"هنا البيت الأخضر"... كيف تحوّل أجمل بيوت يافا إلى ثكنة عسكرية إسرائيلية؟

الثلاثاء 15 ديسمبر 202011:37 ص

يصعب على المار في شوارع يافا، سيما القديمة منها كـ "شارع الحلوة"؛ الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم "يفيت"، ألا تنجذب أنظاره نحو قصر التاجر اليافي حافظ الشيخ علي، المعروف بالبيت الأخضر.

منذ احتلاله عام 1948 وسرقة محتوياته وتهجير أهله، مرّ البيت بتحوّلات كثيرة، جميعها تندرج ضمن أشكال السلب والسيطرة الإسرائيلية. آخرها أن تحوّل إلى محكمة عسكرية. من بين مشربيات السور العالي الذي يحيط القصر ومن بين أشجار السرو والنخيل التي تحيطه، سيلحظ المارّ رؤوس المجنّدين والمجنّدات بزيهم العسكري.

لم يصل أي من الأولاد أو الأحفاد إلى البيت بعد أن أفرغ من سكانه عام 1948.

هكذا تحوّل البيت، الذي شيد عام 1934 من ثلاث طوابق يتكوّن الواحد منها من 800 متر، إلى علم وصرح من صروح يافا المشيرة إلى زمن كانت تتمتّع فيه المدينة ببعد حضاري ومدني قوي. ولا يبدو أنّ إسرائيل غافلة عن تحويل هذا البيت إلى رمز يقول للفلسطينيين المارين ما يقول. قصر ساحرٌ وبديع وضخم يتوسّط قلب يافا، أبقت إسرائيل عليه كما هو، تماماً كما هو. لونه الأخضر، شبابيكه الطويلة من الخشب والزجاج، الأباجور الذي يغطّيها، الأعمدة البيضاء والمشربيات، الرسوم على سقوفه، البوابة الخضراء وكل تفصيلة فيه، ليتحوّل كلّ هذا في ليلة وضحاها إلى ثكنة عسكرية.

هي نكبة عائلة

يعتبر البيت الأخضر واحداً من البيوت الضخمة التي شُيدت في يافا بعد خروج أهلها من أسوار البلدة القديمة عام 1871 حسبما يقول المؤرّخ يوسف عصفور لرصيف22. في جهتها الجنوبية، بدأ اليافيون الأغنياء ببناء بيوتهم الفخمة. "من بين هذه البيوت بيت الشيخ علي، وبيت دار البنّا، وغيرها من البيوت التي تقدّم لنا يافا في أوجها الحضاري والمعماري أواخر العشرينيات حتّى الثلاثينيات"، يقول عصفور.

ويضيف شارحاً الجانب العمراني: "من الضروري أن نلتفت إلى الأسلوب المحير لهذه البيوت. فالبيوت في قلب المدن الفلسطينية مثل يافا وعكّا والقدس ونابلس بُنيت بالأسلوب الأيوبي. أما البيت الأخضر فبُني على طراز النهضة الإيطالية. نرى الطوابق المرتفعة والباحات الطويلة والغرف على جوانبها، الأعمدة والأقواس. هناك من يعتقد خاطئاً بأنّه طراز عربي".

تصوير: رامي صايغ 

عاش صاحب البيت الشيخ علي وزوجته زغلولة بامية في يافا وماتا فيها. أما أولاده فتشتّتوا عام النكبة في أصقاع كثيرة، من أفرادها من وصل حمّانا في لبنان ومنهم من غادر لبنان ووصل إلى السعودية والكويت، حسبما تقول الحفيدة صفيناز إبراهيم الشيخ علي في مقابلة أجريت معها في يافا اليوم. ولم يصل أي من الأولاد أو الأحفاد إلى البيت بعد أن أفرغ من سكانه عام 1948.

جواد حمدان (86 عاماً) كان شاهداً على هذا الإفراغ: "كنت أمرّ من أمام البيت الأخضر قبل الاحتلال. كنّا نسكن حينها في حي المنشية حيث سكّة الحديد. يمرّ القطار تحت شبابيك بيتنا. كنت شاهداً حين دخل الاحتلال إلى يافا بالدّبابات والمشاة. في اليوم الثاني لدخولهم أخرجونا من بيوتنا إلى حي العجمي، وهناك أغلقوا علينا وصرنا نعيش في غيتو ونطلب التصاريح للخروج منه"، يقول حمدان لرصيف22 ويضيف: "رأيت بأمّ عيني كيف دخل الجيش إلى البيت الأخضر وسرقه. أخرجوا الأغراض والموبيليا الثمينة ورموها رمياً من الشبابيك العالية إلى الشارع حيث تنتظر الشاحنات".

قصر ساحرٌ وبديع وضخم يتوسّط قلب يافا، أبقت إسرائيل عليه كما هو. لونه الأخضر، شبابيكه الطويلة من الخشب والزجاج، الأباجور الذي يغطّيها، الأعمدة البيضاء والمشربيات، الرسوم على سقوفه، البوابة الخضراء وكل تفصيلة فيه، ليتحوّل كلّ هذا في ليلة وضحاها إلى ثكنة عسكرية

يذكر حمدان عائلة الشيخ علي والبيارة التي امتلكها حافظ الشيخ علي، وهي عبارة عن 250 دونماً، وكيف زُرعت بالحمضيات والتوت والأشجار المثمرة وتوسّطتها بركة سباحة. يؤكّد المؤرّخ يوسف عصفور ضمّ البيت الأخضر داخل الغيتو الذي بناه الاحتلال: "التُقطت صورة في بداية الخمسينيات للشارع، فظهر السلك عند حدود البيت الأخضر كحدّ للغيتو الذي بناه الإسرائيليون".

تتداول رواية أخرى بين اليافيين تقول بأنّ عائلة الشيخ علي كانت تتواجد في أمريكا ساعة احتلال يافا بهدف تلقّي العلاج من مرض السلّ. وفي هذه الحالات سيعتبر الاحتلال البيت أو العقار ملكاً لمن يسمّيهم بالـ"غائبين" ويسمّيهم الفلسطينيون باللاجئين. لكنّ التأريخ لا يؤكّد الرواية الصحيحة. قد يكون تهجير أو بقاء أي عائلة يافية في يافا مرتبطاً بعوامل عديدة، منها قسري ومنها إرادي. "خلال ثلاثة أيام كان المسؤولون قد سلّموا يافا وانتهى الأمر. كنت في الثانية عشر من عمري. ذهبت في طريقي لشراء بعض الحاجيات فأصابتني قنبلة وأقلّوني إلى المشفى. وحين عدت إلى البيت وجدت العائلة تتحضّر للرحيل. لكنّ أمي وقفت وقالت: "بدنا نضلّ هون، اللي بصير على الناس بصير علينا"، يقول جواد حمدان.

"البيوت في قلب المدن الفلسطينية مثل يافا وعكّا والقدس ونابلس بُنيت بالأسلوب الأيوبي. أما البيت الأخضر فبُني على طراز النهضة الإيطالية"

محطّات في حياة البيت

"في بداية سيطرة إسرائيل على البيت الأبيض عام النكبة، استخدم طابقه الأوّل كمكتبة تجمّعت فيها الكتب التي نهبها الجيش من البيوت اليافية ومن مؤسسات مثل مدرسة حسن عرفة. هناك من استطاع أن يهرّب كتبه، ومن لم يفعل نهب الجيش كُتبه ووضعه في البيت الأخضر"، يقول يوسف عصفور لرصيف22.

ثمّ في عام 1951 استولى الجيش على البيت واستخدمه كمكتب استخباراتي، حسبما يشير ملفّ توثيقي أعدّ في جامعة تل أبيب. وفي عام 1968 استلمت البيت سلطة التطوير، وكان تحت إدارة عميدار (وهي شركة حكومية تأسّست عام 1949 تدير شؤون أملاك اللاجئين في فلسطين).

في ذلك الوقت تحوّلت الكثير من بيوت يافا إلى ثكنات عسكرية. يقول عصفور: "حتّى عقود متقدّمة؛ في السبعينيات والثمانينيات، كانت يافا مليئة بمعسكرات الجيش وإذاعة الجيش وثكنات عسكرية كان البيت الأخضر إحداها. كان ثمّة عسكرة منظّمة للحياة المدنية والمدينة. وفي ذلك قهر متعمّد للسكان الأصليين".

هكذا عاش صبحي أبو شحادة (70 عاماً) شبابه، فيقول: "أذكر البيت الأخضر كموقع عسكري، جميع بيوت شارع الحلوة تحوّلت إلى مواقع عسكرية دون استثناء. هذا البيت وبيوت أخرى ظلّت على حالها لكنّها سُلبت من أصحابها على اعتبار أنّها ملك للـ"غائبين". ستجد إسرائيل كلّ الأسباب كي تستولي على هذه الأملاك".

أمّا اليوم، فتستعمل إسرائيل البيت الأخضر كمحكمة عسكرية للواء المركز وسلاح الجوّ والجبهة الداخلية والنيابة العسكري، بحسب ملف جامعة تل أبيب. وفي السنوات الأخيرة جرى الحديث عن تحويله إلى فندق لكن يبدو أنّ هذه المسألة لم تتقدّم في العلن. وكانت مؤسسات يافية طالبت الدوائر الحكومية إخلاء المبنى وتحويله إلى مبنى خدماتي لأهالي يافا، لكن لا حياة لمن تنادي.

أيهما أرحم: أن يُهدم البيت أم يستولي عليه الجيش؟

توقّف البيت الأخضر، لحظة النكبة، عن أن يكون مجرّد بيت جميل. وصار بالنسبة لأهالي يافا رمزاً يحمل معانٍ يشكّلونها من حاضرهم وماضيهم. "ليست تمرّ المصادفة في أنّ لون البيت أخضر والجيش الإسرائيلي يلبس الأخضر. أجيال فلسطينية نشأت على مشهد الجنود والمحاكم والثكنات العسكرية. نشأت على أنّ هذا القصر هو سجن مُخيف، لا يمكن دخوله أو تصويره، والأنكى أنّه نُهب عن طريق القانون"، يقول يوسف عصفور، ويتابع: "لك أن تتخيلي كيف كان يأتي ابن غزّة عام 67، الذي هُجر من يافا. يأتي في زيارة ويشاهد هذا القهر. كذلك السكان الأصليين الذين بقوا في يافا عاشوا بين المعسكرات، سوف لن يرون يافا العربية".

من جانبه، يتساءل ابن الجيل الثالث، الناشط السياسي وعضو المجلس البلدي عبد القادر أبو شحادة: "في الحقيقة، يُمثّل البيت الأخضر كل شيء خارج يافا الحقيقية. تساءلت في قرارة نفسي؛ أي سيناريو هو الأفضل: أن يتملّكه الجيش أم أن يتحوّل إلى ملك خاص؟ لا أعرف. لدي شعور بأنّ وجود الجيش أقلّ قهراً من أن تحوّل إلى ملك عائلة يهودية غنية تعيش في باريس. سؤال آخر يراودني؛ هل نفضّل أن يُهدم البيت؟ هل سيُشعرنا ذلك بقهر أقلّ؟".

ويضيف: "نميل أحياناً إلى الاعتقاد بمفاهيم الرّأسمالية، بأنّنا إن صرنا أغنياء سنتمكّن من إيجاد حلّ لمشكلة الاستطباق (الجنترة). لكن المشكلة ليست في الملكية، بل في السيادة". على ذلك يفضّل عبد أبو شحادة أن يظلّ البيت مهجوراً، كأنّ الوقت تجمّد فيه وأبقاه على حاله، كما يقول. أمّا سمية حمدان فتعبّر عن المشاعر التي تعتريها حين تمرّ من أمام البيت قائلة: "نحن نشعر بأسى كبير أمام هذا المشهد. أذكر بأنّ قمّة هذا الأسى تجسّدت في مسألة السرقة؛ سرقة ممتلكات وأثاث وأغراض العائلة من البيت. لقد درجت السرقة حينها وأذكر أشخاصاً كثيرين كانوا يبيعون ما يسرقونه".

لقد شكّل الاحتلال البصري وقصّة البيت الأخضر في يافا، عند اليافيين، دلائل جلية على فهم مرامي دولة الاحتلال. "كنّا على وعي بما يحصل. يافا، أكبر مدينة في فلسطين، تتحوّل إلى حارة من حارات تل أبيب. هذا كان حلم بن غوريون الذي قاله بفمه".

لقد شكّل الاحتلال البصري وقصّة البيت الأخضر في يافا، عند اليافيين، دلائل جلية على فهم مرامي دولة الاحتلال. "كنّا على وعي بما يحصل. يافا، أكبر مدينة في فلسطين، تتحوّل إلى حارة من حارات تل أبيب. هذا كان حلم بن غوريون الذي قاله بفمه"

بيوت اللاجئين لعبة بيد الأغنياء

لعلّ البيت الأخضر حظي بالشهرة الأوسع، إلا أنّه واحد من بيوت كثيرة استولى عليها الجيش وسلّمها لدائرة أراضي إسرائيل التي اتخذت مسؤوليتها على أملاك اللاجئين ثمّ أخذت، في خطوة منافية للقانون الدولي، ببيعها للقطاع الخاصّ.

"أجمل البيوت لأغنى عائلات في يافا سُرقت. دائرة أراضي إسرائيل أخذت تبيع البيوت فتتحوّل إلى فنادق. سُلبت كذلك البيارات وليس البيوت وحسب. أحد اليافيين امتلك قصرين وسبع بيارات ثمّ شوهد يشحذ في بيروت. هذا ما حلّ باللاجئين"، يقول صبحي أبو شحادة، ويتابع: "أنا وُلدت في الغيتو. ولدت حين تقلّصت يافا من 130 ألف نسمة إلى ألفي نسمة فقط. وشاهدت من عاد من اللاجئين ولم يستطع أن يدخل بيته ليراه من الداخل".

ويقول جواد حمدان: "أذكر الأحياء وهي فارغة من أهلها. لقد هجّروا الناس ونهبوا بيوتهم. المشهد كان مريعاً. مشهد حي العجمي والنزهة وهما فارغين. أصحاب البيارات كذلك، لم يتبقّ منهم أحد. إن كانوا هدموا المستشفيات، فكيف بالبيوت؟ كان واضحاً بأنّ خطّتهم كبيرة وجهنّمية".

"نميل أحياناً إلى الاعتقاد بمفاهيم الرّأسمالية، بأنّنا إن صرنا أغنياء سنتمكّن من إيجاد حلّ لمشكلة الاستطباق (الجنترة). لكن المشكلة ليست في الملكية، بل في السيادة"

لا يمكن الحديث عن يافا قبل النكبة؛ عن بيوتها وبياراتها، دون ذكر الحياة الثقافية فيها. يقول المؤرّخ يوسف عصفور: "صحيح أنّ فئة كبيرة عملت في التجارة والبرتقال، لكنّها قامت أيضاً بتعزيز المراكز الثقافية ودور السينما. بدأ بعض الأفراد في منتصف الثلاثينيات بالاهتمام بالسينما. أوّلهم إبراهيم سرحان الذي صوّر دخول الملك فيصل والملك عبد العزيز إلى ميناء يافا. ثمّ درس أحد أبناء الشيخ علي في هوليوود وعمل فيها".

ينصّ القانون الدولي على وجوب أن تحافظ الدولة على أملاك من هجّروا أو غادروا ديارهم في حالة حرب. "لكنّ القانون الدولي مليء بالثغرات مثل الجبنة السويسرية"، يقول عصفور. "بعد أشهر قليلة من بداية الاحتلال أضيف على القانون أنّ الملكية لن تعود لمن لم يتواجد في بيته خلال الأشهر الأولى من عام النكبة. وإن تواجد في أرض عدوّة أو دولة عدوّة. كما أنّ إسرائيل وضعت جهة مثل دائرة أراضي إسرائيل لتكون مسؤولة عن هذه الأملاك وهي جهة نصف حكومية، ما يعني أنّنا لا نستطيع محاكمتها".

هكذا تمّ الاستيلاء على بيوت يافا، على نحو مستمرّ حتّى يومنا هذا. فالسلطات تبيع هذه البيوت بمزاد غير مكشوف، كما يقول عصفور. هذه هي ألعاب السيطرة والسوق، يضع المستوطنون ملايين الشواكل لشراء البيوت. وكان أشيع خبر عن إعلان دائرة أراضي إسرائيل البيت الأخضر للبيع، وكان تكلفته تقدّر بـ16 مليون دولار! الفلسطينيون يعرفون أنّ الجيوب الوحيدة التي تحمل هذه المبالغ هي جيوب يهود العالم الأغنياء التي تدعوهم إسرائيل إلى "العودة" إلى أرض الميعاد. هكذا يتوفّر المال وتتوفّر الغربلة العرقية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard