"ارتكب البعض ما لم يكن متوقعاً"... عراقيون يستحضرون سنوات الجوع في التسعينيات

الخميس 3 ديسمبر 202011:01 ص

لم يكن في بيتنا ما يُساعدنا على شراء كيلو الطماطم (البندورة) الذي احتاجته أمي لوجبة الغداء. كان ذلك في إحدى سنوات النصف الثاني من آخر عقد في القرن الماضي.

لا أعرف كم كان سعر الطماطم حينها، ولم أعرف أيضاً كيف كان والدي سيُدبر المبلغ، كل ما أعرفه وأتذكره كانت حيرتنا. نعم حيرتنا الكبيرة من أجل كيلو طماطم.

كان الحصار الدولي الذي فُرض على العراق بسبب سياسات صدام حسين، وقسوة المجتمع الدولي، يمس كرامة المواطن العراقي بشكل مباشر. ارتكب البعض ما لم يكن متوقعاً منه، فالجوع قد يدفع الإنسان لفعل أي شيء.

كُنا نفخر بنوعية تلفازنا الملوّن، وهو بطبيعة الحال كان أكثر الأشياء المتاحة للبيع. أخذه والدي في صباح "يوم الجوع"، وهو اليوم الذي لم يكن هناك طعام في منزلنا، وقبل الغداء عاد بابتسامة مقتضبة، وبيده كيس طماطم، وفي الأخرى أكياس "الأزبري" (مثلجات) المصنعة محلياً، بينما كان سائق التاكسي يُنزل تلفزيوناً صغيراً.

كان الجهاز الجديد أسود وأبيض، بينما صار الملون مِلك عائلة أخرى. المهم بالنسبة للرئيس آنذاك، كان أن نرى صورته ونسمع خطاباته، والأهم من كل شيء هو أن تمتلىء الشاشة بصورته، بينما بطوننا خاوية.

كانت تسعينيات القرن الماضية واحدة من أقسى الفترات التي مرّت على العراقيين بسبب الحصار الدولي الذي فُرض عليه. في السادس من آب/ أغسطس عام 1990، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 661 الذي ينص على فرض عقوبات اقتصادية على العراق. وكان يهدف من خلال هذا الحصار التضييق عليه للانسحاب من الكويت التي اجتاحها.

عاش العراقيون "سنوات سوداء" نتيجة غزو صدام حسين للكويت، وما زالوا حتى اليوم يدفعون ثمنها تعويضات، فإلى عام 2019 دفع العراق نحو 270 مليار دولار تعويضاً عن اجتياح الكويت.

"كُنا نفخر بنوعية تلفازنا الملوّن، وهو بطبيعة الحال كان أكثر الأشياء المتاحة للبيع. أخذه والدي في صباح ′يوم الجوع′، ثم عاد بابتسامة مقتضبة، وبيده كيس طماطم"... سنوات التسعينيات السوداء تعود لتؤرق العراقيين مع تفاقم الأزمة المعيشية 

علي الفتلاوي مواطن عراقي، كان في السادسة من عمره عندما بدأ المجتمع الدولي بفرض الحصار على العراق، ورغم أنه من عائلة متوسطة الحال لوالدين موظفين في الحكومة العراقية، إلا أنه كان يُعاني كثيراً من عدم توفر كل شيء.

يعود علي، وهو في السادسة والثلاثين من عمره الآن، إلى زمن كان يقضي فيه عاماً دراسياً كاملاً بذات القميص والبنطلون والحذاء، ولم يكن قادراً على شراء حقيبة يحمل فيها الكُتب.

يعمل علي اليوم في مؤسسة حكومية عراقية، ويتسعيد ذكريات تلك المرحلة ليعبّر عن مخاوفه الحالية بالقول: "تأخرت الرواتب علينا لشهرين، وأنا أسكن بالإيجار، ولدي ثلاثة أطفال في المدرسة. لم نكن نعرف ماذا نفعل حتى تمكنا من تدبير أمورنا لحين صرفها".

يُعبر علي عن مخاوفه من احتمالية ألا يتمكن من توفير ما يسد احتياجاته وعائلته خلال الأشهر المقبلة، خاصة بعد التصريحات "المحبطة" لرئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي التي قال فيها إن "رواتب شهر كانون الثاني/ يناير 2021 قد لا تكون متوفرة، إذا ما صوّت مجلس النواب على قانون الموازنة".

يُشبّه بعض العراقيين أيامهم هذه بما عاشوه في تسعينيات القرن الماضي، ويتحدثون بجدية عن احتمال أن تتكرر تلك الأيام، لكنهم يأملون في الوقت ذاته أن تعود أسعار النفط لترتفع من جديد، فالعراق بلد ريعي يُعتبر النفط فيه مصدراً أساسياً لسد نحو 90% من موازنة الدولة العامة.

"المخاوف من عودة أيام التسعينيات واضحة وطبيعية، وهذا بسبب الضبابية وعدم مصارحة الشعب... هناك من يقول إن الحكومة ستطبع النقود، لكن هذا مستحيل، لأن صدام حسين عندما طبع العملة العراقية كان محاصراً، لكن العراق الآن جزء من النظام الدولي المالي ولا يُمكنه فعل ذلك"

وكان مجلس النواب العراقي قد صوّت قبل أيام على قانون "سد العجز المالي"، وهو قانون يتيح للحكومة العراقية اقتراض 10 مليارات دولار لتوفير رواتب الموظفين للأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2020، بسبب الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العراق نتيجة جائحة كورونا وتراجع أسعار النفط.

ومع هذه الأزمة تزداد نسبة الفقر في العراق، حيث يقول وزير العمل والشؤون الاجتماعية عادل الركابي، في تصريحات صحافية، إن "نسبة الفقر ارتفعت من 22% إلى 34%".

ومع انتهاء كانون الأول/ ديسمبر عام 2020، سيدخل العراقيون في دوامة جديدة خشية عدم توفر الرواتب، ووفقاً لخبراء الاقتصاد فإن المؤشرات جميعها تؤدي إلى عدم وجود سيولة مالية تُساعد الحكومة على توفير رواتب نحو 6 ملايين شخص، بين موظف ومتقاعد ومستفيد من رواتب الرعاية الاجتماعية، وهؤلاء يحتاجون نحو 6.5 مليار دولار.

تُعبّر النائبة في البرلمان العراقي ريزان الشيخ عن مخاوف مشابهة لما يُبديه العراقيون، فهي تعتقد أن "الاستمرار في الاعتماد على النفط وبقاء الفساد في مؤسسات الدولة، بإمكانه أن يؤدي إلى ما هو أكبر من العودة إلى الفترات السابقة". وتضيف: "الحلول ليست بعيدة وليست مستحيلة، لكنها صعبة وتحتاج إلى إجراءات حكومية واضحة وصريحة لمنع أن يمس الجوع كل مواطن عراقي".

في تسعينيات القرن الماضي، تدهورت البنية التحتية للدولة العراقية، وهناك من يرى أن "بنية المجتمع العراقي تفككت" أيضاً. كان العراقيون يعتمدون على "البالة" (الملابس المستعملة)، وكان الباذنجان وجبة رئيسية كادت تكون الوحيدة، حتى سُمي بـ′وحش الطاولة′".

لم يلقَ العراقيون آنذاك ما يُساعدهم على سد جوعهم. ازدادت مزادات بيع الأثاث المنزلي، وصار الموظف يعمل صباحاً في دائرة حكومية وفي المساء عامل بناء أو يبيع السجائر أو المياه في الشارع، أو يفتتح له محلاً لبيع مواد منزلية أو غذائية.

برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي صدر بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 986، لعام 1995، وسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة، لم كافياً لسد جوع العراقيين، كما لم تتمكن حكومة صدام حسين من توفير الرواتب، فاضطرت إلى طباعة العملة العراقية في الداخل.

يستبعد عدنان فليح، وهو شاب عراقي من محافظة النجف، أن تتكرّر "مأساة" تسعينيات القرن الماضي، فـ"ما حدث سابقاً كانت عقوبات دولية، وما يحدث الآن أزمة اقتصادية".

في التسعينيات، بدأت المصانع والمشاريع تُغلق، وبدأت معها نسب البطالة بالارتفاع، لكن السلطات التي تحجب كل شيء عن العراقيين المنقطعين بالأساس عن العالم، لم تفصح عن أية معلومات، فضلاً عن ذلك كان هناك مئات الآلاف من العمالة المصرية والسودانية التي نافست العراقيين على ما تبقى من فرص عمل غير تلك الحكومية.

الدكتورة سلام سميسم، وهي خبيرة اقتصادية كانت تقدم الاستشارة لمجلس الوزراء العراقي، تقول لرصيف22: "المخاوف من عودة أيام التسعينيات واضحة وطبيعية، وهذا بسبب الضبابية وعدم مصارحة الشعب"، مشيرة إلى أن "هناك من يقول إن الحكومة ستطبع النقود، لكن هذا مستحيل، لأن صدام حسين عندما طبع العملة العراقية كان محاصراً ومنقطعاً عن العالم، أما الآن، فالعراق جزء من النظام الدولي المالي ولا يُمكنه فعل ذلك".

بلغ عدد السكان 40 مليوناً ويزيدون كل عام نحو 850 ألف، وفقاً لوزارة التخطيط العراقية التي تقول إن "العراقيين في عام 2018 كانوا 38 مليوناً و124 ألفاً و182 نسمة، ما يؤشر إلى ارتفاع كبير يُسهم في تزايد الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

يتذكر عدنان فليح (38 عاماً)، وهو ابن أستاذ من محافظة النجف لم يتجاوز راتبه آنذاك الأربعة دولارات، تلك المرحلة بالقول: "كان أخي في الجيش العراقي، يعطوه أسوأ أنواع الخبز، ومع ذلك يأتي به للمنزل، يأتي بكل ما يتبقى في المعسكر حتى نأكله. مررنا بأوقات جوع مخيفة".

في المقابل، يستبعد عدنان أن تتكرر "مأساة" تسعينيات القرن الماضي، فـ"ما حدث سابقاً كانت عقوبات دولية، وما يحدث الآن أزمة اقتصادية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard