"الاحتجاجات الجميلة" تفجّر نوستالجيا التعبير السياسي

الجمعة 18 ديسمبر 202002:15 م

من المثير للاهتمام أن يصدر اليوم كتاب بعنوان "الاحتجاجات الجميلة" بُعيّدَ زمن الاحتجاجات "الربيعية"، ليتحدث عن زمن نقول عنه الزمن الجميل (منتصف القرن العشرين)، كما تعدّه الكاتبة أنيكا لينسن زمن "الاحتجاجات الجميلة"؛ كأننا نحن السوريون محكومون بـ نوستالجيا الاحتجاج. هذا يذكرنا بقولة عبد الناصر في زمن الوحدة ما مفاده أن وراء كل سوري سياسيٌ كبير.

الاحتجاج

مصطلح الاحتجاج Agitation مفهوم مهم في علم الاجتماع السياسي يخشاه السياسيون ويُحدث لديهم حالة من الذعر؛ لكن في سوريا منتصف القرن العشرين كان هذا الاحتجاج جميلاً، ما عبرت عنه الباحثة والكاتبة الأمريكية، الدكتورة أنيكا لينسن Anneka Lenssen، حول الفن السوري الحديث وكيف بيّن معالم منطقة متنازع عليها؛ وذلك عبر كتاب صدر حديثاً : "الاحتجاجات الجميلة: الرسم الحديث والسياسة في سوريا"، Beautiful Agitation: Modern Painting and Politics in Syria, UC Press 2020.

ذلك على أعقاب تغطية رصيف22 للمقابلة التي أجريت مع أنيكا لينسن عبر الانترنت من خلال (حوارات عفكرة)؛ لمناقشة ذلك الكتاب. يجدر القول بأن لينسن متخصصة في الرسم الحديث والممارسات المرئية المعاصرة، ومهتمة بشكل خاص بالسياسات الثقافية للشرق الأوسط. حصلت لينسن على درجة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT في برنامج: تاريخ العمارة والفنون ونظريتها ونقدها، عبر برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية.

تدرّس حالياً في جامعة بيركلي Berkeley، مقررات متعلقة بالفن الحديث والثقافة الجماهيرية العالمية، والتجريد واللاأيقونية Aniconism، والتأريخ بالإضافة إلى دورات خاصة حول الثقافة البصرية للفن الإسلامي. كما تولت لينسن في عام 2013، منصب إدارة برنامج الثقافات البصرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

في ظروف سوريا الحديثة، كمنطقة متنازع عليها، تقع عند تقاطع أنظمة جيوسياسية متباينة في تمثيلها السياسي، جازف الفنانون بتطوير أنواع جديدة لافتة للانتباه من الرسم، في محاولة ربط لوحاتهم بالقوى الحية و"الطاقات الاحتجاجية"

ماذا لو لم تكن اللوحة مسّاحة مُسطحة؟ ماذا لو طوّر الفنانون أعمالًا تتمحور حول "انعدام الشكل" مثلما يفعلون مع الشكل؟ كيف يمكن استخدام صور ولوحات الفنانين السوريين لرسم خارطة طريق نحو الانعتاق، ومنْ قبل مَن؟ هل يمكن اعتبار اللوحات مستندات تاريخية؟ هي لا توّثق لمرحلة معينة فحسب، بل ترسم معالمها وتُبلورها عبر ضربات فرشاة الرسامين فتبرز ملامح تلك المرحلة. اللوحات ليست شواهد على حقبة تاريخية بل ترسم التاريخ.

ظروف سوريا الحديثة والفن

تبحث لينسن في ظروف سوريا الحديثة، كمنطقة متنازع عليها، تقع عند تقاطع أنظمة جيوسياسية متباينة في تمثيلها السياسي. حيث جازف الفنانون أنذاك بتطوير أنواع جديدة لافتة للانتباه من الرسم، في محاولة ربط لوحاتهم بالقوى الحية و"الطاقات الاحتجاجية" Agitated Energies)) ، تعبير استعملته لينسن بطريقة فريدة، كما عدته أيضاً (اهتياج/ احتجاج/انفعال/قلق /تحريض/ خضخضة) ترجمات باللغة العربية لا ترقى إلى المفهوم (Agitation) باللغة الانكليزية الذي يحمل مَعْنيين متباينين: الأول التوتر والقلق، والثاني الموقف الذي يحتج فيه الناس، خاصة في الأماكن العامة، من أجل تحقيق نوع معين من التغيير، حسب تعريف قاموس كامبريدج.

لكن في عنوان كتاب لينسن يتداخل المَعْنَيين حيث يلتقي القلق من تحويل سوريا إلى منطقة صراع، الاحتجاج الفكري والثقافي، و"الجميل" حسب تعبير لينسن الذي نظمه فنانون سوريون من خلال (الفن التشكيلي الجميل) من أجل منع ذلك. وتضيف لينسن مستوى ثالث من الدلالة بوصفه احتجاجاً جميلاً Beautiful Agitation  صادراً عن فئة تتمتع بحس رهيف وتعبر عن موقفها  بفنونها الجميلة. وقد كانت مادتها البحثية للبرهان على ذلك مراجعة وفحص أعمال كلاً من الفنانين: خليل جبران، وأدهم إسماعيل، وفاتح المدرس.

مشاكل التمثيل الفني

تبحث لينسن مشاكل التمثيل الفني فيما يتعلق بعولمة التخيلات حول الإمبراطورية والقومية والشيوعية وإنهاء الاستعمار وعدم الانحياز في العالم الثالث. يعد كتابها الاحتجاجات الجميلة: دراسة للرسم الطليعي بين عامي 1900-1965، وكيف تم صناعة سوريا كمنطقة متنازع عليها. يستقرئ الكتاب الأفكار الناشئة حول الشكل الفني والتنشيط الاجتماعي داخل أنظمة التمثيل السياسي الجديدة؛ بدءاً من حكم الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى إلى التعبئة الجماهيرية للأحزاب الإيديولوجية الموجهة للشباب، إلى الدبلوماسية الثقافية للحرب الباردة.

 الكثير من الفنانين السوريين يعلقون على جدران بيوتهم الدمشقية القديمة، صورة فاتح المدرس، ذلك المفكر اللامع والفنان السوري المتوفى، الذي يصعب محو ذكره 

كما تستطلع لينسن النماذج المتعددة الأبعاد للرسم في الفن السوري الذي نشط على مدار القرن العشرين. يسلط البحث الضوء على أمثلة لنظريات "معارضة للصورة"، والتي تؤكد على الوجود المُتوزع والمشتت، بما في ذلك اللوحات اللاشكلية Unformed Paintings التي رسمها الحدّاثي السوري فاتح المدرس (1922-1999) ؛  كما تنتقد تلك النظريات سرديات الابتكار للأكاديمية الأوروبية، التي كانت متمحورة حول ذاتها.

الاحتفاء بـ"فاتح المدّرس"

تقول لينسن في مقدمة بحثها "كتبت وأعدت كتابة هذا الكتاب مراراً، لكن جل الأمر بدأ في 2007 حينما كنت متخرجة حديثاً أتيت إلى دمشق لتعلم اللغة العربية. في ذلك الوقت كان المشهد الثقافي السوري يتوسع في حي فني في دمشق القديمة (تقصد به حي القيمرية) حيث كان من السهل علي الوصول والتواصل مع نخبة من الفنانين والنحاتين  السوريين، الذين أتوا بعد مَنْ سأتحدث عنهم هنا في كتابي." وقد لاحظتْ أنيكا عند زيارة استديوهات ومشاغل هؤلاء الفنانين، أن الكثير منهم يعلقون على جدران تلك البيوت الدمشقية القديمة، صورة فاتح المدرس، ذلك المفكر اللامع والفنان السوري المتوفى، الذي يصعب محو ذكره الخالد من ذاكرتهم.

معظم الفنانين السوريين عاصروا المُدّرس وتتلمذوا على يديه، لكن ما لا يعرفه الجميع أنه خلّف لنا بالإضافة إلى اللوحات عدداً كبيراً من الكتابات

تشهد "صورة المدرس المعلقة" التأثير العميق في وجدان جيل كامل من الطلاب الذين ألهمهم "الفاتح" لعقولهم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. استرعت هذه الممارسة انتباه لينسن، كظاهرة فريدة تستدعي في نظرها تحديد موقع الممارسات الفنية المعاصرة في ظل المشهد الفني السوري الذي أشتمل على كلاً من مؤيدي ومنتقدي المدارس الفنية الأكاديمية.

أتفق هؤلاء المتعارضين على الاحتفاء بفاتح المُدَرس وصفوفه التي اتسمت هي نفسها بالاستخفاف والسخرية بالمدارس الأكاديمية. فمعظم الفنانين السوريين عاصروا المُدّرس وتتلمذوا على يديه، لكن ما لا يعرفه الجميع أنه خلّف لنا بالإضافة إلى اللوحات، عدداً كبيراً من الكتابات، لديه مجموعة قصصية تتضمن قصة عود النعناع، التي قدم فيها أسلوباً فريداً عن العلاقة بين الكلمة المخطوطة بعناية، واللون والحس الفني الذي يشعر فيه المصور.

يتميز بين الفنانين السوريين بغزارة انتاجه وتحولاته الفنية ‏‏‏ بدءاً من مرحلة التصوير الواقعي ثم تحوله إلى التصوير السريالي في فترة الخمسينيات، وبعد أن ذهب إلى روما أخذ اتجاهاً آخر ساير فيه المدارس الرمزية الأوروبية بشكل خاص، حيث اتسمت هذه الفترة بمد كبير للرمزية في ايطاليا و فرنسا.‏‏‏

تؤكد لينسن في كتابها على أن القارئ الحَرفي لأعمال المدرس، يرى فيها الموضوعات المثالية لتجسيد "الوطنية" مثل موضوعات (الأم- الطفل- الريف)، فيما يرها المشاهد المتنبه لتكتيكات الانكماش Deflationary Tactics  عند المدرس بطريقة مغايرة، حيث تركز بشكل خاص على انخراطه في الديناميات النفسية للتعبير الإبداعي. حيث كان ينتمي المدرس إلى دائرة رائدة مهتمة بالنظرية السريالية والتحليل النفسي، وقد طوّر رؤية "اللاوعي الجماعي" الشبيه بخزان بُنيّ على انقاض التاريخ المظلم للدوافع المكبوتة. في أوائل الستينيات بعد عودته من روما، سعياً لبدء مسيرته المهنية كرائد حداثي، أجرى مقابلات تحدث فيها عن" المخزون" كمفهوم تجده لينسن مفتاحياً حيث هو التراكم التاريخي لطاقات المجتمع الكامنة.

خليل جبران وعاصفة اليقظة

تتتبع لينسن مسيرة خليل جبران (1883-1931) في الفصل الأول من كتابها: "الرومانسيون العرب: خليل جبران وعاصفة اليقظة"، وهو فنان وكاتب رومانسي رمزي عاش الشتات السوري في أمريكا الشمالية كما تزعم. لكن منذ وفاته، أصبح يُنظر إلى جبران على أنه فنان لبناني ساعد في تحديث الأيقونية في سياق المسيحية الوطنية. لكن عند وفاته اعترف به المعاصرون باعتباره مفكرًا سوريًا راديكاليًا لديه ولاء للشمائل الروحانية الحرة التي تتجاوز جميع "الأديان المُنَظَمة" Organized Religions . هذا اعتراف من باحثة أكاديمية موضوعية بوحدة سوريا الكبرى.

اشتهر جبران بكتابه النبي1923 ، الذي ضمن له مكانة مرموقة ككاتب رائد في المهجر. والذي عزى- كلود براغدون، مهندس معماري ومنظّر في نيويورك- شهرة الكتاب أنه استقاه "من مخزون كبير من الروحانيات، وإلا لما كان عالمي وقوي للغاية ". كان جبران مهتمًا بجعل مخزون "الحياة الروحية" رأس المال السياسي للمجتمعات السورية أي سوريا الكبرى والتي لم تكن قد وصلتها بعد الرأسمالية الغربية. ومثل العديد من المثقفين الناطقين بالعربية في الإمبراطورية العثمانية، حاول جبران تعزيز الروابط الروحية بين سكان سوريا الكبرى كدفاع ضد الإهمال والاضطهاد التركي.

يقدم "الاحتجاجات الجميلة" منهجية فريدة، تشرح كيف قام الرسامون السوريون بتفعيل اللااستقرارية الشكل (Mutability of Form  )لإعادة النظر في العلاقات بين التشكيل الفني وأرض الواقع، وبين الشكل الخارجي والحضور الداخلي، وبين الذات والعالم

 لكنه لم يكتسب جبران شهرة كرسام، كما شهرته ككاتب، في النقد الفني العربي؛ غير ان لينسن أبرزت نهجه التشكيلي الحداثي، الذي يهدف إلى التقاط الروح الجمعية وإظهارها في العالم الطبيعي. فقد رسم جبران بغزارة، ووزع صوره بكثرة كرسومات توضيحية في كتبه. تلقى جبران تدريبه الفني في بوسطن في أواخر العصر الفيكتوري في بيئة المصور فريد هولاند داي، وصاغ مواقفه الجمالية وسط مفكرين مهتمين بالروحانية والنظرية العابرة  Transcendentalism، الذين تحالفوا مع الحساسيات "الشرقية" ضد التطوير الحضاري الغربي المفرط.

وقد قدمت لينسن استعارة لفظية فذة اسمتها "عاصفة اليقظة" مستوحاة من كلمات أمين الريحاني، الذي دعا في عام 1909 الشعب العربي إلى إثارة عاصفة من الأرواح المُحتجة  Agitated Spirits  كنهج لإطلاق ثورة ضد الأرثوذكسية الدينية والسياسات القمعية.

أدهم اسماعيل والثقافات البصرية في العالم الاسلامي

استهلتْ لينسن مقالها في المجلة السنوية موقارناس، التي تُعْنى بالثقافات البصرية في العالم الاسلامي، بخطاب وَجهّهُ أدهم أسماعيل إلى فنان عراقي في دعوة لإعادة إحياء الابداع العربي وقد صبغته لينسن بصبغة دينية باطلاق تسمية البعث من جديد resurrection. يقع المقال تحت عنوان "أرابيسك أدهم أسماعيل: صناعة الرسم الراديكالي في سوريا" و الذي حاز على جائزة مارغريت ب. سفنسكو التي قدمتها جمعية مؤرخي الفن الإسلامي.

يلخص الخيال كلّ شيء في الإنسان، إنه روح وجودنا، وليس الفن سوى أثر ضئيل لذلك الخيال .وهل لدينا أي شيء نحتفل به أكثر من الخيال؟

وليست الحركات الدينية والعقائدية مَنْ توصف بالراديكالية بل أيضاً الفنون الجميلة، فتضع لينسن أمامنا جماليات الاحتجاج الراديكالي من خلال أعمال الفنان السوري أدهم إسماعيل الآتي من عاصمة القيامة الكنّسية انطاكية. والذي التحق عام 1945 بكلية الحقوق، وتركها بعد عامين ملبياً صرخة نزعته الفنية التي ظلت تدور حول نفسها في سياق عبثي إلى أن أنقذته منحة من الحكومة الإيطالية، فالتحق عام 1952 بكلية الفنون الجميلة بروما لدراسة فن لفريسك والميدالية.

كما حرص إسماعيل على دراسة الفنون الزخرفية في معاهد خاصة في دراسة موازية. وهو ما سيلقي بظلاله على أسلوبه الفني، الذي كان يميل إلى التعبير المقتضب من غير أن يمتنع عن بعض ممّا تسمح به الزخرفة من ثراء جمالي. حين عودته عمل مدرّسا في كلية الفنون الجميلة. كانت الوحدة بين مصر وسوريا حلم حياته فعمل في إطارها مستشاراً لوزارة الثقافة. لكن شَغَلَه حلم الوحدة العربية قبل ذلك بأعوام، لا كخيار ايديولوجي سياسي بل أيضاً كخيار فني تشكيلي يعيد إحياء الأصالة العربية لتشكيل مشهد فني حداثي "جميل".

ففي الأيام الأخيرة من عام 1951، جلس الرسام السوري أدهم إسماعيل ليكتب رسالة إلى زميله العراقي، الفنان جميل حمودي، الذي كان وقتها يدرس في باريس. كان إسماعيل يتابع عن كثب إرسالات حمودي المتكررة إلى مجلة الأدب في بيروت، التي كانت تقدم تقارير مفصلة عن أبرز الفنانين في باريس ما بعد الحرب العظمى الثانية والاتجاهات الصاعدة للفن التجريدي في المدينة. حمودي ، الذي تزعم دور كلاً من المشارك -المراقب الوطني، والمروّج للفنانين العرب في العاصمة الفرنسية، قد أطلق دعوة لفنانين من الدول العربية يطلب منهم إرسال تقارير وصور عن أعمالهم لتجميعها في صيغة استقصاء.

في غضون ذلك، كتب إسماعيل لحمودي، أن ديسمبر، بالإضافة للبرد قد شهّد للتو صالون وطني كئيب في دمشق في عامه الثاني. لقد عرض إسماعيل لوحته الكبيرة والمذهلة  (العتّال) باعتبارها أول ظهور علني لأسلوبه الجديد في التكوين بخطوط تلقائية لا تتناهى وألوان ملهمة؛ ولكن على الرغم من حقيقة أن العمل أثّار طليعة المثقفين أنذاك والذين كانوا، مثل إسماعيل، يتوقون إلى تغيير المشهد الثقافي السوري؛ فقد فشلوا في تحريك لجنة تحكيم الصالون، التي منحت جميع الجوائز للأعمال ذات الطابع الأكاديمي. هذه النتيجة، كما يشير إسماعيل في رسالته، أكدت الحقيقة المؤسفة للطابع البرجوازي للصالون: لقد كان يعمل على ابتياع ديكورات لمكاتب الوزراء، لا لتأسيس فن حديث ذو معنى.

رسالة إسماعيل

أكدت لينسن أن رسالة إسماعيل تشهد على النضال المستمر لإنتاج فن حديث يليق بالدول العربية التي كانت تختبر الاستقلال حديثاً، من خلال جهد جماعي مترابط؛ لكنه أيضاً دعوة لتحديد نهج مسلكي لهذه "الجماعية" المرغوبة؛ عدّها إسماعيل خطوة حاسمة لتشكيل فكرة الحداثة العربية. كما ذكر في مستهل رسالته من دمشق إلى باريس، فقد التزم هو وجماعته من الشباب المثقف في السعي وراء (المعنى) في عالم بعيد عن هواجس الدولة المادية وتشددها أمام التغيير.

"نريد إعادة إحياء هذه العبقرية الأصيلة، ووضعها ضمن تيارات الفن العالمي، بحيث تتلون بروحها. ولنجعل من الشرق العربي مصدراً للفن الحيوي الخالد."

لقد أدركوا أن "العبقرية الكامنة في الناس"، والتي قاومت لسنوات وسنوات، بدأت في الاختفاء والموت. وفي مواجهة هذا الاختناق، دعوا للتوجه نحو حياة عربية شاملة وخلاقة كمخزن للطاقة لا يحتوي فقط على وسائل لاستعادة الوضع الراهن وإعادة تشكيله ، بل تكون أيضاً منبعاً الفن الهادف. كما قال إسماعيل للحمودي:

"نريد إعادة إحياء هذه العبقرية الأصيلة، ووضعها ضمن تيارات الفن العالمي، بحيث تتلون بروحها. ولنجعل من الشرق العربي مصدراً للفن الحيوي الخالد.لايزال حلم ادهم إسماعيل وجماعته حي تنضال من اجله أجيال من الفنانين السوريين حتى اليوم في الوطن والشتات.  

يقدم كتاب "الاحتجاجات الجميلة" منهجية فريدة، تشرح كيف قام الرسامون السوريون بتفعيل اللااستقرارية الشكل (Mutability of Form) لإعادة النظر في العلاقات بين التشكيل الفني وأرض الواقع، وبين الشكل الخارجي والحضور الداخلي، وبين الذات والعالم. هكذا تكشف أنيكا لينسن بالاعتماد على مواد أرشيفية في سوريا وخارجها، عن مسارات جديدة لممارسة الرسم في القرن العشرين، وقد رصدتها من خلال التحولات التي حصلت في التقنيات والوسائط المستخدمة في فن التصوير المعاصر؛ لكنها أضافت عليها صبغة جيوسياسية، فقد تأثرت تلك المسارات الجديدة أيضاً بموجات الشتات الكبرى التي اجتاحت العالم العربي في مطلع القرن العشرين إلى امريكا، وفُرضت حدود الدولة الوطنية عنوةً، بدءاً بالانتداب الفرنسي وانتهاءً بالصراع على السلطة في سوريا.

 اسفر الكتاب عن منظور مختلف للحداثة العربية يضع في الطليعة الجهود المبذولة "للاحتجاج الجميل" ضد الهويات المفروضة والعلاقات الجوانية للذات، بدلاً من حجبها. عوضاً عن الاحتجاجات العنيفة والاحتجاجات المضادة التي تكون عادةً أعنف منها التي نشهدها اليوم على رحابة المخزون الروحي العربي، الذي تركه لنا ثلاثي رواد الفن التشكيلي السوري.

رسالة خُطّتْ  عام 1947 على إحدى طاولات المقاهي

سأختم مقالي بما استهلت به لينسن كتابها وهو مقتطف من رسالة خُطّتْ إلى صديق عام 1947على إحدى طاولات مقهى في ساحة الشهداء (المرجة) وسط العاصمة دمشق. كتب صدقي إسماعيل، المفكر والكاتب السوري وأخو أدهم إسماعيل، والذي شغل منصباً قيادياً في حزب "البعث"، الذي آمن بالطاقة الكامنة وراء الرسم الحديث كقوة محررة (الذي أشارت إليه لينسن بمفهوم الإنبعاث للمخزون الروحي Resurrection، المحرض للاحتجاج الجميل):

ولنغني مع السوريين: "وسّعوا المرجة والمرجة لينا، شامينا فرجة وهي مزينة"

"صديقي العزيز، أكتب لك من ركن منعزل في هذا المقهى، والخيال يلهو بفكري. يلخص الخيال كل شيء في الإنسان،  إنه روح وجودنا، وليس الفن سوى أثر ضئيل لذلك الخيال .قرأت اليوم كلمات دافنشي، وهو ناقد فني:
l’art est une chose mentale ( الفن شيء فكري)؛هذا هو التعريف الأقوى للفن. هل لدينا أي شيء نحتفل به أكثر من الخيال و يصل إلى أبعد مكان في أعماق أرواحنا؟ وهل هناك ما هو أكثر إبداعاً وابتكاراً من الخيال؟"

ولنغني مع السوريين: (وسّعوا المرجة والمرجة لينا، شامينا فرجة وهي مزينة)،الذي لم يعد سوى "طَيفُ خيالٍ" على حد تعبير أم كلثوم؛ في وجدان السوريين، "فَنَلْ حَظَكَ منه قبل فَوتِ" الاحتجاج الجميل.

صورة المقال لوحة للفنان السوري فاتح مدرس من مقتنيات مؤسسة أتاسي، مبادرة فنية غير ربحية (2016) تهدف إلى الحفاظ على الفن والأرشيف السوري الحديث والمعاصِر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard