لعب فيها الشباب بكل طوائفه... هل يشهد العراق نهاية الملاعب الترابية؟

الأحد 18 أكتوبر 202004:56 م

شهدت العاصمة العراقية، بغداد، والمدن العراقية في الآونة الأخيرة، إقبالاً كبيراً على ملاعب كرة القدم الخماسية المغطاة بالعشب الصناعي، لاسيما بعد انتشارها بشكل ملفت للنظر، وباتت تطرح كبديل أفضل للساحات الترابية، التي شكلها يقارب ملاعب كرة القدم إلا أنها تختلف من ناحية العشب، فهي من تراب لا عشب فيها، مخاطر الإصابات بها أعلى وتتسع لـ22 لاعباً.

تجاوز عدد الملاعب الخماسية أكثر من 150 ملعباً، بحسب الباحث والمؤرخ العراقي عبد الله محمد، أنشئت تلك الملاعب على مدى ثلاثة أعوام دعماً للكرة العراقية، إلا أن البعض يرى أن انتشار هذه الملاعب أثر سلباً على اكتشاف المواهب الكروية، بسبب توجه الكثيرين إليها، وافتقادها لحدة المنافسة مع أحد عشر منافساً، لأن عدد اللاعبين لا يتجاوز الخمسة في الملاعب الخماسية، بينما أيّد آخرون انتشارها باعتبارها تساعد على ممارسة اللعبة بشكل مستمر.

"تقتل المهارات"

يقول أحمد علي، وهو مسؤول بلدي في إحدى أحياء بغداد، لرصيف22: "فكرة إنشاء الملاعب الخماسية كانت أهم أهداف المحافظة، وذلك من أجل دعم الشباب لممارسة هوايتهم الشعبية المفضلة، بعد أن كانوا يمارسونها في الأزقة والشوارع والملاعب الترابية".

وأوضح علي أن "اللاعبين يمارسون هوايتهم الأولى على ملاعب عشبية، نظيفة، صناعية، لا تعرضهم إلى إصابات، إضافة إلى أن الكثيرين منهم انضموا لفرق وأندية رياضية، والبعض الآخر أصبحوا لاعبين في منتخبات العراق بخماسي الكرة".

"لوحظ في الآونة الأخيرة إقبال كبير على هذه الملاعب الخماسية التي تقتل المهارات لدى اللاعب الموهوب، بسبب تعوده على مساحتها الضيقة"

وحول الفرق بين الملاعب الخماسية التي تكتسي بالعشب الصناعي والملاعب الترابية، يقول أستاذ علوم التربية، محمد علي، لرصيف22: "هذه الملاعب المسماة بالخماسية كانت سبباً رئيسياً في إلغاء ملاعب كروية كانت تزهو ببطولات الفرق الشعبية. إذ بات البناء عشوائياً على الملاعب الترابية الكبيرة، بعد أن اقتطعت أكثر من نصفها لإنشاء الملاعب الخماسية عليها، والتي تمت تغطيتها بالعشب الصناعي".

وعن سلبيات الملاعب الخماسية، يقول علي: "الملاعب ذات العشب الصناعي تعرض اللاعب إلى إصابات، كون أرضيتها صلدة وغير صحية، وقد لوحظ في الآونة الأخيرة إقبال كبير على هذه الملاعب الخماسية التي تقتل المهارات لدى اللاعب الموهوب، بسبب تعوده على ملاعب الخماسي الضيقة".

وتابع علي أنه "من الأجدر إنشاء مثل هذه الملاعب الخماسية وفق أساليب وخطط مدروسة اختيار أماكن أخرى وعدم إلغاء الملاعب السابقة، مع الاهتمام بالملاعب الترابية التي كانت سبباً في ظهور نجوم لمعت في سماء الكرة العراقية".

"لا تخدمنا في المناطق الشعبية"

يرى حسن كاظم، وهو لاعب فرق شعبية في مدينة الصدر، أن "مثل هذه الملاعب الخماسية لا تخدم اللاعبين في المناطق الشعبية، مثل مدينة الصدر التي تحتوي على أعداد هائلة من المواهب العاشقة لكرة القدم، حيث أن الملاعب الخماسية في المدينة قليلة جداً، وتستوعب أعداداً قليلة جداً من اللاعبين، حيث لا يتجاوز عدد الملاعب فيها 10 ملاعب".

واتفق عماد جبار، الذي يتمتع ابنه بموهبة كروية وعاشق لكرة القدم، مع كاظم، حيث قال: "الملاعب الخماسية لا تخدم اللاعبين الهواة، فبناء كرة القدم لا يتم بوجود عدد من الملاعب الخماسية البسيطة في بغداد، وكان المفروض من القائمين على الرياضة العراقية أن يشيدوا الكثير من الملاعب الترابية".

يقول جبار: "أضطر لأخذ ابني إلى مدرسة شيخ المدربين العراقيين عمو بابا، ليتعلم على ملاعب ترابية تحت إشراف مدربين محترفين، من أجل بناء مستواه بشكل جيد، لينشأ ويتعلم على الأساليب الحديثة ويكون لاعباً يخدم بلده في محافل دولية".

بداية الملاعب الترابية

ودخلت كرة القدم العراق بعد دخول القوات الإنكليزية، حيث كان يلعبها بعض الضباط الإنكليز في المعسكرات الواقعة في الألوية العراقية، بحسب الباحث عبد الله محمد.

ويضيف الباحث عبد الله محمد في حديث لرصيف22 أن كرة القدم في البداية انتشرت بين أبناء العاملين والمستخدمين العراقيين في تلك القواعد، وخصوصاً في الحبانية والشعيبة وكركوك، وقد برز عدد كبير من هؤلاء اللاعبين من الجيل الأول، ومنهم ناصر جكو، عمو سمسم، يورا وغيرهم، ومن أواخرهم هو المرحوم اللاعب والمدرب الكبير عمو بابا.

بدأت كرة القدم بالانتشار السريع في مدن العراق عامة، بغداد والبصرة بصورة خاصة، وقد مورست على نطاق واسع بطولات كروية في الساحات الترابية للمدارس في الألوية والكليات، في جامعة بغداد بداية، ثم بقية جامعات البلاد، يضيف الباحث العراقي.

ونشأ في العهد الملكي عدد من ملاعب الإدارات المحلية في مختلف الألوية، وهي ملاعب متوسطة الحجم، تتراوح الطاقة الاستيعابية لها بين الخمسة والعشرة آلاف متفرج، في تلك الفترة كانت هذه الملاعب تفي بالغرض الذي شيدت من أجله.

أدت ملاعب الساحات الترابية في العراق دوراً اجتماعياً، خاصة في بدايات المد الإرهابي لداعش، حيث كانت من الأماكن القليلة أو ربما الوحيدة التي تجمع طوائف دينية عدة، وشباباً من مناطق متفرقة، واستهدفها الإرهاب

وانتشرت بصورة سريعة لعبة الكرة بين أوساط الشباب والطلاب، خصوصاً من فترة الأربعينيات وحتى يومنا هذا، في مختلف الشوارع الفرعية والأزقة في بغداد، وخصوصاً في العطلة الصيفية.

ومثلت قصة إنشاء ملعب الحارثية بداية انطلاقة في تاريخ الملاعب الترابية، وذلك سنة 1956، بحسب الباحث العراقي، حيث تم تشكيل فريقين لكرة القدم من شباب المحلة الجديدة، وكانوا يلعبون الكرة يومياً في وقت الظهيرة والعصر في تلك الساحة، ويتعالى الصراخ والسباب وغيرها أثناء اللعب، والساحة تلك لا تبعد عن غرف نوم الملك، الوصي والعائلة المالكة، إلا عدة أمتار.

في أحد الأيام ترجاهم الوصي بعدم الصياح، كون الملك فيصل مريضاً ويحتاج للراحة. التزم الشباب بعدم الصياح والصراخ والسباب، وبعد أيام خرج الملك فيصل الثاني، ومعه أطقم من ملابس الرياضة الخاصة بكرة القدم وكرة جديدة ليقدمها هدية للشباب وليشكرهم، وحتى أنه شاركهم بلعب الكرة، ومن ثم تم تعديل الأرض وتحسينها، وأخذ ضباط الحرس الملكي الشباب يشاركون أهل الحارثية في لعب الكرة. كانت أحذية اللعب (اللابجينات)، مصنوعة من الجلد مع المسامير الجلدية، لتساعد على اللعب في الساحات الترابية الشعبية.

وقد نشرت في السنوات الماضية تقارير عن الدور الاجتماعي الذي أدته الملاعب الترابية، خاصة في بدايات المد الإرهابي لداعش، حيث كانت من الأماكن القليلة أو ربما الوحيدة التي تجمع طوائف دينية عدة، وشباباً من مناطق متفرقة، واستهدف داعش عام 2013 ملعباً شعبياً في حي الشعلة، شمال العاصمة بغداد، خلف 18 قتيلاً، معظمهم من صغار السن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard