بدون سبق إصرار وترصد...

الخميس 10 ديسمبر 202001:03 م

"أنا حسين. ع، مواطن سوري، أعلن أني وخلال الأسابيع القليلة الماضية كنت أتواصل مع كائنات فضائية عبر التخاطر، من أجل محاولة إنقاذ الأرض من غطرسة البشر وأنانيتهم، وتوصلنا إلى حل لمعضلة ارتفاع درجة حرارتها". التوقيع، في 00/00/2020.

رسالة انتحار عادية، سبقتها ثلاث جرائم قتل بعائلة حسين "طفليه وزوجته"، إن لم نقرأها في إحدى الصحف الصادرة في الأشهر السابقة فقد قرأناها مراراً في على هيئة مظاهرات ولافتات مرفوعة، مقالات وكتب وخطب حماسية في الساحات المفتوحة. ما الذي يجعل شخصاً ما مهتماً بصحة الكوكب، ما الذي يجعله يأخذ على عاتقه مهمة إنقاذه أو الاهتمام لدرجة التضحية بالذات وبالآخرين؟ ما الذي يجعل أي شخص يهتم لدرجة أن يظن أنه يتواصل مع كائنات فضائية، آلهة وملائكة ورسل، أو حتى مع مجموعات عنفية، تنفيذاً لما يؤمن به؟ لماذا يتصف الإيمان بهذه الدرجة من الثقة المفرطة؟

رسالة انتحار:"أنا حسين. ع، مواطن سوري، أعلن أني وخلال الأسابيع القليلة الماضية كنت أتواصل مع كائنات فضائية عبر التخاطر، من أجل محاولة إنقاذ الأرض من غطرسة البشر وأنانيتهم، وتوصلنا إلى حل لمعضلة ارتفاع درجة حرارتها"

اللون الموحد للتصانيف

العالم يميل إلى توحيد الموضة، لون واحد يسود كل عام، سواء في عالم التمثيل أو في الشارع، في الأفكار السياسية أو على شاشات السينما، الاعتبارات التي تجعل الاختلاف ليس غاية، بل مجرد إمكانية البقاء على قيد الحياة يكاد ينعدم. يتبقى لك، كمختلف في طريقة التفكير، اللباس، التوجه الجنسي، الديني والحياتي، التهميش إذا كنت محظوظاً كفاية، فحتى التهميش ينطوي هنا على قدر من التسامح من قبل الأغلبية "السادة". يصبح المختلف هنا مفككاً، هشاً، سريع التبدد، وغير قادر على الصمود أمام "كتلة الرجال" المتحدة ضده، سواء أكن نسويين أم لا، ينظر للمختلف على أنه "من ذوي الاحتياجات الخاصة" حيث يفقد قدرته على المقاومة تدريجياً، ثم يذوب في مادة "الهراء" المصنوع منه العالم المحيط.

"يتبقى لك، كمختلف في طريقة التفكير، اللباس، التوجه الجنسي، الديني والحياتي، التهميش إذا كنت محظوظاً كفاية، فحتى التهميش ينطوي هنا على قدر من التسامح من قبل الأغلبية 'السادة'"

الصورة التي يصنعها العنصري عن الآخر المعادي

الافتراض الأولي للنفور من الآخر هو الخوف منه، والشعور بالتهديد الوجودي الجسدي والنفسي، وهنا تكمن عنصرية امتلاك الخير، إذ إن الافتراض البديهي في الآخر هو العدوانية وبالتالي احتكار الخير في الذات، والأمر سواء في العرق أو الدين أو حتى النوع الجنسي. لا يستطيع المتعصب لقوميته أن يتحمّل الشك في يقينياته، مثلما لا يستطيع المتدين أن تتزعزع فكرة الرب في نصوصه المقدسة، لكن هل يوجد هنا حالة وسطى بين البينين؟

الآخر لا يمثل تهديداً فقط لمثلي العليا، ووجودي الجسدي والمثالي، بل أيضاً يهدد معرفتي بإعاقتي النفسية، يهدد إعاقتي نفسها بإحالتها إلى إعاقة مفضوحة ومعلنة، عبره، عبر جسده وأفكاره. إني أرفضه، أرفض الصورة المشوهة التي أعرف في قرارة نفسي أنها صورتي أصلاً، أنا "الزنجي" وأنا "الفقير" وأنا "المتخلف ذهنياً" وأنا "المثلي" وأنا "المليء جسده بالوشوم والأقراط"، أنا لا أرفضه فحسب، ولا أرغب بنفيه فحسب، أرغب أيضاً بنفي صورتي عن ذاتي التي كونتها أغوار سحيقة من احتقار الذات واضطهاد المختلف عني وفيي.

الجسد المعاق، الجسد الناقص بلونه أو بضعفه، بشكله  "الخطأ"، يضعني أمام فسادي الخاص، نقصي واضمحلال ذاتي أمام الصورة الكاملة التي وللأسف لم أساهم أنا فعلياً بتكوينها، بل ولم أخضعها للاختبار أصلاً، بل ساهمت الأديان، الحكومات، شركات الموضة، المنتجون السينمائيون وشركات الإعلان، في تكوينها، وكل ما فعلته أني أسقطت صفات نقيضها على ذاتي وذات الآخر، ثم حاربت الاثنين، جعلتهما في مواجهة بعضهما كعدوين.

أرغب أيضاً بنفي صورتي عن ذاتي التي كونتها أغوار سحيقة من احتقار الذات واضطهاد المختلف عني وفيي

أعطيت كل منهما سلاح كراهية الآخر وأوحيت لهما باختلاف طباعهما، ورغبت بإزالة المعاق الذي يبطّئ عملية "التقدم" كما أظن، وياللدهشة، هذا المعاق نفسه هو أنا، وليس هذا فحسب، أيضاً هذا المعاق يمتلك قدرة على السيطرة عليّ لا أستطيع فهمها، يستطيع إيذائي بسهولة، يمتلك قوى سحرية شريرة ترفضني ويتوجب علي بالتالي سحقه قبل أن يصل إلى حقلي وقطعاني، عائلتي وبيتي، يظهر أيضاً هنا سؤال: لماذا يمتلك هذا الآخر، الذي من المفترض أن أحتقره وأحتقر كل ما يمثله، لماذا يمتلك تلك السطوة عليّ، لماذا يمتلكني دون أن يفعل شيئاً؟

أنا هو أنت

في الصورة التي يصنعها العنصري عن الآخر المعادي، لا يستطيع أن يتبين بسهولة ملامحه فيها، رغم أنه لو دقق قليلاً لوجد نفسه، لكن شغفه بتشويه نفسه يمنعه من رؤية نفسه، والحماس الذي يظهره إزاء نقائه الخاص ووساخة الآخر تمنعه من رؤية أنيابه ومخالبه نفسها في صورة الذئب الذي يرغب بالهجوم عليه.

ظهرت في مدينة ذات صبغة طائفية واحدة، إشاعة أن متجر الملابس الوحيد الذي يمتلكه رجل من طائفة مغايرة، يقوم بتخدير الصبيان الذين يأتون لمتجره  ثم يغتصبهم. انتشرت الإشاعة بقوة، وفي ليلة مظلمة تم إحراق متجر الرجل وطرده من البلدة

ظهرت في مدينة ذات صبغة طائفية واحدة، إشاعة أن متجر الملابس الوحيد الذي يمتلكه رجل من طائفة مغايرة، يقوم بتخدير الأطفال الذكور الذين يأتون لقياس الملابس لديه، عبر إغرائهم بشرب العصير، ثم يغتصبهم. رغم أن أحداً لم يتقدم بشكوى ضد الرجل، لكن الإشاعة انتشرت بقوة، وفي ليلة مظلمة تم إحراق متجر الرجل وطرده من البلدة.

من أنا لأعرف عبر كل ما يحصل، ما هو الخير وما هو الشرّ؟

في هذه القصة المبنية على العنف الجنسي واتهام الآخر بالرغبة بخطف الرجولة التي تتشكل وتشويهها وتوسيخ البراءة التي يمثلها أطفال الطائفة تتبدى كافة المخاوف من الآخر، الطائفي بالضرورة، والعنيف والمليء برغبة الانتقام الجماعي وتدنيس المقدسات، رغم أن حالات عديدة من الممارسات الفعلية واغتصاب المحارم والتحرش بأفراد العائلة الواحدة كانت تتم وتصل حتى لمخافر الشرطة.

لكن لم يتم تصنيفها على أنها أفعال طائفية أو رغبات بالانتقام، هي رغبات مريضة فحسب حين نقوم بها داخل الجسم الواحد، لكن التلويح بامتلاك الآخر لنفس القدرات "السيئة" التي نملكها يجعله مختلفاً عناً بشكل كلي، يصبح مشبوهاً وقادماً من عالم سفلي مفعم بالشر والرغبة بالانتقام، ربما يحيل أحد المحللين الأمر إلى التنافس بين مزارعين وتجّار، أو تجار وتجار آخرين، إلى عداوة اعتيادية بين أجنبي ومحلّي، بين غريب ومواطن، لكنها في جوهرها احتقار للذات وتقزيمها، النظر بعين ناقصة إلى الذات تحيل إلى تحطيمها عبر تحطيم الآخر.

لكن، من أنا لأعرف عبر كل ما يحصل، ما هو الخير وما هو الشرّ؟

لست جندياً لأعرف كيف أحمي نفسي من الأخطار، لست طبيباً لأكتب لنفسي وصفات طبية تنقذني من الأمراض المتناقلة ولست خبيراً في "التنمية البشرية" لأتقدّم في عملي وعلاقاتي. أنا مذنب فحسب. مريض سقط على أريكته في الصالون وينظر إلى صورته، صورة الآخر، بحذر وخوف

التزوير

لست جندياً لأعرف كيف أحمي نفسي من الأخطار، لست طبيباً لأكتب لنفسي وصفات طبية تنقذني من الأمراض المتناقلة ولست خبيراً في "التنمية البشرية" لأتقدّم في عملي وعلاقاتي. أنا مذنب فحسب. مريض سقط على أريكته في الصالون وينظر إلى صورته، صورة الآخر، بحذر وخوف.

إن التعاطف مع الآخر فكرة مزورة فحسب، أنا لا أهتمّ به إلا لأني أهتمّ بنفسي، وأنا أكرهه لأني أكره نفسي. لترتفع درجة حرارة الأرض، ليجني جيف بيزوس المليارات، ليستمرّ "سفراء الأمم المتحدة" في الترويج لأنفسهم وتقديم معونات "تجميلية" لعدم اهتمامهم على شكل صور أخلاقية، هذا لن يجعل الأخلاق تخرج منتصرة من معركة الكون.

إن هذا "الكرم" نفسه شكل من أشكال الفساد الأخلاقي، يوفّر لنا صوراً وفيديوهات "نلتهمها" بتسارع لننعم بضمائر مرتاحة، إنها عملية إعادة بيع لقيم منتهكة ومضغوطة و"ملعوب" بها أيضاً، كالتضامن مع الفقراء في إفريقيا أو المضطهدين في سجون الأنظمة الشمولية. العالم بأكمله يختار قضاياه عبر تصفية المنافع "الأنانية" للفعل الأخلاقي الذي سيرتكبه، ليذهب العالم إلى الجحيم، سعيداً، مبتسماً، راضياً أنه ظهر في الصورة الأخيرة للإبادة، للقيامة، وربما سيرفع شارة النصر أيضاً قرب صورة سكارليت جوهانسون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard