"الإيد تعلّق عالشجرة غنية وعناقيد"... كيف يؤثر الاستعداد المبكر للأعياد على صحتنا النفسية؟

الخميس 3 ديسمبر 202005:57 م

صحيح أن الجو العام السائد مظلم وموحش إلى حدّ كبير، إلا أن معظم العائلات قرّرت هذه السنة تزيين منازلها في وقت مبكر، لرغبتها الدفينة في القضاء على "شبح" الكآبة الذي يسيطر على الجميع.

لقد شهد العام 2020 الكثير من لحظات الكآبة والتوتر والخسائر المختلفة بسبب جائحة كورونا المستمرة في حصد الأرواح.

وعلى نقيض هذا المشهد السوادوي الذي لفّ العالم كله، من الملاحظ مؤخراً على السوشال ميديا، انتشار الصور التي تعكس بهجة الأعياد، من خلال التركيز على أشجار الميلاد المزيّنة والمضاءة بألوان تبعث الفرح في النفس وتدخل السرور على القلب، وكأن كل شخص، من خلال الاستعداد المبكر لأجواء الأعياد، يرغب في الانفصال عن واقعه الأليم، مشاركة لحظات الفرح والسعادة وجلب القليل من البهجة إلى حياته وحياة المقربين منه.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كل هذا الديكور و"اللمعان الموسمي" يخلق إحساساً زائفاً بالسعادة، أم أن الأعياد تبعث بالفعل البهجة في النفوس؟

الشفاء النفسي

في عالم يسوده التوتر والقلق، يحب الناس في العادة الارتباط بالأشياء التي تجعلهم سعداء، وتثير زينة عيد الميلاد تلك المشاعر القوية، المرتبطة في الغالب بمرحلة الطفولة التي تتسم بالبراءة والأجواء الساحرة، وفق ما أكدته إيمي مورين، صاحبة كتاب "Things Mentally Strong People Don’t Do 13"، بالقول إن "الأعياد تساعد على ربط الناس بماضيهم الشخصي، كما تساعدهم على فهم هويتهم"، مضيفة بأنه بالنسبة للكثيرين، يعد وضع زينة عيد الميلاد مبكراً وسيلة لإعادة التواصل مع طفولتهم.

بدورها أوضحت الأخصائية في علم النفس، ميليسا روبنسون براون، لصحيفة هافيغتون بوست، أنه من المنطقي أن يحاول المزيد من الناس الانخراط في أجواء العيد في وقت سابق من هذا العام، معلّلة ذلك بالتوق الشديد لدى الأفراد للحصول على جرعات من السعادة والفرح، بعد عام صعب على كافة المستويات: "لقد كان هذا العام مليئاً بالحزن والخسارة: فقدان الحرية، خسارة تمضية الوقت مع العائلة، فقدان الدخل والوظيفة وفقدان الأحبة. من هنا يسعى الناس للراحة وحتى الشفاء".

صحيح أن الجو العام السائد مظلم وموحش إلى حدّ كبير، إلا أن معظم العائلات قرّرت هذه السنة تزيين منازلها في وقت مبكر، لرغبتها الدفينة في القضاء على "شبح" الكآبة الذي يسيطر على الجميع

واللافت أن العديد من الأبحاث تحدثت عن النقاط الإيجابية التي تكمن وراء الانخراط في أجواء الأعياد في وقت مبكر.

فقد خلصت دراسة أجريت في العام 1989 ونشرت في مجلة علم النفس البيئي، إلى القول إنه يُنظر إلى الأشخاص الذين يزيّنون الأجزاء الخارجية من منازلهم بالأكاليل وخيوط من الأضواء، والأشكال الأخرى من ديكور الأعياد الساطعة والمبهجة والمرحة، على أنهم أكثر ودّاً ولديهم قدر أكبر من التواصل الاجتماعي من الجيران الذين لا يزيّنون منازلهم.

وفي السياق نفسه، كشفت دراسة أجريت في العام 2017 أن الأشخاص الذين يقررون التزيين في وقت مبكر يستغلون ببساطة الإثارة الكامنة وراء الأعياد، ما يجعلهم أكثر سعادة، بخاصة وأنه اتضح أن الاحتفال المبكر بأجواء الأعياد يمكن أن يحسن المزاج، لكونه يرفع من مستويات الدوبامين، وهو الهرمون المسؤول عن السعادة.

رمزية العيد

هناك العديد من الأسباب التي تجعل المرء يرغب في وضع الزينة في وقت مبكر، من بينها الحنين لاستعادة الذكريات الجميلة واللحظات الساحرة، أو للتعويض عن الإهمال السابق والآلام النفسية التي طبعته في مرحلة الطفولة، بخاصة وأن الأعياد بحدّ ذاتها تكتسب رمزية معيّنة في أذهان الجميع.

في حديثه مع موقع رصيف22، شدد الأخصائي في علم النفس، هاني رستم، على رمزية الأعياد لناحية تعزيز التواصل والتشارك والتفاعل الاجتماعي بيننا وبين الآخرين، بالإضافة للتغلب على صعوبات الحياة، وفق قوله: "تساعدنا الأعياد على أن ننجو من الأزمات التي مررنا بها".

وتحدث رستم عن أهمية الطقوس الكامنة وراء الأعياد، معتبراً أنها جزء أساسي من حياتنا كبشر، منذ التاريخ القديم إلى يومنا هذا: "هناك طقوس معينة تساعدنا على أن نلتقي كمجموعات بشرية، وأن نتشارك اللحظات السعيدة سوياً، تماماً كما كانت تجتمع القبائل حول النار".

"تساعدنا الأعياد على أن ننجو من الأزمات التي مررنا بها"

وبالنسبة لعيد الميلاد تحديداً، أكد هاني أن هذا العيد يكتسب رمزية في كل الأديان، لكونه مرتبطاً في نفوس الكثيرين بالبدايات الجديدة: "عيد الميلاد يعني ميلاد فجر جديد، حقبة جديدة وحالة جديدة على صعيد اجتماعي"، مشدداً على الأثر الإيجابي الذي يحمله هذا العيد من الناحية النفسية: "عيد الميلاد هو أمل ببداية جديدة، ووضع الشجرة وتزيينها يعني تعليق الكثير من الآمال والاعتراف بامور حدثت معنا، والتطلع بإيجابية نحو المستقبل".

وشدد رستم على أننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لبدايات جديدة مع كل ما نعيشه من ظروف معيشية وحياتية صعبة: "التشارك مهم، لأن العالم بحاجة إلى بصيص أمل وفرح وبهجة، وعيد الميلاد هو عيد الفرح والتشارك ومناسبة تفتح المجال أمام الشفاء الجماعي لأمور كثيرة"، وأضاف قائلاً: "الجلوس حول الشجرة والتحدث عن الزينة مثلاً يجعلنا نفكر بأمور بسيطة، ويسمح لعقلنا بأن يرتاح من التفكير بأمور أكبر، وعلى صعيد التواصل، فإننا نرتاح عندما نتكلم ونفكر مع بعضنا".

وفي الختام لفت هاني إلى أن العيد هذا العام، يأخذ طابعاً مختلفاً مع فيروس كورونا، بحيث أن الاحتفال والتشارك بين الأفراد بات Virtual (افتراضي) وعن بعد بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي.

الفوائد النفسية لزينة الأعياد

لقد ساهم فيروس كورونا في تغيير العادات الاجتماعية المتعلقة بالأعياد، كإلغاء الحفلات مع الأصدقاء والتجمعات العائلية، ومع ذلك بقيت الزينة وسيلة يلجأ إليها الكثير من الناس لتحسين المعنويات وإضفاء جوّ من السعادة في المنزل.

وبالإضافة إلى المشاعر الإيجابية التي يجلبها عيد الميلاد والطفولة الداخلية التي تتماشى مع هذه العادة المثيرة للجدل، يمكن أن يكون الاستعداد المبكر للعيد علامة على الإفراط في التعويض عن خيبة الأمل السابقة في الأعياد.

إليكم/نّ بعض الفوائد النفسية والعاطفية المحتملة للتزيين في وقت مبكر من هذا العام:

النوستالجيا: يثير موسم الأعياد النوستالجيا، إذ إن وضع الشجرة وتزيين المنزل بالأضواء، كلها أمور تعيد إنعاش الذكريات الدافئة المرتبطة بالأخص بمرحلة الطفولة والبراءة والضحكات الصداقة النابعة من القلب.

أما بالنسبة للأشخاص الذين ليس بوسعهم الاحتفال جسدياً مع أحبائهم هذا العام، فإن إعادة التفكير في اللحظات السعيدة الماضية قد يجلب لهم الراحة، والديكور المبكر يعني الاستمتاع بهذه المشاعر الجيدة لبضعة أسابيع إضافية.

وفي هذا الصدد، كشفت الدراسات أن الحنين إلى الماضي يمكن أن يساعد المرء لإيجاد معنى أكبر للحياة، تعزيز إحساسه بالتواصل الاجتماعي وتوفير الشفاء للقلق الجماعي.

إلهاء العقل عن ثقل العام 2020: في حين أنه من المهم احتضان المشاعر المختلفة، حتى تلك التي لا تكون سارة، إلا أن هذا لا يعني العيش في الخوف والقلق على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، إذ إن العثور على طرق صحية لإبعاد العقل عن كل ما يحدث في العالم، يمكن أن يوفر بعض الراحة ويساعد على التأقلم. بمعنى آخر، إن التزيين في وقت مبكر يوفر إلهاء كبيراً للعقل ونشاطاً ممتعاً للمشاركة.

هناك العديد من الأسباب التي تجعل المرء يرغب في وضع الزينة في وقت مبكر، من بينها الحنين لاستعادة الذكريات الجميلة واللحظات الساحرة، أو للتعويض عن الإهمال السابق والآلام النفسية التي طبعته في مرحلة الطفولة، بخاصة وأن الأعياد بحدّ ذاتها تكتسب رمزية معيّنة في أذهان الجميع

قدرة أكبر على السيطرة: إن الكثير مما حدث في العالم هذه السنة كان خارج سيطرتنا، فعلى سبيل المثال لا يمكننا إنهاء وباء كورونا بشكل فردي، ما يجعلنا نشعر بالعجز في بعض الأحيان.

من هنا، يوصي خبراء الصحة العقلية بالتركيز على ما يمكن التحكم به من أجل تخفيف بعض القلق، ولعلّ تزيين المنزل هو من أبسط الأمور التي يمكن القيام بها لإضفاء جو من السعادة والمرح، إذ إنه لدينا القدرة على تحويل منزلنا إلى واحة مريحة، رغم الفوضى الموجودة في الخارج.

التطلع إلى شيء أفضل: في خضم هذا العام الذي يتسم بالخوف والقلق، فإن الترقب الإيجابي يمثل تحدياً حقيقياً، غير أن زينة الأعياد يمكن أن تثير أحلام اليقظة حول الأوقات الجيدة التي تنتظرنا في المستقبل: تمضية لحظات حميمة مع أفراد العائلة، مشاركة أشهى الأطباق، فتح الهدايا...

تجدر الإشارة إلى أن الأعياد مثمرة على المستويين النفسي والشخصي، حتى بالنسبة للأفراد الذين عانوا من طفولة صعبة أو خسروا أحد أحبائهم، فإن هذه المناسبات قد تكون بمثابة تذكير بالأوقات السعيدة التي مروا بها في الماضي، ويمكن أن يساعد التزيين المبكر على تعزيز الشعور بالارتباط بالشخص الذي فقدوه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard