"احذر يا أن تجرح ذات يوم قلب إنسان"... أدب الجريمة ورواية الغول البهي

الأربعاء 16 ديسمبر 202012:32 م

قد يكون الانتشار الكثيف لأعمال أجاثا كريستي، والشهرة الكبيرة التي طالت مجمل أعمالها، دفع الكثير من الروائيين والأدباء لاقتفاء أسلوبها ومحاكاته، وإذا كانت الإثارة والتشويق من أهم ثيمات الرواية البوليسية أو ما سُمّي "أدب الجريمة". فإن الرواية الرابعة للعراقي عمار الثويني "الغول البهي"، الصادرة عن دار ميم الجزائرية لعام 2020، بعد "مشحوف العم سيجر"، "القديسة بغداد" و"في ذلك الكهف المنزوي"، قد أخذت منحى مغايراً.

من الحرب العراقية الإيرانية إلى أزمة تحرير الكويت والحصار الاقتصادي المفروض على العراق، وانتهاء بالسقوط والغزو الأميركي... الرواية الرابعة للعراقي عمار الثويني "الغول البهي" 

"الغول البهي"

 يحاول الكاتب في هذه الرواية مخاتلة قارئه، فهو وإن دخل لمنجزه السردي من باب الجريمة، ولكنه أنبأه عن القاتل "سلمان" منذ الصفحات الأولى، وعلى حكم الإعدام الصادر بحقه كذلك، متلاعباً بمفهوم العقدة في العمل الروائي، والتي تم حرقها منذ البداية كأسلوب حداثي في التقنيات السردية.

 تغلغل بعدها الثويني في الواقع العراقي الممتد من الحرب العراقية الإيرانية إلى أزمة تحرير الكويت والحصار الاقتصادي المفروض على العراق، وانتهاء بالسقوط والغزو الأميركي، كخلفية تاريخية حاضنة للأحداث ومرآة كاشفة عن الأزمات الإنسانية والمعيشية التي يعيشها الإنسان العراقي، أثناء استعراضه لحوادث القتل المتتالية، والأسلوب المتبع فيها (مقتل رحيم البلام، المضمد عواد، ضياء أبو ردين وعائلته، السائق حنون، الأستاذ أسعد جلوب، ضمير آخر الضحايا غير المنجزة).

 حاول الثويني في رواية الغول البهي، مخاتلة قارئه متلاعباً بمفهوم العقدة في العمل الروائي، والتي تم حرقها منذ البداية كأسلوب حداثي في التقنيات السردية ليتغلغل بعدها في الواقع العراقي الممتد من الحرب العراقية الإيرانية إلى الغزو الأمريكي

 تلك الحوادث التي أقضت مضجع أهل المدينة، وجعلت كابوس الرعب يهيمن على قلوبهم، فالخوف الكامن وراءها أحدث شللاً في مدينة الكرامة، حيث بات القتل المتكرر أشبه بأحجية أو لغز يحفّز المخيلة لمعرفة التفاصيل.

ويستفز القارئ الشغوف لمتابعة خط التشويق الحاصل، لجهة الكشف عن الفاعل أو الفاعلين، كحمولة حكائية تنفع كل منها كقصة قصيرة منفصلة، ليعود ويجمعها في ذهن المتلقي المتسائل عن كيفية حصول الحادثة وأسبابها والتفاصيل المرافقة لها، بأسلوب الراوي العليم الذي يعرف شيئاً من الحقيقة ويغيب عنه جزء آخر.

ومن خلال هذه الحوادث المتعاقبة ينفذ إلى واقع الأنظمة الشمولية وسياساتها المدمرة، والتهرب من مسؤولياتها بإلصاق كل حادثة بأعدائها، وهي التي تهتم بتحقيق نجاح إعلامي ولو على حساب الأبرياء، للإيهام بقوتها وسطوتها، فالسبق الإعلامي الذي حققته جريدة الانتصار والجرأة التي يتوارى وراءها من يدعمها، لم يؤديا غرضهما، إذ إن الرواية الرسمية لأي جريمة أو حادثة تولّد قناعة لدى الناس بأنها من أعمال المخابرات، في ردود أفعال عفوية تجاه السلطات القائمة.  

سيكولوجية الإنسان المقهور

يتحدث مصطفى حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي-سيكولوجية الإنسان المقهور" عن آلية تبعية المقموع لقامعه والمقهور لقاهره، فالكائن المضطهد والمستلب والممتهنة إنسانيته، عندما يعجز عن مقارعة ضغط أو عنف ما، يلجأ إلى التماهي مع مسببه، عشقه وتمثل صفاته، وهو ما سمي بمتلازمة ستوكهولم.

 ضمن هذه الرؤية نجد تفسيراً لعشق الدم المراق عند سلمان، صاحب الجرائم الثماني، وهو الكائن الرقيق اللطيف الذي تعرض لأهوال الحرب وطحنته بدوامتها الرهيبة، عندما رأى بعينيه مئات الضحايا وأشلاء القتلى، وصديقه الذي لقي حتفه بين ذراعيه دون أن يستطيع إنقاذه، الأمر الذي هيّأ بنية نفسية مضادة مشوهة، دفعته إلى الحالة النقيضة غير السوية، وهي التمتع بمشهد الدم والسعي إليه عبر القتل.

من خلال الأحداث المتعاقبة في روايته، ينفذ الثويني إلى واقع الأنظمة الشمولية وسياساتها المدمرة، وتهربها من مسؤولياتها بإلصاق كل حادثة بأعدائها،للإيهام بقوتها وسيطرتها التامّة على الأمور

توطئة العمل

بالنسبة للبداية فإن توطئة العمل بعبارة زوربا لنيكوس كازانتزاكي: "احذر يا ألكسيس أن تجرح ذات يوم قلب الإنسان"، يوحي لنا بتوقع رومانسية وشفافية لما سيليها في المتن، ليطالعنا العنوان كعتبة نصية: "الغول... البهي"، في استثمار لمفهوم جمالية القبح في التباس التسمية، لناحية ارتباط الغول بالصورة المخيفة المرعبة، وليقلب انتباهنا بالعبارة المخالفة، وهي البهاء، الموحية بجمال شفيف، بما يبعدنا مائة وثمانين درجة في معنى الكلمتين المترادفتين.

وربما قصد بهذا المسمى أن يشير إلى الشخصية المتناقضة للقاتل، بين دماثته وخجله ولطفه وبين الفعل الإجرامي الذي اقترفته يداه، لندخل بعدها إلى مشهد الإعدام لتتداعى التفاصيل الخاصة بكل جريمة، ومن خلالها يكون قد أضاء على تاريخ وأحداث المنطقة، كترحيل اليهود بحوادث الفرهود وترحيل بعض العراقيين بسبب أصولهم الإيرانية.

الانتفاضة الشعبية

 كما يوثق الانتفاضة الشعبانية التي تم قمعها، والتي حصلت إثر تحرير الكويت، معتمداً أسلوب الاستباق والاسترجاع في التركيز على البؤر المؤكدة للمعنى الذي يرمي الوصول إليه، معتمداً على بعض التعابير المسكوكة على غرار "حوصلته صغيرة"، "سبق السيف العذل"، "كأن على رؤوسهم الطير"، كتعابير مغلقة على نفسها ومكتملة بذاتها، لما فيها من اختزال وتكثيف للمعنى في التوظيف الإقناعي، من حيث الالتصاق بالبيئة المحلية المرتبطة بالمكان مسرح الحدث، حيث يضيء فيها على الحالة المعيشية للشعب العراقي بعد تحرير الكويت وحرب الخليج، اللتين أنهكتا الشعب وقاربت البؤس الحقيقي في يوميات حياته.

لكل أزمة سماسرتها

ومع ذلك، لكل أزمة سماسرتها وتجارها الذين يعتاشون على آلام ومواجع الآخرين، وتشكل لهم بوابة للإثراء غير المشروع عبر الصفقات المشبوهة، من حوادث النهب والخطف والسرقة إلى الاتجار بكل شيء، في حين تنشغل السلطة القائمة بصورتها عبر الإعلام، بتجسيد الرعب الذي انتاب مدير التحرير كونه أغفل الكاريزما المفضلة للرئيس، في جعل المسدس يظهر على جهة اليمين بلباسه العسكري، بالصور التي تنزل في الجريدة اليومية، ما يثير السخرية في تباين الأولويات ودرجة أهميتها لدى كل جهة.

قال زوربا يومًا لنيكوس كازانتزاكي: "احذر يا ألكسيس أن تجرح ذات يوم قلب الإنسان"

ورغم أننا عرفنا المجرم منذ البداية، إلا أن خط التشويق تتابع مع امتداد خط السرد، لمعرفة وإيضاح التناقض بصفات وبنية سليمان الناعمة والخجولة وبين تلك المقدرة الفائقة والقوة على ارتكاب القسوة غير الطبيعية.

أشكال التعذيب التي هُدد القاتل بها أثناء التحقيق تعطي فكرة عن جحيم السجون التي تنال البريء والمجرم دون استثناء في بلاد اللاقانون، وتبين سخام العفن الذي يستشري في المجتمع، وفي النهاية، الشخصيات الوصولية والمتسلقة لها الصدارة في كل زمن.

كلّ من له واسطة يخرج من دائرة الاتّهام

 كل من له سند أو واسطة، مثل عمار عبد العظيم وكاظم ابن الشيخ عبد الأمير، كلهم يخرجون من دائرة الاتهام، بينما تطبق التهم على الأخوين الأحوازيين اللذين أجبرا على الاعتراف بجريمة لم يرتكباها، لأن أولي الأمر يحتاجون لاعتراف وإنجاز وإثبات لقوة الدولة القمعية.

كما تبين ذلك بمطالبة أخ القاتل بميراثه من أرض بيتهم المهدم، وإعادة الاعتبار لأخيه المجرم، في فترة بعد السقوط، بتسميته بالشهيد الذي أعدم بدون وجه حق، حسب اعتباره.

ثمة ضبابية في موقف الكاتب من شخصية سلامة، فهي أخت القاتل المنبوذة لكثرة علاقاتها غير المقبولة اجتماعياً، ولكونها تقرأ الشعر ولا تلتزم بالعباءة التقليدية.

 ولعل هذه الصفات تعطينا تصوراً عن شخصية متمردة تبحث عن ذاتها، لا أن نحاكمها بمنطق العرف والتقاليد، بالإضافة لورود بعض الحوارات المباشرة التي تعطي خلاصات تقريرية، مثل "كل هذه الجرائم المعروفة وغير المعروفة ثمرة الحروب والحصار" وسواها، كمصادرة لاستنتاج وذكاء القارئ، إذ يدور العمل على الطبيعة المزدوجة للجاني كمجرم وضحية بذات الوقت.

 وما الاستغراق في الأحداث إلا لإعطاء فكرة عن سبب هذه الازدواجية عبر مبرراتها السردية، وليس على الكاتب النطق بالنتيجة المرجوة. مساحة واسعة من تاريخ العراق، حاول عمار الثويني تغطيتها عبر منظوره الروائي وحسب تعبيره، في إعادة قراءة هذا التاريخ إنسانياً وكشف ما اختبأ في زواياه المعتمة، فالإنسان هو الغاية والمرتجى أولاً وأخيراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard