"صورة الحامل التي بقروا بطنها تطاردني"... قصة هولوكوست الصومال المنسيّة

الاثنين 9 مارس 202004:52 م

لم تطوِ بعد صفحات التاريخ ما فعله الجيش الصومالي مع قبيلة الإسحاقيين في ما عُرف باسم الإبادة الجماعية للإسحاقيين أو "هرجيسا هولوكوست" التي خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والنازحين والمقابر الجماعية.

وبعد ثلاثين عاماً على المذبحة، يخرج الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو ليعتذر لشعب أرض الصومال عن جرائم الإبادة التي ارتكبها سلفه الديكتاتور سياد بري، فهل يُغلق الاعتذار هذه الصفحة السوداء من تاريخ الصومال؟

"بدأت المذابح عندما رفضنا الظلم"، بتلك الكلمات يستهل الباحث والإعلامي الصوماليلاندي عبد الرازق سليمان حديثه عن هرجيسا هولوكوست، مبيناً أن أزمة صوماليلاند والإسحاقيين تعود إلى ما قبل تولي سياد بري الحكم، إذ تبدأ منذ عام 1961 عندما قدّم ممثلو صوماليلاند استقالة جماعية من برلمان الصومال بعد عام واحد من الوحدة، وذلك نتيجة لتهميشهم واستئثار الجنوبيين بمفاصل الدولة، واستمر الحال حتى الانقلاب العسكري الذي قام به سياد بري على السلطة في الصومال عام 1969.

ويشرح سليمان، في حديثه لرصيف22، أن الأزمة تفاقمت عندما خاض سياد بري حرباً ضد إثيوبيا عام 1977، وحقق انتصاراً كبيراً مسيطراً على إقليم أوجادين، حتى تدخلت القوى الدولية الكبرى حينها - متمثلة بالاتحاد السوفياتي - وطردت الجيوش الصومالية للحدود المعترفة بها دولياً، وفي العام نفسه استقلت جيبوتي ولم تدخل الاتحاد الصومالي وهنا بدأ أهالي أرض الصومال المطالبة بحقوقهم السيادية، وفتحوا باب المفاوضات مع مقديشو.

بحسب سليمان، واجه سياد بري تلك المطالبات باستخدام كل أنواع الأسلحة، مسخّراً جميع أقسام الجيش الصومالي الذي كان يُعتبر وقتها ثالث أقوى جيش في قارة أفريقيا لقصف المدنيين من قبيلة الإسحاقيين، ومطاردة الفارين من القصف إلى الحدود.

ناجية من المذبحة

تتحدث مريم روبليه، وهي إحدى الناجيات من المذبحة، عن سبب آخر لقيام سياد بري بجريمته برأيها وهو أن المذبحة بدأت عام 1979 أي عقب هزيمة الجيش الصومالي من إثيوبيا، ما أدى لنزوح القبيلة التي تنتمي لها والدة الرئيس من إثيوبيا، وكانت معظم المواقع الإستراتيجية في صوماليلاند تتبع قبيلة الإسحاقيين، فأراد أن يستبدل سكان القبيلة بهؤلاء النازحين.

"العلم الأزرق وعلم النازية بالنسبة لي شيء واحد"، هكذا تعلّق روبليه في حديثها لرصيف22 على جرائم الجيش الصومالي أثناء هرجيسا هولوكوكست، حيث "لم يترك طريقة لإبادة قبيلة إسحاق إلا ونفّذها، سواء بالقصف الجوي أو المدفعي أو ارتكاب جرائم القتل الجماعي، فاستهدفت الطائرات تجمعات المدنيين في المدن الكبرى، ولم تستثنِ من ذلك مخيمات اللاجئين أو أي تجمع لهم".

وتبيّن الناجية من المذبحة أن سبب تسمية هرجيسا هولوكوست بهذا الإسم هو أن مدينة هرجيسا كانت المتضرر الأكبر من القصف الجوي، فـ"الطائرات التي كانت تُقلِع من مطار المدينة نفسها أخفت معالم الأخيرة من الوجود، فلم تُبقِ شيئاً قائماً فيها، لا منازل ولا مساجد، حتى آبار المياه قام الجيش بتسميمها، فمن لم يُقتل بالقصف مات عطشاً أو تسمماً".

لا تزال مشاهد المذبحة ماثلة أمام أعين روبيله التي كانت طفلة لا يتعدى عمرها التسع سنوات، عندما اقتحم الجنود أحد المنازل وأخرجوا من بداخله، بينما كانت مختبئة وأسرتها داخل مكان بالقرب منهم.

تقول: "أطلق الجنود الرصاص على سكان المنزل وكان من بينهم سيدة حامل دخلت الرصاصة فوق سرتها، فتوقف الجنود عن إطلاق النار، لكن قائد القوة قتل السيدة بنفسه قائلاً لجنوده إنه طفل إسحاقي يجب أن يقتل"، كما تتذكر  روبليه صرخات خالتها عندما سحبها أحد الضباط من أمام منزلها ليقوم باغتصابها، أسوة بجنود آخرين اعتادوا مداهمة المنازل واختطاف الشابات.

"العلم الأزرق وعلم النازية بالنسبة لي واحد"... لا تزال مشاهد المذبحة التي نفذها الجيش الصومالي بقبيلة إسحاق ماثلة أمام أعين مريم روبليه، وهي تعاني اليوم من آثارها النفسية بينما تستحضر صورة الحامل التي بقر الجنود بطنها

في استذكارها لتلك الفترة، تتحدث روبليه عن عمليات القتل الجماعي التي تعددت أشكالها، فـ"كان بعضها عبارة عن تجميع الجيش لعدد من الرجال وربط أقدامهم ببعض ثم إطلاق النار عليهم، ومنهم من كانت تُربط أقدامهم على عجلات السيارة ويقوم العسكري بالسير عليهم، والبعض كان يقوم باغتصاب فتيات ويدفنهن على قيد الحياة، حتى أعضاء الشرطة من الإسحاقيين كانوا يجمعونهم في سيارات ويقومون بحملهم إلى أماكن بعيدة ثم قتلهم". 

تصل روبليه خلال الحديث إلى إصابتها، فتقول: "في إحدى أيام الإبادة المستعرة، حدث تمهيد بالقصف المدفعي للبلدة التي كنا نختبئ فيها، ثم اقتربت الدبابات من منازلنا وقصفتها بشكل عنيف، أصابتني إحدى القذائف بينما قُتل 45 شخصاً حولي، ولم تنسحب القوات إلا بعد أن شعرت أنها تخلصت من الجميع".

وتتابع الناجية من المذبحة راوية كيف دخلت الشظايا إلى عظم رجلها واستقرت في النخاع، وتركت بعض التشوهات، لكنها تقول إنها لا تزال تستطيع  السير عليها، مشيرة في المقابل إلى أن آثار المذبحة النفسية لا تفارقها إذ لديها رعب من الألعاب النارية، غير الكوابيس الليلية من مشاهد المذبحة خاصة مشهد المرأة الحامل التي بُقر بطنها.

وتشير روبليه، في ختام حديثها، إلى أن الكثير من الشاهدين على المذبحة يعانون مشكلات نفسية، حتى أن بعضهم فقد صوابه.

آثار المذبحة

"قتلت 250 ألف شخص"، بتلك الكلمات وصف رئيس لجنة التحقيق في جرائم الحرب في الإبادة الجماعية للإسحاقيين خضر أحمد ليك النتائج التي خلّفتها المذابح، مبيناً أنها تركت ما بين 800 إلى 900 ألف لاجئ، ودمّرت 90% من المدن الكبرى في صوماليلاند، من أبرزها مدن هرجيسا وبرعوا وجبيلي التي أُبيدت عن آخرها، خاصة هرجيسا التي لم يترك بها القصف مبنى قائماً.

بموازاة ذلك، تمّ اكتشاف عدد كبير من المقابر الجماعية في مدن صوماليلاند، و أكثر المقابر الجماعية هي في مدينة هرجيسا في منطقة مالكو دوردورو حيث يوجد 200 مقبرة، أما أكبر مقبرة جماعية مكتشفة حتى الآن فقد وُجدت فيها رفات لـ36 قتيل، حسب ما قال ليك لرصيف22.

ويصف رئيس لجنة التحقيق في جرائم الحرب عدداً من الجرائم التي نتج عنها المقابر الجماعية ومنها دفن أشخاص أحياء، والقيام بجر بعض الأشخاص بواسطة الشاحنات ودفنهم في مدينة أرابيسو، واستئجار بعض المرتزقة من جنوب أفريقيا لضرب المدنيين الفارين من قصف هرجيسا.

بعد 30 عاماً على الإبادة الجماعية لقبيلة إسحاق في ما عُرف بـ"هرجيسا هولوكوست" أو هولوكوست الصومال، خرج الرئيس الصومالي ليعتذر، لكن اعتذاره اعتُبر منقوصاً... فما قصة هذه الصفحة السوداء المنسيّة من تاريخ الصومال؟ ولماذا اعتذر الرئيس؟ 

ويبيّن ليك أن اللجنة وثّقت شهادات كثيرة لمن عاينوا المذبحة، مشيراً إلى أنه تمت محاكمة العديد من القائمين على عمليات الإبادة ومنهم رئيس الوزراء وقتها علي سماتير بعدما رُفعت ضده قضية في الولايات المتحدة (بعد لجوئه إليها)، عبر مجموعة من قبيلة الإسحاق بمساعدة محامين أمريكيين قدموا للمحكمة تسجيلات وفيديوهات واعتراف له على قناة "بي بي سي صومالي" بأن تلك المجازر ارتُكبت دفاعاً عن الوطن.

ويردف رئيس لجنة التحقيق في جرائم الحرب أن الشخص الثاني الذي حوكم هو العقيد الصومالي السابق يوسف عبدي علي المعروف بـ"توكيه"، وهو مدير شرطة منطقة جبيلي الذي ارتكب جرائم حرب ما بين عامي 1982 و1981، وفي نهاية عام 2018 حكمت عليه المحاكم الأمريكية كمجرم حرب.

اللجوء لإثيوبيا

"السر في علاقتنا الطيبة مع إثيوبيا"، بتلك الكلمات تعبّر المسؤولة في وزارة خارجية صوماليلاند شيماء محمد عن فترة لجوء الإسحاقيين إلى إثيوبيا بعد الإبادة الجماعية، مبينة أن المخيم الذي ضم اللاجئين الإسحاق كان أكبر مخيم للاجئين في أفريقيا وتقريباً كل سكان صوماليلاند الحاليين إما كانوا لاجئين في هذا المخيم أو كان آباؤهم فيه.

وتشير ممثلة الخارجية الصوماليلاندية لرصيف22 إلى أن معظم الإسحاقيين عادوا من إثيوبيا بعد استقلال صوماليلاند عن مقديشيو، وقاموا بإعادة بناء ما دمرته الحرب، بينما فضّلت عائلات أخرى البقاء هناك حتى اليوم.

اعتذار فرماجو

"كان يجب على كل من جلس على الكرسي سابقاً أن يتجرأ كما تجرأ فرماجو"، بتلك الكلمات يصف نائب رئيس البرلمان الصومالي والوزير الصومالي السابق للشؤون الإجتماعية محمد عمر طلحة اعتذار الرئيس الصومالي لشعب صوماليلاند، واصفاً هذه الخطوة بـ"التاريخية"، لأن المواجهات التي حدثت بين الحكومة العسكرية التي كان يترأسها سياد بري وبعض الجبهات الصومالية هي "صورة سوداء لا بد من محوها ومعالجة آثارها".

ويلفت طلحة في حديثه لرصيف22 إلى أن معظم سكان شمال الصومال من أبناء صوماليلاند رحبوا بالإعتذار، عدا البعض الذين لا يريدون تضييق هوة الخلافات الراهنة بين شعب الصومال وقيادته الوطنية، على حد وصفه، مشيراً إلى أن الاعتذار يُعتبر فاتحة خير ستتلوها خطوات أخرى تسير على منوالها، وتكون "بداية لخروج الصومال من أزمة الحرب الحالية التي أكلت الأخضر واليابس سواء في الشمال أو الجنوب".

ويضيف نائب رئيس البرلمان الصومالي أن شعب الصومال من طين واحد وسكان شمال وجنوب الصومال ليس بينهم خلافات أو عداوات، لكن النظام السياسي هو الذي زرع تلك الأشواك، مبيّناً أن الاعتذار سيؤثر بشكل إيجابي وسيشجع على استئناف المفاوضات المتعثرة بين مقديشو وهرجيسا حتى تعود المياه لمجراها الطبيعي.

لماذا الاعتذار؟

"كنا نطالب به منذ 25 عاماً"، بتلك الكلمات يوضح مدير القسم العربي في وزارة الخارجية الصوماليلاندية فهمي محمد موقف بلاده من اعتذار الرئيس، مبيناً أن الصومال خلال الأنظمة السابقة كانت تعتبر ما قام به سياد بري نوعاً من الواجب الوطني.

"الاعتذار يُعتبر منقوصاً لعدد من الأسباب ومنها أن فرماجو اعتذر لكنه حمّل الطرف الآخر مسؤولية ما حدث، كما أنه صدر من شخص ولم يتم الإعلان عنه رسمياً من مجلس الوزراء والبرلمان".

ويلفت محمد، في حديثه لرصيف22، إلى أن الاعتذار أتى بعد لقاء الرئيس الصومالي مع الرئيس الصوماليلاندي موسى بيحي في أديس أبابا، مشيراً إلى أن الوسيط الإثيوبي الرئيس أبي أحمد لعب دوراً كبيراً في خروج هذا الاعتذار، فهو من ضمن أهدافه لتحقيق السلام في القرن الأفريقي بعد المصالحة مع أريتريا، ويدعمه في ذلك المجتمع الدولي.

ويضيف مدير القسم العربي في وزارة الخارجية الصوماليلاندية أن الاعتذار مسيس ومدفوع برغبة فرماجو بإعادة المفاوضات مع صوماليلاند، لعدة اعتبارات منها داخلية باعتبار أنه باق في السلطة أقل من عام ويريد تحسين صورته أمام العالم، وخارجية بسبب الضغط الدولي على الصومال من أجل فتح مفاوضات مع صوماليلاند كدولة وليس كإقليم، وبسبب الانتصارات الدبلوماسية التي حققتها أرض الصومال مثل زيارة بيحي إلى غينيا واعتراف تايوان ببلاده، وتلك النجاحات تعتبرها مقديشو انتقاصاً منها، والدليل أنها قطعت علاقاتها الدبلوماسية بغينيا عقب الزيارة.

ويوضح محمد أن الاعتذار يُعتبر منقوصاً لعدد من الأسباب ومنها أن فرماجو اعتذر لكنه حمّل الطرف الآخر مسؤولية ما حدث، كما أنه صدر من شخص ولم يتم الإعلان عنه رسمياً من مجلس الوزراء والبرلمان، مشيراً إلى أن الوحدة المشؤومة مع الصومال هي ما أنتجت تلك المذابح وخلفت هذا العدد الكبير من الضحايا.

متطلبات الاعتذار

"اعتذار غير حقيقي"، بتلك الكلمات يصف وزير العدل السابق في صوماليلاند أحمد عدري اعتذار فرماجو، مبيناً أن الأخير هو ابن عم الديكتاتور سياد بري، وكان قد كرّم "توكيه" رغم أنه أحد المتورطين في المذابح.

ويعتبر عدري، في حديثه لرصيف 22، أن فرماجو كان يريد أن يستغل الاعتذار لتحقيق نصر سياسي بالقدوم إلى صوماليلاند، حيث أبلغ الإثيوبيون الرئيس بيحي أن أبي أحمد يريد أن يأتي مع فرماجو إلى هرجيسا بعد الاعتذار، وهو ما رفضه بيحي، لأن مقديشو لم تعترف بعد بأرض الصومال كدولة.

ويضيف عدري أنه لا بد من توافر شروط إذا كان فرماجو جاداً في اعتذاره، ومنها الاعتراف بأرض الصومال دولة ذات سيادة، وإنشاء محاكمات لمجرمي الحرب من قبل الصومال، ودفع تعويضات مادية للمتضررين وذوي القتلى والمصابين والنازحين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard