"تتكلّم زعيقاً ودخاناً"... الدولة العربية هشّة بالفطرة وانهيارها مُؤجّل

الخميس 10 ديسمبر 202012:26 م

يقول فريدريش نيتشه مُعرّفاً الدولة، في كتابه "هكذا تكلم زرادشت": "الدولة تعني أكثر الغيلان الفظيعة الباردة برودة. كذباً بارداً يكذب هذا الغول أيضاً، وكذبته تلك تخرج زاحفة من فمه: ‘أنا هو الشعب‘". ثم يضيف، بحسب ما جاء في ترجمة الكتاب من الألمانية لعلي مصباح، كاتباً: "مثلك هي الدولة، كلب منافق، ومثلك أن يعجبها هي أيضاً أن تتكلم زعيقاً ودخاناً كي تبعث على الاعتقاد، مثلك أنت، بأن كلامها طالع من أعماق الأشياء".

هكذا رأى نيتشه الدولة، وهكذا اختلف المؤرخون حول أصل وأسباب ظهورها بشكلها الحديث، ناهيك عن دورها والمغزى منها. بين الديمقراطيات المحلية في أثينا والدولة المركزية في الصين، تبقى الآراء والمواقف متباينة وإن تقاربت، ولكل مؤيداته وأسبابه.

بمقتضى اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة، تقاسمت القوى الإستعمارية مطلع القرن الماضي، ما تبقى من تركة "الرجل المريض" (الاسم الذي وُصفت به الإمبراطورية العثمانية). تلى ذلك، بروز الدول القومية العربية بشكلها الحالي مع التوجه نحو النظام العالمي الجديد إبان الحرب العالمية الثانية وإصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إلا أنها كانت ولادة قيصرية مشوهة الملامح تمخّض عنها مواليد هجينة لا جنس بيو سياسي لها، عابرة بين الأجناس السياسية، تبعاً للتوازنات الإقليمية، فبعضها اشتراكي تارة ثم ليبرالي في عشية وضحاها، وأخرى ظلّت تتخبط بين طبقة ميركنتيلية (مذهب التجاريين) مُحافِظة وأطياف تقدمية تطارد سراب الحداثة الموهوم فلا تطاله، وأخيراً، دعاة الإسلام السياسي الملتحفين بالتحكيمية تارة وبالجهاد تارة أخرى .

فماذا أغفلت النخب المؤسسة حتى تعجز الدول العربية أن تكون في مجال التاريخ قبل مضي أقل من قرن على تأسيس معظمها؟ ولماذا عجزت هذه المجتمعات عن الإنتظام في دول حديثة متوازنة اجتماعياً؟

عاشت المنطقة العربية عموماً على وقع احتجاجات اجتماعية شعبية متواترة طيلة النصف الثاني للقرن العشرين، نظراً لما تقاسيه شعوبها من غياب كلي للعدالة الإجتماعية وبلوغ معدلات قياسية من الفقر والتباين الطبقي والجهوي، بالإضافة إلى إرتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب والنساء.

وعدا دول مجلس التعاون الخليجي التي سنستثنيها مما يلي لخصوصيتها، فإن باقي الدول، خاصة تلك التي عرفت أنظمة جمهورية ديكتاتورية، مدنية وعسكرية، تشترك في عدة عوامل أدت إلى تعرضها إلى تقلبات سياسية ارتجاجية صدّعت في كل مرة بُناها الهشة أساساً.

سياسات مالية مُرتهنة للتوازنات السياسية

في تقرير لمؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية، صدر عام 2017، يعتبر الباحثون أن من أسباب تدهور الأوضاع المعيشية في المنطقة العربية عملية ارتجال السياسة المالية للأنظمة الحاكمة وارتهانها للتوازن السياسي، وهو ما أدى لحيادها عن هدفها الأساسي، ألا وهو "رفاه المواطن"، لتكون بوصلتها "رفاه الحاكم وحاشيته".

تلوّنت الأنظمة العربية، منذ الحقبة الإستعمارية، بأكثر من لون اقتصادي حسب رياح التوازنات الإقليمية والدولية.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، اعتمدت عدة دول، على رأسها مصر، المثال الإقتصادي الإشتراكي (تجربة التعاضد في تونس والاشتراكية في الجزائر وليبيا)، حيث سعى كل من عبد الناصر في مصر، وبومدين في الجزائر لاحقاً، إلى تأسيس صناعة محلية لتعويض السلع المستوردة عبر تسخير كل موارد الدولة وحشدها بالتأميم الشامل والاستصلاح الزراعي.

دفع ذلك بالقطاع العام للعب دور رئيسي في دفع العجلة الاقتصادية. صاحب ذلك دمقرطة التعليم وتأهيل القطاع الصحي، فيما ساعدت هذه السياسة في دفع النمو الديموغرافي وبروز أفواج من المتعلمين استوعبتهم الدولة لبناء نفسها.

كما استوعبت دول "جوار إسرائيل" العديد من الشباب في ماكينتها العسكرية والأمنية، كما في حالة مصر وسوريا، مستفيدة من الحرب لخلق حاضنة شعبية للنظام الذي مضى في تمتين أسباب وجوده عبر التصفية السياسية للخصوم، وهو ما أكسبه صبغة دكتاتورية.

يُشبّه فوكوياما الاحتجاجات التي عرفها العالم العربي في ربيع 2011 بالأحداث في البلدان الأوروبية عام 1848... فشلت الثورات الأوروبية في تلك الفترة كما فشلت الثورات العربية، إذ استولت الحكومات العسكرية والمحافِظة على السلطة مستغلة الثغرات التنظيمية بين النخب

في هذا السياق، عزّزت هذه الدكتاتوريات حاشيتها، ما أدى إلى استفحال الفساد الحكومي وتورم جهاز الدولة وقصوره الإقتصادي.

ومع زوال أسباب الحشد الشعبي (الهدنة مع إسرائيل واتفاقيات السلام)، أضف إلى ذلك أزمة تراجع أسعار البترول في السبعينيات، بلغت "الإشتراكية العربية" مطلع الثمانينيات نهايتها، مع انتشار انتفاضات الخبز في عدة دول كتونس، ومصر والمغرب.

من خلال هذه الانتفاضات، انطلقت عمليات اللبرلة و"الإنفتاح" في المنطقة، حيث هرولت الأنظمة العربية إلى أحضان المؤسسات المالية الدولية، أو بالأحرى "الذراع المسلح للنظام العالمي" كما وصفها عالم الإجتماع بيير بورديو في كتابه "ماهية النيوليبرالية" (The essence of neoliberalism)، والتي أهدتها مفاتيح "الجنة الليبرالية" مع إلزامها بما جاء في "إجماع واشنطن" (Washington Consensus) مثل تبني إصلاحات هيكلية، عبر تحجيم دول الدولة بهدف تحرير السوق ووضعه تحت ذمة "اليد الخفية"، حسب وصف الاقتصادي آدم سميث.

أدى تراجع الإنفاق العام واستقطاب الأنظمة لفئة التجار ورجال الأعمال إلى ظهور طبقة من الميركنتلية الجدد والتي توجهت مكوناتها نحو مجالات استثمار منخفضة المخاطرة كالبعث العقاري والسياحة، كالحال في مصر مثلاً، واجتذاب الرأسمال الخارجي عبر توفير يد عاملة رخيصة كما في حالة تونس والقانون 72.

رغم الإلتزام النظري لهذه الدول بتوجيهات المؤسسات المالية العالمية، سرعان ما انتكس المسار التنموي لاعتبارات عديدة، كتفشي الفساد الحكومي واختلال القاعدة الضريبية التي أصبحت المورد الأساسي لهذه الدول.

تعتمد الدول العربية، موضوع المقال، سياسة ضريبية تنازلية من حيث منحها لامتيازات وإعفاءات جبائية للشركات الأجنبية الكبرى ورؤس الأموال المقربة من السلطة، بينما يشدد جباة ضريبتها الخناق على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تُعتبر عماد الاقتصادات الليبرالية، فكما يذكر موقع الوزارة الفيدرالية للاقتصاد والطاقة في ألمانيا مثلاً، فإن 99% من الشركات الألمانية هي شركات صغيرة ومتوسطة.

هذا الواقع أدى إلى خلق نظام اقتصادي ريعي شبيه بالنظام الإقطاعي في أوروبا القرون الوسطى. تُجمع عدة دراسات علمية على أن أحد أبرز أسباب بطء النمو الإقتصادي في المنطقة التدخل السياسي المفرط في بيئة الأعمال والاستثمار (ابتزاز رجال الأعمال وحماية زبانية السلطة)، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي وضعف المؤسسات الحكومية، كما سنرى في الجزء التالي.

عشوائية التأسيس وتعثر الخطى

رست السلطة في منطقة جنوبي شرقي المتوسط، إبان الحقبة الإستعمارية، بين أيدي القوميين العلمانيين (نسبياً). ورث هؤلاء أجهزة الدولة وبيروقراطيتها عن المستعمرين السابقين الذين كانوا قد فرضوها على السكان المحليين في الفترة الكولونيالية.

يسمي مراقبون هذه العملية بـ"تحديث بلا تطوير"، كما حدث في جنوب إيطاليا واليونان، إذ لم تستوعب شعوب المنطقة فكرة الدولة الحديثة التي لم تنبع من مخاضات داخلية اجتماعية وسياسية بل استوردتها السلطة، أو ورثتها، كما ورثت أداة البطش والإستبداد.

ارتدت الدولة العربية عند التأسيس قشرة الحداثة فوق مُركّبات من العصبيات القبلية والنزاعات العشائرية والجهوية التي ما فتئت تخبو، لتعود وتطفو مع كل رجّة سياسية واجتماعية.

لذلك، لا يزال الأفراد يعيشون كرعايا في ثياب مواطنين، يهادنون السلطة المركزية اتقاءاً لشرها، ويلتفون حول أنظمة ميكروـ كونفوشيوسية داخل جهاتهم أو قبائلهم وعشائرهم.

وهكذا، ارتدت الدولة العربية عند التأسيس قشرة الحداثة فوق مُركّبات من العصبيات القبلية والنزاعات العشائرية والجهوية التي ما فتئت تخبو، لتعود وتطفو مع كل رجّة سياسية واجتماعية.

وعلى امتداد جيل ما بعد الإستقلال والتحرر، كانت الوطنية العلمانية مصدر الهوية الأساس في منطقتي الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، لكنها فقدت مصداقيتها بحلول السبعينيات لفشلها في إنتاج نمو اقتصادي مشترك ومستدام، ولفشلها السياسي في التعامل مع قضايا مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى اندلاع الإحتجاجات التي ذكرناها سابقاً ودفع الأنظمة إلى العربية إلى أحضان النظام العالمي الجديد كي تحافظ على بقائها.

كتب عبد الرحمن منيف في كتابه "الديمقراطية أولاً… الديمقراطية دائماً"، قائلاً إن الأنظمة العربية "لن تكون قادرة على الصمود والإستمرار، ليس فقط بسبب قوة التحدي وإنما لضخامة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها".

تتطلب الدولة الحديثة، مركزية كانت على الشاكلة الصينية/ الروسية أو ديمقراطية ليبرالية كالمثال الغربي، بيروقراطيةً فعالة، ومحاكم قوية مستقلة ولو نسبياً، بالإضافة إلى عدة عوامل ثقافية ضرورية وملزمة، وهو ما تفتقر إليه الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

أخطأ مهندسو الغزو الأمريكي للعراق التقدير عندما ظنوا أن الديمقراطية ستُؤَسَّس بمجرد تنحية الطاغية وفصل السلطات وتولية سياسيين منتخبين ديمقراطياً، إذ اصطدموا بتفجر الأوضاع وانتشار الفوضى ونكوص الدولة إلى مجموعة قبائل متناحرة، كحال الصين في القرن الخامس قبل الميلاد أو أوروبا القرون الوسطى.

تكرر السيناريو العراقي مع الدول التي تحولت ثورات الربيع العربي فيها إلى حروب. وفي مصر، لم تكن السنتان الأولتان اللتان تلتا سقوط نظام مبارك إلا فاصلاً ديموقراطياً بفضل انسحاب تكتيكي وفسح مجال من النخب المحافظة والمتقوية بالعسكر. كما أثبتت الأحداث في تونس طيلة العشر سنوات الأخيرة أنه لا يمكن إرساء الديموقراطية من دون مؤسسات قوية مستقلة القرار عن السلطة التنفيذية.

يشبّه المنظّر الأمريكي فرانسيس فوكوياما، في "أصول الأنظمة السياسية: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية"، الاحتجاجات التي عرفها العالم العربي في ربيع 2011 بالأحداث في البلدان الأوروبية عام 1848.

فشلت الثورات الأوروبية في تلك الفترة كما فشلت الثورات العربية الآن، إذ استولت الحكومات العسكرية (مصر، سوريا...) والمحافظة على السلطة بعدما أعادت تنشيط نفسها مستغلة الثغرات التنظيمية بين النخب التقدمية التي هيّجت الاحتجاجات عبر وسائل التواصل الإجتماعي حينها، لكنها فشلت لاحقاً في تنظيم نفسها والالتفاف حول قواعد شعبية تُوازِن القوى المحافظة التقليدية، حتى أنها سارعت للوقوف ضد التيارات الشعبية التي تصاعد بينها الإسلام السياسي خوفاً على مكاسبها المادية والثقافية.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال سار سارس إن الإسلام أكثر تسييساً ويتضمن أكثر تشريعات من باقي الديانات التوحيدية. علاوة على القومية والطبقات الإجتماعية، يُعتبر الإسلام أحد العوامل الثقافية الإستثنائية في المنطقة والمشتركة بين شعوب المنطقة، لذلك يجب أخذه بعين الإعتبار أثناء تناول أسباب العجز في العالم العربي، كما سنفعل في الجزء التالي والأخير.

رعايا في جبة مواطنين

حسب أرقام الأمم المتحدة، عرفت المنطقة العربية حركة تمدن واسعة حيث بلغت بين 30 و 50%، شبيهة بحركة التمدن التي عرفتها أوروبا نهاية القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر.

وإن كانت الحركة الأوروبية نتيجة لخلق تكتلات صناعية كبرى تشكلت حولها تجمعات سكنية، فإن التشكلات العربية كانت نتيجة لنموذج تنموي فاشل، أساسه الخدمات واليد العاملة الرخيصة، موجهة تحديداً نحو المدن (المركز) ومهملة باقي الجهات وخاصة الأطراف (القاهرة والصعيد، الرباط والريف...).

خلقت الخريطة التنموية العربية حزاماً هامشياً من الطبقات الفقيرة، العابرة من الريف نحو المدينة، حول العواصم خصوصاً، والمدن الكبرى عموماً. ومع الفشل السياسي والإقتصادي في السبعينيات، تصاعدت قوى الإسلام السياسي لملء الفراغ الذي انحسرت عنه الدولة. بل إن الدولة الوطنية شجعته حينها واحتضنته، واستعملته لضرب خصومها (عبد الناصر والإخوان مع الوفديين، بورقيبة والاتجاه الإسلامي مع اليسار التونسي...).

وكان مؤسس الإخوان والمرشد الذي خلفه حسن البنا وحسن الهضيبي قد قدما إجابة لسؤال "من أنا؟"، للقادمين الجدد نحو المدينة، المهمشين الاجتماعيين الذين شكلوا قواعد متينة للحركات الإسلامية، واعدين إياهم بـ"فتح مبين"، بينما كابرت بقية النخب، المحافظة والتقدمية واليسارية، مشيحة بوجهها نحو تطلعاتها الطبقية الخاصة، متغاضية عن تطلعات الطبقات الدنيا.

يتحدر المحافظون في البلدان العربية من القبائل العريقة، الأسر العسكرية والملكية والحاشية الرأسمالية للأنظمة الإستبدادية، بينما تنبثق القوى التقدمية من الطبقات الوسطى التي عرفت مقاعد الجامعات ورفاهاً مادياً نسبياً، وترى أن النظام الاستبدادي يعيق تقدمها وتطلعاتها نحو المستقبل.

أما النخب اليسارية العربية فعدلت بوصلتها نحو الصراع الهوياتي الحقوقي بدل الصراع الطبقي الاقتصادي، ما سبّب لها الصدام المتكرر مع المجتمع والدولة. وفي خضم ذلك، يحشد شيوخ الإسلام السياسي الفئات المهمشة سياسياً واجتماعياً عبر تقديم خدمات إجتماعية مباشرة للطبقة الفقيرة، وهو ما تفعله حركتا الإخوان والنهضة في مصر وتونس، وما فعلته سابقاً ثورة الملالي في إيران.

تستثمر السلطة ميكيافيلياً في الصراعات بين محورين، الإسلامي السياسي والتقدمي اليساري، لتبقى بيدها تمثلات الدين، والعلم، والثقافة والتراث، مع كليشيهات مُكيّفة على مقاس طرفي المعادلة، توظفها للقمع متى رأت ضرورة، كتهم ازدراء الأديان أو تهديد النظام

كانت هذه التجاذبات محور الصراعات السياسية في جزء واسع من العالم العربي والإسلامي طيلة النصف الثاني من القرن الماضي، ومنذ السبعينيات تحديداً. كان هناك من جهة مد سياسي إسلامي جارف، تشحنه إيديولوجيا شعبوية تمس وجدان طيف واسع من المواطنين العرب المسلمين، وراثياً على الأقل، والذين أرهقهم ضيق الحال وتردي الأوضاع المعيشية، ومن جهة أخرى نخب تقدمية ويسارية لم تستوعب موروثها الثقافي، بل وعادته في بعض الأحيان مهادنة السلطة خوفاً على مجالها الحيوي (الثقافة، المنتديات...) ومكتسباتها المادية (البرجوازية الحديثة كما وصفها الباحث السياسي رونالد إنغلهارت).

في الأثناء، تستثمر السلطة (المصرية، الأردنية...) ميكيافيلياً في هذا الصراع لتبقى بيدها تمثلات الدين، والعلم، والثقافة والتراث، مع كليشيهات مُكيّفة وعلى المقاس لكلا الطرفين، توظفها للقمع متى رأت ضرورة، كتهم ازدراء الأديان أو تهديد النظام.

قبل الختام، وجب التذكير أننا "لن نعيد إختراع العجلة"، على ما يقول المثل الفرنسي، مثلما شبّه فرانسيس فوكوياما في كتابه، أصول الأنظمة السياسية، بين ثورات الربيع العربي، والثورات الأوروبية عام 1848، فإنه دلّل على أوجه الإختلاف في التعامل بين النخب والقواعد الشعبية في الحالتين.

على رأي أستاذه صامويل هنتنغتون، اعتبر فوكوياما أن الطبقات الوسطى تمثل الحيوية للتغيير السياسي، في حين نمثل الشرائح الدنيا القاعدة الشعبية لهذا التغيير. وعكس ما حدث في مسارح الربيع العربي، اصطفت الطبقة الوسطى مع الفلاحين في الدنمارك للمطالبة بإنهاء الحكم المطلق عام 1848، ثم اصطفت مع العمال للمطالبة بحق الإنتخاب الشامل عام 1915. وتكررت تمظهرات الالتحام نفسها بين الطبقات في كل من ألمانيا وهولندا وبلجيكا وإنكلترا...

أخيراً، يغيب عن المتابعين الناكرين لإمكانية التحول الديموقراطي في العالم العربي أن عملية دمقرطة أوروبا دامت أكثر من 200 سنة، بدءاً من عصر التنوير ووصولاً إلى عصر ما بعد الحداثة، فجر نهاية الحرب الثانية.

لا بد أن يستوعب التحرريون العرب عامل الدين في المعادلة السياسية، ومدى اختلاف الدين المسيحي الذي تبنته امبراطورية قائمة (الرومانية)، عن الدين الإسلامي الذي كان أساس بناء امبراطورية كما قال المؤرخ هشام جعيط، في كتاب "الفتنة الكبرى". من هنا يمكن البناء والنسج على منوال المجمع الفاتيكاني الثاني الذي قارب بين الكنيسة والديمقراطية الحديثة.

إن التجارب السابقة دلت وأكدت أنه لا يمكن إقصاء أي طرف من المعادلة السياسية، بل إن الإصرار على التكرار التجربة السابقة، من إقصاء الأطراف السياسية بعضها، وانتظار نتائج مختلفة لهو ضرب من العبث السيزيفي، ولن ينتج إلا المهزلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard