رائدة السينما المصرية الغائبة هي وزمانها... بهيجة حافظ

الأحد 13 ديسمبر 202003:09 م

جاء احتفال محرك البحث العالمي غوغل بذكرى ميلادها خلال العام الجاري، ليخرجها من ظلمات التجاهل إلى النور، بعد 37 عاماً على رحيلها في 13 ديسمبر 1983، رغم أنها إحدى رائدات السينما المصرية الأوائل اللاتي فتحن الطريق للمشروع السينمائي المصري، ليخرج بكل هذا الوهج والتنوع الذي اتسمت به بداياته، إلا أن اسمها لا يزال مجهولاً في مصر والعالم العربي، لتبقى حكايتها ضائعة مع العشرات من حكايات الرائدات المطموسة من التاريخ الفني المصري في النصف الأول من القرن الماضي.

إنها بهيجة حافظ التي تغيب هي وزمانها، لتترك باب الأسئلة مفتوحاً على مصراعيه: كيف تغيرت الحالة الفنية المصرية بهذا الشكل؟!

بنت الإسكندرية، التي ولدت في أغسطس 1908 في حيّ محرم بك، القريب من الأحياء الراقية آنذاك، وجاءت إلى العاصمة لتحجز لنفسها موقعاً رائداً في التاريخ الفني المصري والعربي. هي سليلة عائلة عريقة؛ والدها إسماعيل محمد حافظ، كان يعمل ناظراً للخاصة السلطانية في عهد السلطان حسين كامل.

الارتباط بالموسيقى

الوالد هو مفتاح السر، ومعه بدأت البنت الصغيرة طريقها الملحمي، إسماعيل باشا حافظ أبو بهيجة، كان من محبي الفن. الرجل الأرستقراطي السكندري، يعشق الموسيقى ويجيد العزف على العود وآلات موسيقية أخرى، ومن هنا جاء الميراث الأول الذي تركه الوالد لابنته، وهو الارتباط بالموسيقى، وجاءت بهيجة حافظ إلى عالم الفن السابع على إيقاع موسيقاها الخاصة، وكانت حكايتها متفردة.

كانت حكايتها متفردة.

أحبت بهيجة حافظ الموسيقى قبل أن تحب أي شيء، وبدأت حياتها مع الفن بالعزف على البيانو في سن مبكرة، وكان بداية طريقها الأكاديمي الفني مع الموسيقى أيضاً، وذلك عندما سافرت إلى العاصمة الفرنسية باريس، لتدرس الفن وتحصل على دبلوم في التأليف الموسيقي، ولذلك كان طبيعياً (مع كل تلك الخطوات السريعة التي قطعتها الفتاة السكندرية قبل أن تبلغ العشرين من عمرها) أن تكون أول من وضع الموسيقى التصويرية في تاريخ السينما المصرية والعربية، وصاحبة أول أسطوانة موسيقية تصدر في القاهرة عام 1926م.

اللافت في نشأة بهيجة حافظ هو أن ارتباطها المبكر بالفن لم يؤثر على مسارها التعليمي أيضاً، فدرست في مدرستي "الفرنسيسكان" و "الميردي دييه" الفرنسية في الإسكندرية، ما ساعد على نضجها واكتمال رؤيتها الواسعة للحياة، والتي صنعت منها فنانة شاملة فيما بعد.

التاريخ المفقود

ربما تصيب الدهشة متابعي الفن في مصر للطريقة التي يتم بها رصد التاريخ الفني وتوثيق بداياته، التي تجاهلت نساء بقدر بهيجة حافظ، وعزيزة أمير، وغيرهن من رموز البدايات للسينما في مصر.

يبدو وكأن هناك عملية تهميش وتغييب متعمدة لهن في التاريخ الرسمي للسينما المصرية، وهو الأمر الذي يفتح الباب لمحاولة معرفة المعايير التي تتم بها صياغة واختيار الشخصيات التي يتم تحويلها إلى رموز داخل هذا التاريخ، ولماذا يتم إغفال البعض بدون مبررات واضحة، رغم أن شخصية مثل بهيجة تصلح لأن تكون علامة وأيقونة ورافد جديد للقوى الناعمة، رأسمالها الحقيقي في تاريخها الثقافي، إلا أن المؤسف أن من يذكرها هو إدارة محرك البحث غوغل، وليس مؤرخي الفن المصريين أو المؤسسات الفنية الرسمية.

يبدو وكأن هناك عملية تهميش وتغييب متعمدة لدور النساء الرائدات في التاريخ الرسمي للسينما المصرية، وهو ما يفتح الباب لمحاولة معرفة المعايير التي تتم بها صياغة واختيار الشخصيات التي يتم تحويلها إلى رموز

يرى الناقد السينمائي المصري محمد سيد عبد الرحيم، أن بهيجة حافظ لا تنتمي إلى جيل الرواد لمجرد أنها بدأت عملها بالفن في الفترة التي بدأ فيها الإنتاج السينمائي في مصر، "ولكن لأنها بالفعل كانت رائدة في صنع مجموعة من الأفلام الأولى في تاريخ السينما المصرية وبالتالي العربية".

"بهيجة حافظ بدأت في دخول عالم السينما من أبواب عدة، أولها بالتأكيد الموسيقى التصويرية، حيث كانت تعزف البيانو وتقوم بتأليف الموسيقى، وهو أمر له خصوصية وفرادة شديدة، في مجتمع محافظ كالمجتمع المصري في بداية القرن العشرين، حينما كان عمل المرأة بشكل عام أمراً ممنوعاً دينياً ومجتمعياً، فما بالنا بعمل المرأة في الفن والسينما التي كانت تخطو خطواتها الأولى، وكان هناك الكثير من المصريين يعتبر أن من يعمل في السينما خارج على التقاليد وأعراف المجتمع"، يقول عبد الرحيم.

أول وجه نسائي على الشاشة

يفتح غياب اسم بهيجة حافظ عن المشهد التاريخي للسينما المصرية باب التعجّب: سيدة الإسكندرية هي أول مصرية وعربية تُقبل في جمعية المؤلفين بباريس، كما أنها أول امرأة تضع موسيقى تصويرية لفيلم سينمائي عربي، وهي أول مصرية تدرس الموسيقى بفرنسا، وأول مصرية تُنشئ نقابة للموسيقى عام 1937م، كما أن بهيجة حافظ سجّلت نفسها تاريخياً كأول وجه نسائي يظهر على شاشة السينما المصرية، حينما مثلت دور البطولة في فيلم "زينب"، ولم يقتصر دورها في هذا الفيلم على ذلك، بل قامت بوضع الموسيقى التصويرية للفيلم والتي تكونت من 12 مقطوعة موسيقية.

"بهيجة حافظ ورفيقاتها حولن وجهة نظر العامة تجاه السينما والعاملات في هذا المجال، من مهنة لا يحترمها أحد إلى مهنة مرموقة يحاول الجميع أن ينضم إليها"

الناقد السينمائي عبد الرحيم قال إن بهيجة حافظ "عملت في السينما كمؤلفة موسيقية وكممثلة، وأحياناً كسيناريست ومخرجة، لتكون واحدة من أوائل النساء اللواتي عملن في السينما، بجوار أسماء، مثل عزيزة أمير وفاطمة رشدي وآسيا داغر وماري كويني، وهن من أُسِّست السينما على أيديهن".

"اسم بهيجة حافظ يستحق أن يكتب بالذهب".

"السينما المصرية تدين بشكل كبير لتلك النساء اللواتي وقفن أمام المجتمع المصري بأكمله من أجل تأسيس وإعلاء شأن السينما والفن، وهن اللواتي حولن وجهة نظر العامة تجاه السينما والعاملات في هذا المجال. تحول العمل السينمائي في مصر، بعطائهن الوفير، من مهنة لا يحترمها أحد، إلى مهنة مرموقة يحاول الجميع أن ينضم إليها وأن يكون جزءاً منها. هذا التغير، بالإضافة إلى قصص الأفلام التي أنتجتها والتي كانت تركز على مشكلات المرأة في هذا العصر، هو ما يجعل من اسم بهيجة حافظ يستحق أن يكتب بالذهب في تاريخ السينما المصرية، العربية والعالمية".

رحلت بهيجة حافظ بصمت، دون أن يذكرها أحد، في نهايات عام 1983م، عن عمر ناهز 75 عاماً، في وقت كانت مصر فيه نائمة تحت ثقل سينما المقاولات التي أغرقت الشاشات بحالة من الابتذال، كانت بعيدة كل البعد عما صنعته بهيجة حافظ ورفيقاتها في السينما المصرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard