدادي وحسن إبراهيم، وخالد محيي الدين وأحمد سعودي حسين، وحسن عزت والمشير أحمد إسماعيل".

وبحسب الرئيس الراحل، حاول حسن البنا أن يضم السادات إلى تنظيم الإخوان، فأجابه قائلاً: "أحب أن أقول لك بكل صراحة، نحن تنظيم لا يخضع ولا يعمل لحساب أي حزب أو هيئة وإنما لمصلحة مصر ككل، وأرجو أن يكون ذلك واضحاً منذ البداية"، مضيفاً: "لم يمض بعد ذلك وقت طويل حتى كان قد جند لحساب الإخوان عبد المنعم عبد الرؤوف، الرجل الثاني بعدي في تنظيم الضباط الأحرار".

ويؤيد عبد اللطيف البغدادي، عضو مجلس قيادة الثورة، هذا الرأي في مذكراته (الجزء الأول)، قائلاً: "فكرنا في عمل تنظيم سري عام 1940 بين ضباط الطيران والجيش لمقاومة الاحتلال البريطاني، واقترح حسن عزت اسم الملازم محمد أنور السادات لينضم إلى مجموعتنا، وكنا قد أطلقنا عليها اسم اللجنة التنفيذية للتنظيم... وأود أن أوضح أن هذا التنظيم الذي ذكرته ليس الضباط الأحرار الذي أقيم عقب انتهاء حرب فلسطين سنة 1948".

إبراهيم عبد الهادي يهدد عبد الناصر

بعد العودة من حرب فلسطين عام 1948، بدأ إبراهيم عبد الهادي، رئيس الوزراء آنذاك، يشك في سلوك الضابط جمال عبد الناصر، فحاول الأخير أن ينأى بنفسه وتنظيم الضباط الأحرار الجديد عن جماعة الإخوان المسلمين.

وينقل المؤلف عبد الله إمام عن عضو مجلس قيادة الثورة الضابط خالد محي الدين شهادته التي ذكرها لجريدة "الأهالي" المصرية، في تموز/ يوليو عام 1978، حول ما حدث مع عبد الناصر بسبب علاقته بجماعة الإخوان، قائلاً: "أبلغني الصاغ ثروت عكاشة، في يوليو/تموز عام 1949، أن إبراهيم عبد الهادي باشا استدعى جمال عبد الناصر للتحقيق يوم 24 حزيران/ يونيو 1949، بحضور اللواء عثمان المهدي، رئيس أركان حرب الجيش، ودار في الاجتماع تحقيق معه حول علاقته بجماعة الإخوان المسلمين، وكان الخيط الذي تمسك به إبراهيم في التحقيق أن البوليس قد عثر في أحد مخابئ الجهاز السري للإخوان على أحد الكتب السرية الخاصة بالقوات المسلحة التي تدرس صناعة واستخدام القنابل اليدوية، وكان على الكتاب اسم اليوزباشي جمال عبد الناصر".

وبحسب محي الدين، فـ"بعد تحقيق عنيف مليء بالتهديد، استطاع عبد الناصر الإفلات، متمسكاً بأنه كان قد أعار الكتاب لليوزباشي أنور الصيحي الذي استشهد في حرب فلسطين".

إبراهيم عبد الهادي

ويروي أحمد عادل كمال، القيادي السابق في النظام الخاص للإخوان، تلك الواقعة أيضاً في "النقط فوق الحروف"، قائلاً: "بعد العودة من حرب فلسطين، استدعى إبراهيم عبد الهادي الضابط جمال عبد الناصر إلى رئاسة مجلس الوزراء، وأخبره أنه نما إلى علمه أنه على علاقة بالإخوان، وأنه سأل عنه فعلم أن له أولاداً، ولذلك فإنه يسامحه هذه المرة بإنذاره، لكنه أقسم وتوعد لو عاد جمال إلى نشاطه فسوف يشرّده ويشرّد عياله".

"حجة عبد الناصر الرئيسية في الانفصال بجماعة الضباط الأحرار كانت في أن الشروط الخلقية التي يتطلبها الانضمام إلى الإخوان تعوق أغلب ضباط الجيش"... علاقة الإخوان المسلمين بتأسيس"الضباط الأحرار"، منذ البداية وحتى تنصّل التنظيم من العلاقة

ويكشف حسين حمودة في مذكراته، ما حدث بعد ذلك: "بقيام حرب فلسطين سنة 1948، توقف نشاط التنظيم السري للضباط، واستشهد عدد منهم في الحرب، وقد فاتحني جمال عبد الناصر في أوائل عام 1950 في إعادة تكوين التنظيم السري للضباط، وذكر أنه سيتكون من عناصر التنظيم السري السابق للإخوان المسلمين في القوات المسلحة، ومن عناصر أخرى من الضباط الذين قاسموه محنة الفالوجا، وسيحاول أن يضم عناصر أخرى من غير المتدينين بشرط أن تتوافر في الضابط صفة الشجاعة وكتمان السر".

ويروي حمودة أن عبد الناصر قال له إنه "بموت حسن البنا ومحمود لبيب انقطعت صلة الإخوان المسلمين بالتنظيم السري لضباط الجيش الذي بدأه الأخير عام 1943، وإنه يرى لدواعي الأمن قطع الصلة بعبد الرحمن السندي، رئيس التنظيم السري المدني للإخوان، وبخاصة بعد الحديث الذي دار بين جمال عبد الناصر وإبراهيم عبد الهادي، بشأن قيام عبد الناصر وبعض رفاقه من الضباط بتدريب شباب الإخوان المسلمين على استعمال الأسلحة قبل حرب فلسطين، فوافقته على عدم الاتصال بالسندي، ضماناً لأمن تنظيم الضباط".

عبد الناصر يبتعد عن الإخوان

يحكي أحمد عادل كمال عن بدايات انفصال جمال عبد الناصر عن جماعة الإخوان، في مؤلفه "النقط فوق الحروف"، فيقول: "كان عبد الرحمن السندي محبوساً حينذاك لاتهامه في قضية السيارة الجيب، ونظراً لإصابته بروماتيزم القلب، كان يتنقل بين السجن ومستشفى قصر العيني، وحين يكون في المستشفى يكون من الميسور زيارته هناك، وفي يوم زاره عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرؤوف وأبو المكارم عبد الحي وكمال حسين، وبينهم خلاف في الرأي كبير، عبد الناصر يقول إن ′منهج الإخوان طريق طويل ولا يوصل إلى شيء، فما جدوى أن نجمع الضباط في مجموعات لحفظ القرآن والحديث ودراسة السيرة؟ وما ضرنا لو انضم إلينا ضابط وطني من غير دين الإسلام، أفنرفضه لذلك فنحرم جهده معنا؟′، وكان عبد المنعم يناقض عبد الناصر في ما ذهب إليه، وكان كمال الدين حسين من وجهة نظره، كما كان أبو المكارم عبد الحي من وجهة نظر عبد المنعم عبد الرؤوف؛ فطلبوا عرض الخلاف على المرشد العام".

ووفقاً لأحمد عادل كمال، وافق المرشد على انفصال عبد الناصر، حيث "قال الأستاذ الهضيبي إنه ربما كان من الأصلح عدم وضع البيض كله في سلة واحدة، فليستمر الإخوان في طريقهم وليستمر جمال في طريقه، وكان هذا ما أراده الأخير، فأجاب بأنه سوف يستمر صديقاً للإخوان".

ويؤكد عبد الله إمام وجود وجهة نظر أخرى لدى الضباط الذين قاموا بالثورة، وبعضهم متعاطف جداً مع الإخوان المسلمين وكان عضواً فيها، ويقول: "جمال عبد الناصر لم يكن يمانع في الاتصال بالجماعة ضمن الشروط التي وضعها، وهي أن يظل تنظيم الضباط الأحرار بمنأى عن أية تنظيمات حزبية".

"اللي عايز يشتغل لا يفكر في أولاده"

بالطبع كان قرار عبد الناصر بالابتعاد عن الإخوان محل سخط بعض أعضاء الجماعة، حتى وإن كان ذلك بموافقة من المرشد العام حسن الهضيبي، ومنهم حسن العشماوي، أحد قيادات التنظيم الخاص، الذي نقل عنه المؤلف عبد الله إمام، قوله: "بدأت جماعة الضباط الأحرار أصلاً بمجموعة من الإخوان في الجيش، لكنها انفصلت عام 1948، حين استطاع جمال عبد الناصر أن يقنع رئيسه المرحوم الضابط المتقاعد محمود لبيب بانفصالها واستقلالها بكثير من أمورها الخاصة، على أن يكون اللقاء في الخطوط الرئيسية والأهداف".

ويرى العشماوي أن "حجة عبد الناصر الرئيسية في الانفصال بجماعة الضباط الأحرار كانت في أن الشروط الخلقية التي يتطلبها الانضمام إلى الإخوان تعوق أغلب ضباط الجيش"و إذ "لما انفصلت جمعية الضباط الأحرار، توسع عبد الناصر في ضم الضباط إليها بغير شروط، غير مجرد السخط على نظام الحكم، وهكذا ضمت تلك الجمعية أشخاصاً ينتمون إلى مختلف الهيئات السياسية في مصر".

وكشف عبد الناصر كيف حاولت جماعة الإخوان استغلالهم، وذلك خلال لقاء له مع الشباب عام 1965، حسب ما نقل المؤرخ عبد الله إمام في مؤلفه، قائلاً: "ابتدينا نتصل في الجيش بكل الحركات السياسية، ولكن مكناش أبداً في يوم أعضاء في الإخوان المسلمين، لكنهم حاولوا يستغلونا، فكانت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار موجودة في هذا الوقت، وكان معانا عبد المنعم عبد الرؤوف، وكان في اللجنة التأسيسية، وجه وضع اقتراحاً قائلاً: ′يجب أن نضم حركة الضباط الأحرار إلى الإخوان المسلمين′، أنا سألته ′ليه′، قال: ′دي حركة قوية إذا انقبض على حد منا تستطيع هذه الحركة أن تصرف على أولاده وتؤمن مستقبله′، فقلنا له: ′اللي عايز يشتغل في الموضوع الوطني لا يفكر في أولاده ولا مستقبله، ولكن مش ممكن نسلم الحركة علشان مواضيع شخصية بهذا الشكل، وحصل اختلاف كبير صمم عبد الرؤوف على ضم الحركة إلى الإخوان المسلمين، وإحنا كلنا رفضنا".

ويتناول حمودة الخلاف الذي وقع بين عبد الرؤوف وعبد الناصر، في مذكراته، قائلاً: "حدث بعد ذلك خلاف في الرأي بين جمال عبد الناصر وعبد المنعم عبد الرؤوف بخصوص تبعية هذا التنظيم السري للإخوان المسلمين كالتنظيم السابق الذي بدأه الأخير عام 1943 مع المرحوم محمود لبيب، ورفض جمال ذلك، ووافق باقي الضباط على رأيه، فانسحب عبد المنعم عبد الرؤوف من قيادة الضباط الأحرار، وحل محله عبد الحكيم عامر عن سلاح المشاة، وبقي الأول جندياً من جنود الثورة، وعندما نشبت اشترك فيها، وحاصر قصر التين في الإسكندرية، وأجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard