ترامب يأمر بسحب قوّاته من الصومال بعد 13 عاماً… فكيف أبلت خلالها؟

السبت 5 ديسمبر 202010:34 ص

أبلغ مسؤولون أمريكيون صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب أمر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بسحب جميع القوات الأمريكية من الصومال بعد مشاركتها نحو 13 عاماً في المعارك ضد حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة.


في حين مزقت الحرب الأهلية الصومال منذ عام 1991، تمكنت قوة حفظ السلام المدعومة من الاتحاد الأفريقي استعادة السيطرة على العاصمة وأجزاء كبيرة من البلاد من حركة الشباب على مدى العقد الماضي. ويعتقد محللون وخبراء أن للوجود الأمريكي أيضاً دوراً مهماً مادياً ومعنوياً في دعم القوات الصومالية.


عقب قرار ترامب، من المرجح أن ينتقل حوالى 700 جندي أمريكي من الصومال إلى قواعد في كينيا وجيبوتي مطلع العام 2021، مع إبقاء إمكانية قيامهم بمهام محددة لمكافحة إرهاب "الشباب" وكذلك الانتشار المحدود لمقاتلي "داعش" في الصومال.


دعم وزير الدفاع بالإنابة كريس ميلر الخطوة التي تسير على النهج الذي حدده سلفه، مارك إسبر: سحب القوات الأمريكية من منطقة الساحل الأفريقي المضطربة، ونهج ترامب بشكل عام المتمثل في إنهاء المشاركة الأمريكية في حروب بلا نهاية وبثمن باهظ.


قالت وزارة الدفاع الأمريكية إن أهداف الولايات المتحدة في الصومال لم تتغير بغض النظر عن الانسحاب، مشددةً "سنواصل إضعاف المنظمات المتطرفة العنيفة التي يمكن أن تهدد وطننا مع ضمان الحفاظ على ميزتنا الإستراتيجية في منافسة القوى العظمى".

وتتمثل أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الصومال في "تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، ومنع استخدام الصومال كملاذ آمن للإرهاب الدولي، وتخفيف الأزمة الإنسانية الناجمة عن سنوات من الصراع والجفاف والفيضانات وسوء الإدارة"، وفق وزارة الخارجية الأمريكية.

"أهداف الولايات المتحدة في الصومال لم تتغير"... ترامب أمر البنتاغون بنقل قواته المقدرة بنحو 700 جندي يقاتلون حركة الشباب وداعش في الصومال منذ 13 عاماً إلى قواعد قريبة، وشكوك حول اتخاذ الخطوة في فترة انتقالية رئاسية 

"إعادة تمركز"

وكانت محاولات وضغوط إدارة ترامب المتعاقبة لخفض الوجود الأمريكي في أفريقيا قد لاقت معارضة من المشترعين في الحزبين الديمقراطي والجمهوري على السواء إذ يعتقدون بضرورة استمرار تدخل بلدهم في مناطق الصراع في القارة. 


وشكك النائب عن ماريلاند أنتوني براون، نائب رئيس لجنة الخدمات المسلحة، في الهدف وراء مثل هذه التحركات للقوات خلال فترة انتقالية رئاسية في واشنطن إذ بقيت لترامب أيام معدودة قبل أن يُسلّم الرئيس المنتخب جو بايدن السلطة.


قال براون في بيان: "نواجه تهديدات متزايدة لأمننا القومي خلال هذه الفترة. هذا العمل يعرض جنودنا للخطر، ويجعل بلدنا أقل أماناً ويهدد استقرار شركائنا في أفريقيا".


لكن الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القوات الأمريكية في أفريقيا، تعهد أن قواته بدلاً من التراجع سوف "تكثف ضغطها" على حركة الشباب من مواقعها الجديدة. وأضاف في تصريح مكتوب: "هذا الإجراء ليس انسحاباً ونهايةً لجهودنا، لكن إعادة تمركز لمواصلة جهودنا في شرق أفريقيا".



أدوار القوات الأمريكية بالصومال 

على الرغم من أن عدد قواتها هناك ليس كبيراً، يبقى التدخل الأمريكي في الصومال من بين أطول الصراعات في تاريخ الولايات المتحدة. 


عام 1992، نزلت القوات الأمريكية في البلد العربي الذي مزقته المجاعة في مهمة إنسانية، قبل أن تغادره عام 1994 بعد معركة "بلاك هوك داون" التي تشكل أحد الإخفاقات المهينة في تاريخ الجيش الأمريكي. 


وقعت المعركة، التي يطلق عليها أحياناً "مجزرة"، يومي 3 و4 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1993 في شوارع مقديشو بمشاركة القوات الأمريكية وقوات الكوماندوز الصومالية بهدف القبض على زعماء عشيرة "هبر جدير"، وعلى رأسهم القائد العسكري البارز محمد فرح عيديد. مُنيت القوات الأمريكية بهزيمة على أيدي الميليشيات الصومالية والمواطنين المسلحين الموالين لها إذ قضوا على 18 مقاتلاً من القوات الأمريكية والقوات الصومالية والدولية وأسقطوا وأسروا عدداً من المروحيات.


اضطرت القوات الأمريكية إلى التدخل مجدداً عقب اندلاع القرصنة في أعالي البحار في خليج عدن والمحيط الهندي، لا سيما أن الفوضى أدت إلى صعود حركة الشباب المتطرفة وسيطرة المسلحين على العاصمة مقديشو.


عقب الانتشار الأولي للقوات الأمريكية بشكل دائم عام 2007، كثف الرئيس السابق باراك أوباما عدد الضربات الجوية ضد أهداف "الشباب". ثم صعد ترامب لدى توليه الحكم التزام واشنطن تجاه الصومال نشر فرق كوماندوز إضافية وشن غارات جوية قبل أن يقرر سحب القوات.


يمكن القول إن المهمة الرئيسية للقوات الأمريكية في الصومال كانت تدريب الجنود المحليين، ووحدة الكوماندوز في البلاد على نحو خاص، ليتمكنوا من محاربة حركة الشباب بمفردهم. علاوةً على ذلك، نفّذت القوات الأمريكية غارات جوية ضد قيادة الجماعة المتطرفة. 


في الشهر الماضي، ذكر مسؤولون أمريكيون لوكالة "رويترز" أن ترامب يفكر في سحب القوات من الصومال بعد أسابيع من التكهنات. أوضحت الوكالة أنه على الرغم من أن البعثة لا تحظى باهتمام كبير في الولايات المتحدة فإنها تعتبر حجر الزاوية في جهود البنتاغون العالمية لمحاربة القاعدة.

"حتى إذا استمرت القوات الأمريكية في شن غارات جوية من دول مجاورة، فإن قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية والتخطيط وتنفيذ العمليات ضد قيادة الشباب العليا سوف تتعطل"... مخاوف في الصومال وتحذيرات من عواقب شديدة للانسحاب الأمريكي

أعقبت التكهنات بانسحاب كامل من الصومال سحب القوات الأمريكية من مدينة بوساسو، إحدى أكبر مدن الصومال والتي تحتضن الميناء الرئيسي والحيوي في البلاد، وجالكاكيو (وسط الصومال) قبل أسابيع. عبّرت الحكومة الصومالية عن مخاوفها إزاء الانسحاب المحتمل. في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، غرد الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد، ( الشهير بفرماجو)، محذراً بشكل مستتر من العواقب المحتملة لذلك.


كتب فرماجو: "لقد مكننا الدعم العسكري الأمريكي للصومال من محاربة ‘الشباب‘ بشكل فعال وتأمين القرن الأفريقي. لا يمكن تحقيق نصر في هذه الرحلة للشراكة الصومالية الأمريكية إلا من خلال الشراكة الأمنية المستمرة ودعم بناء القدرات".


عواقب الانسحاب الأمريكي

"الانسحاب السريع (للقوات الأمريكية) يهدد بالتنازل عن الأرض لحركة الشباب"، هكذا يعتقد العقيد الصومالي أحمد عبد الله شيخ، الذي خدم ثلاث سنوات قائداً لقوات دانب الخاصة (الصاعقة) حتى عام 2019. وهو يرى أن أي قرار بالانسحاب قد لا يهدد مكافحة الإرهاب في الصومال، بقدر ما قد يقوض الثقة في الولايات المتحدة، معتبراً أنه "قرار تمليه السياسة".


وأضاف: "سيخلق (رحيل القوات الأمريكية) فراغاً. قوات الأمن الصومالية لديها معنويات جيدة بسبب (وجود) القوات الأمريكية... يتوفر احتمال للدعم الجوي إذا تعرضوا للهجوم ويمكن أن تكون لديهم مساعدات طبية".

وعبّر عن اعتقاده بأن الانسحاب في هذا الوقت قد يكون بمثابة "انتكاسة لجهود تحقيق الاستقرار في البلاد"، شارحاً "سيؤثر ذلك بالتأكيد في الوضع الأمني على عدة جبهات. وستدعي جماعة الشباب أن الانسحاب انتصار وأنهم نجحوا في التخلص من أقوى ‘خصم لهم‘".


وشدد العقيد الصومالي على أن الضربات الأمريكية تُبقي الجماعات المتشددة في مأزق وتوفر للحكومة الصومالية "متنفساً" ضرورياً لتعزيز جيشها، منبهاً إلى أنه حتى إذا استمرت القوات الأمريكية في شن غارات جوية من دول مجاورة، فإن قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية والتخطيط وتنفيذ العمليات ضد قيادة الشباب العليا سوف "تتعطل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard