"سعر البقرة مثل سعر السيارة"... تأثير الغلاء على مؤونة شتاء المخيمات الفلسطينية في لبنان

الجمعة 4 ديسمبر 202003:10 م

يتطلع الكثير من الناس اليوم إلى حال ما وصلت إليهِ الأمور، في فصل الشتاء إذ يبدأ اللاجئون في المخيم التحضير لهُ على طريقتهم رغم صعوبتها الشاقة، وفي ظل الظروف الصعبة بعدما بدأت مع ارتفاع سعر الدولار في لبنان إلى وباء كورونا والظروف السياسية في البلد، ويعكس ذلك المشهد المتأزم على المخيمات الفلسطينية في لبنان، من مخيم نهر البارد شمالاً إلى مخيمات بيروت والجنوب، يعكس ذلك على تحضير مؤونة الشتاء الغذائية، لو صح التعبير، وكيف يقوم الناس بتحضيرها؟ وكيف يتعامل التجّار مع أحوال الفقراء فيها؟ تنتابنا هذه الأسئلة اليوم لكي نفتح باب الإجابات على مصرعيها، نبدأ من مخيم نهر البارد شمالاً.

الغلاء هذا وضعنا أمام  إحراجات كبيرة مع الزبائن الفقراء، ومحلنا على باب السوق ونعرف كيف ينظر الفقير إلى كل شيء باشتهاء وبنفس الوقت لا يستطيع تأمين مؤونة.
في حديث لرصيف22 مع أبو أحمد (صاحب محل سمانة)، قال: " نحن نشعر بحال الفقراء في المخيم لكننا مجبورون برغم الغلاء لأن التجار الكبار لا يرحموننا بظل هذه الأوضاع الصعبة، وإلا فما الفائدة من التجارة كلها؟ وسينقطع الجميع من مؤونة الشتاء اليوم، لذلك نعتقد أننا محكومون لهذه الظروف ولا مفر منها، فتحولنا كلنا إلى فقراء اليوم".
ويتابع: "هناك الكثير من المواد الغذائية لا نستطيع تأمينها في ظل هذا الغلاء العام في البلد، محلي الصغير يساعد هذه الحارة في المخيم على قضاء حاجتها لأن المحالّ الكبيرة قد تكون أغلى ثمناً لأنها على أطراف المخيم وتعتبر نفسها من خارجه وأسعارها مختلفة. هذا استغلال للفقراء أمثالنا".

لا مفر من الوضع الصعب

الشتاء على الأبواب، والمخيم العاري تماماً من التدفئة يصاب بالبرد الشديد، يدور حوار بين الزبون والبائع في فرن مناقيش صباحاً، يسأل الزبون (الجار): "كم سعر منقوشة الجبنة في المخيم اليوم يا كنعان؟"،  يجيب كنعان (البائع): " 1500 ليرة"، "كم؟" يعيد الزبوم السؤال، "قلت لك"، يقول البائع، يجيب الزبون: "كانت 1000". يجيبهُ: "كأنّكَ لا تعيش في هذا البلد؟، السعر يصعد صعوداً، وفي ظل هذا الشتاء لا نعرف إن كان سيصاب بالصعود الهستيري أم لا"، فيمضي الزبون ولا يشتري شيئاً بسبب هذا الغلاء في الأسعار، فكيف إذا كان رب أسرة ولديه عدد كبير من الأولاد، كيف سيُؤمن لهم مؤونة الشتاء في ظل هذه الظروف الصعبة؟ الظروف التي لا يتحملها أحد في هذه الأيام الصعبة والمريرة على الجميع.
والحالة الاقتصادية في المدينة تنعكس سلباً على واقع المخيم الأشد مرارةً منها، نجد ابن البلد المواطن يشكو غلاء الأسعار وعدم قدرته على البيع والشراء لمساعدة عائلته الفقيرة، فماذا يقول ابن المخيم اللاجئ الممنوع من ممارسة 75 مهنة في لبنان؟ فلا مفر من وضعه الصعب، ففتح محل سمانة مصغر في المخيم هو السبيل الوحيد للنجاة من وحش الجوع الطاغي على الفقراء جميعاً، نسمع المواطن الذي يسكن بجوار المخيم، وهو سائق تاكسي يسأل اللاجئ في المخيم بائع الخضار: "والله أنتم الفلسطينيون أذكياء، كيف بتقدرو اتاجرو بهيك وضع مزري؟"، يجيب البائع: "بلدكم علمنا الذكاء لأنو حقل تجارب للفقراء"، ويضحك.
من المسؤول في المخيمات عن عدم قدرة الناس على التحمل؟ هل هذا دور الأونروا؟ أم هو دور منظمة التحرير الفلسطينية؟ أم ستذهب الناس مع الريح، ولا أحد يجد الجواب

الفقر في كل المخيمات

وفي مخيم عين الحلوة جنوباً، تحدثت إلى الحاج عامر الخطيب (صاحب محل للخضر والفاكهة)، الذي قال: " الأوضاع صعبة جداً وحالنا كحال الفقير، ووضع المخيمات كلها بالفقر، وما النا إلا الله"، وهذا المخيم أكبر المخيمات، ولكن الوضع الاقتصادي صعب جداً فيه، وحين يسألك الزبون عن الخضر والفاكهة، ويستهجن من غلاء الأسعار وكأنه لا يسمع الأخبار أبداً، لا يدري ماذا يدور في العالم".
ويتابع عامر: "ويسألني الزبون: كيف سنمون لهذا الشتاء إذا الأسعار كلها هكذا؟ ليس لدي رد على سؤاله المحرج، لأن سعر كل المواد الغذائية اليوم يرتفع مع ارتفاع سعر الدولار، هكذا يتعامل معنا التجار الكبار، فنحن محكومون لهذه الأسعار التي لا ترحمنا، ومحاصرون بالاستغلالية هذه، نشعر مع فقراء المخيم، لكننا لو أغلقنا المحالّ سيصبح الوضع أصعب بكثير أمام الجميع".
الحاج عامر الخطيب لا يختلف كثيراً عن أبي أحمد، فالتجّار الصغار في المخيمات ضحية التجّار الكبار، والفقراء ضحية الإثنين معاً، والكل كان يقذف لومهُ على الحكومات التي يعشعش فيها الفساد من كل جانب.
فهذا التسلسل في الحصار الاقتصادي وضيق المعيشة وعدم قدرة الناس على تأمين مؤونة الشتاء القادم، ينبع من مكانٍ واحد، هو رأس الفساد الأول، والنقطة السوداء التي في المنتصف، هي نقطة العلاج الأولى التي يجب أن تخضع إلى عملية جراحية لاستئصالها، والكل يسأل السؤال الكبير: من المسؤول في المخيمات عن عدم قدرة الناس على التحمل؟ هل هذا دور الأونروا؟ أم هو دور منظمة التحرير الفلسطينية؟ أم ستذهب الناس مع الريح، ولا أحد يجد الجواب، لأنّ الأونروا اليوم تعيش أزمة مالية أيضاً، ومنظمة التحرير الفلسطينية ليس لديها القوة الكافية لمعالجة هذه الفجوة الكبيرة في الواقع الاقتصادي.

أمشي في شوارع المخيم صباحاً، الناس ما زالت نائمة، فأسأل بائع الخبز: "أين الناس يا أخي؟" قال: "هنا الناس لا يصحون إلا بعد الثانية عشر ظهراً"، قلت له: "لماذا؟ المدارس قد فتحت أبوابها ويجب عليهم الصحو مع أولادهم"، قال: "أي مدارس؟ المدارس مرتبطة أيضاً بالواقع الاقتصادي، الغالبية ليس لديها المال كي تدفع للباصات والقرطاسية لأنها لا تعمل، هل فهمت؟: أصمت...

والحال لا يختلف عن مخيمات بيروت التي تعيش الأزمة ذاتها، بل أكثر، لأنّ بيروت تعتبر العاصمة، والحياة فيها أكثر غلاءً من بعض المدن والمناطق المجاورة، والجغرافيا في الاقتصاد تلعب دوراً مهماً، كل منطقة لها اعتباراتها في الأسعار حسب الأغنياء والفقراء فيها، فأين نضع المخيم الذي يعيش على توتر دائم وينعكس عليه سلباً كل ما يحيطه من أزمات.

"السياسيون نائمون وسرقوا البلد"

 التقيت بأبي أحمد السموعي في مخيم شاتيلا ، وهو  صاحب محل سمانة، قال لرصيف22: " سعر كرتونة البيض اليوم 22 ألف ليرة لبنانية بعد أن كانت 12 ألفاً، لاحظ هذا الارتفاع في الأسعار، كانت الناس تشتري الكرتونة كاملة الآن أصبحت أبيع بالبيضة والبيضتين، هذا ما وصلنا اليه، وتسألني عن غلاء الأسعار والمؤونة، وهناك زبائن للمحل لم نعد نراهم بسبب هذا الغلاء".
ويتابع: "بصراحة يصعب علي  أن أموّن لبيتي وهذه حال كل الفقراء في المخيم، أريد أن أرخص وأساعد الفقراء، لكن نحن من يساعدنا كي نستطيع تخفيض الأسعار من رأس الهرم حتى أفقر شخص، لا أحد يشعر ما يشعر به الناس ، والسياسيون نائمون بل هم الذي سرقوا البلد وتركونا على الشوارع ويتحدثون في الأخبار عن غلاء الأسعار والوضع الصعب عند المواطنين، ولا يهمهم واقع اللاجئين في المخيمات الذين ليس لهم غير الله".
كذلك تحدث أبو أحمد، قائلاً إن البيع بالجملة للمؤونة المنزلية أصبح بالبيضة الواحدة، ونحن نستغرب معه، كيف يموّن الناس قطعة واحدة من الطعام للشتاء الطويل؟ 
في ظل جائحة كورونا التي حصدت الأرواح وما تزال، وغلاء سعر الدولار الذي يحصد الأرواح أيضاً وما يزال، كلما ارتفع صارت المقصلة تشد على عنق الفقراء هنا، وكأنّ هذا التسلسل في ربط الأزمات مقصود، وكل ما يتبع أصعب مما قبله، وفي دخولنا إلى منازل الأقرباء لاحظنا أيضاً أنه في المخيم يعيش المجتمع بتسلسل عائلي وجيلي حيث الأب والأم في الطابق الأول، والابن الأكبر في الطابق الثاني، والابن الأصغر في الطابق الثالث، والابن الأصغر في الطابق الرابع… وهكذا.
 وعندما يبدأ تموين اللحوم في الثلاجة، فإن العائلة بأكملها بكل طوابقها تشتري كيلوغرامين لحمة وتتقاسمهما في ما بينهم للتوفير بعد غلاء اللحوم بشكل مذهل ومستهجن في آن واحد، يعني بدل أن تشتري كل عائلة كيلو لحم، تشتري اثنين ويتقاسمونها جميعاً.
"لا أحد يشعر ما يشعر به الناس ، والسياسيون نائمون بل هم الذي سرقوا البلد وتركونا على الشوارع ويتحدثون في الأخبار عن غلاء الأسعار والوضع الصعب عند المواطنين، ولا يهمهم واقع اللاجئين في المخيمات الذين ليس لهم غير الله"
وهذا ما أكدهُ لنا أبو العبد النونو، وهو صاحب محل للجزارة في سوق مخيم البداوي شمالاً، الذي قال لرصيف22: "خف البيع كثيراً في هذه الظروف، وحقيقةً أحياناً تمر أيام دون دخول الزبون إلى المحل، وذلك بسبب غلاء اللحوم، وأحياناً أخرى من كان يشتري خمسة وستة كيلوغرامات أصبح اليوم يأخذ بالكيلو والنصف كيلوغرام كي يموّن للعائلة كاملة، الغلاء هذا وضعنا أمام مأساة حقيقية وإحراجات كبيرة مع الزبائن الفقراء، ومحلنا على باب السوق ونعرف كيف ينظر الفقير إلى كل شيء باشتهاء وبنفس الوقت لا يستطيع تأمين مؤونة، وهذا فعلاً وضع سيىء جداً".
ويتابع: "لا أعرف ماذا أقول لك، الوضع في تراجع، وإن شاء الله يكون العام الجديد فاتحة خير للجميع بعد أن كان 2020 عام المصائب والمآسي، ونحن على أبواب الأعياد التي أصبحت قريبة جداً، وبصراحة لا أعرف ماذا سوف يفعل الفقراء عندنا، كيف سيشترون وكيف سيشعرون بهذه الفرحة، الله يعين الناس".
ويختم: "لا أريد أن أقول لك كم سعر البقرة اليوم كيلا تصاب بالجلطة، لأن سعر البقرة مثل سعر السيارة وأكثر، فكيف نمون للمستقبل كي نبيع؟ وأحياناً نذبح البقرة ولا نبيع نصفها ويبقى النصف الثاني لعدة أسابيع، وهذا ليس أمراً صحياً للحوم، وكله بسبب عدم قدرة الزبائن على شراء اللحوم والتموين في البيت، والكل يحتاج إلى ثلاجة من النوع الجيد والكبير كي تثلج اللحوم جيداً، وأيضاً هناك مشكلة في شراء الثلاجات ذات النوع القوي والأصلي للتثليج الجيد والصحي للطعام، وكل هذه المشاكل بسبب الوضع وغلاء الأسعار علينا وعلى الفقراء".
من هنا وهناك، لا يختلف المشهد، تبقى النكبة تولّد نكبات معها، واللجوء ليس الهروب من مكانٍ لآخر فقط، بل هو الاحتياج للآخر أيضاً، والشعور بالفقير الذي تنهال عليه المعاناة من كل جانب، خاصة في فصل الشتاء القارس والقادم لكي يكون العبء الأكبر على الذين ليس لديهم المأوى السليم والحماية الجيدة، والدفء الكافي، والمؤونة الكاملة لسد الرمق. كل هذا يحتاج إلى مقاومة من نوعٍ آخر، المقاومة التي تحولت من بندقية إلى رغيف الخبز في نهاية المطاف، وعلى ما يبدو أن رغيف الخبز أصبح شراؤه متعذراً في ظل هذا الجوع/ الشبح الذي حرق الأخضر واليابس قبل الشتاء الأخير.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard