الحرب الإثيوبية… لماذا تتابع القوى الإقليمية الصراع في القرن الإفريقي بحذر شديد؟

السبت 28 نوفمبر 202001:49 م

تُعتبر منطقة القرن الإفريقي من أكبر مناطق العالم ازدحاماً بالقواعد العسكرية، لدرجة أن دولة واحدة كجيبوتي فيها ما يصل إلى تسعة منشآت عسكرية لدول إقليمية وعالمية.

في قلب هذه المنطقة، وتحديداً في إثيوبيا، أعلن رئيس الوزراء حرباً ضد "جبهة تحرير شعب تيغراي"، شمالي البلاد، وهو ما جذب أنظار قوى إقليمية مثل الإمارات وتركيا اللتين أنفقتا مليارات الدولارات في استثمارات ضخمة قد تتبخر مع تصاعد الصراع.

اللافت أن الصراع في إثيوبيا قد يتسبب بتعجيل إسرائيل سفر 14 ألف يهودي للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ تفيد تقارير إعلامية أن الحرب أدت إلى مقتل مدنيين من يهود الفلاشا خلال الأيام الماضية.

الإمارات

استثمرت الدولة الخليجية الغنية في السنوات الأخيرة رأس مال سياسي ومليارات الدولارات لإنشاء قواعد وموانئ على طول ساحل البحر الأحمر، خصوصاً في إريتريا وجيبوتي، وهو ما يعزز من رغبتها بعدم رؤية مصالحها تتعرّض للخطر.

الأخبار الواردة من إثيوبيا تقول إن مقاتلي جبهة تيغراي ينسحبون حالياً نحو الحدود الإريترية مع تقدم القوات الحكومية نحو مدينة مقلي التي تعد عاصمة لهم، ومع ذلك يتوقع مراقبون أن يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

وأفادت وكالة "رويترز" الإخبارية أن جبهة تحرير تيغراي أطلقت صواريخ على العاصمة الإريترية أسمرة في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر، بعدما اتهمتها بدعم الحكومة الإثيوبية.

ويُعد قصف الجبهة لأسمرة انتكاسة مقلقة لاتفاق السلام الذي كان قد أبرمه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، قبل عامين، برعاية إماراتية.

واعتبرت وسائل إعلام إماراتية اتفاق السلام وقتها مصلحة كبيرة لموانىء إريتيريا، خصوصاً تلك التي تستأجرها أبوظبي، لأنه سيسمح بفتح طرق لنقل البضائع من البحر الأحمر إلى إثيوبيا ومنها إلى العمق الإفريقي.

وعليه، يمكن أن يؤدي تصاعد الصراع إلى دعوة الإمارات للتدخل من أجل الحفاظ على الاستقرار وضمان عدم إشعال مقاتلي تيغراي حرباً جديدة بين أديس أبابا وأسمرة لحماية مصالحهم وحركة التجارة في موانئ البحر الأحمر .

جذب صراع الحكومة المتصاعد مع "جبهة تحرير تيغراي" في إثيوبيا أنظار العديد من القوى الإقليمية مثل الإمارات وتركيا اللتين أنفقتا مليارات الدولارات في استثمارات ضخمة قد تتبخر، ومثل مصر التي تستفيد منه في مفاوضات سد النهضة أو إسرائيل التي تروّج لتأثر اليهود به

بحسب تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، كتب آلكس دي وال أن الطائرات من دون طيار التي تستهدف مقاتلي تيغراي تقلع من القاعدة الجوية الإريترية في عصب، مضيفاً أن "هناك تقارير غير مؤكدة تذكر أنها أنظمة أسلحة إماراتية، وكانت الإمارات تستخدم عصب كقاعدة لعملياتها العسكرية في اليمن".

واتهم مسؤولون في إقليم تيغراي مؤخراً الحكومة الإثيوبية بالاستعانة بطائرات من دون طيار إماراتية من قاعدة عصب الإريتيرية في الصراع الحالي.

السودان

لإقليم تيغراي، حيث تدور الحرب، حدودٌ أيضاً مع السودان، لكن الخرطوم قررت غلق جزء من حدودها في خطوة فسرها البعض في سياق دعم آبي أحمد، كما نشرت قواتها بالقرب من منطقة كسلا.

بموازاة ذلك، أبقت الخرطوم جزءاً من حدودها مفتوحة لاستقبال اللاجئين، إذ تقول التقارير الأممية إن عددهم وصل إلى الآلاف وهو ما يمثل عبئاً اقتصادياً وأمنياً على السودان التي تعاني من أزمات داخلية كبيرة.

في تقرير نشرته الصحافية لوزا سيلشي في موقع "ذا أفريكا ريبورت" المعني بشؤون القارة السمراء، فإن المنطقة السودانية الشرقية والحدودية مع تيغراي مضطربة منذ عدة سنوات، وشهدت تظاهرات تنادي بالاستقلال في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ولفتت الصحافية إلى أن تدفق البشر والأسلحة المحتملة إلى هذه المنطقة من تيغراي يمثل تحدياً للحكومة السودانية الهشة القائمة حديثاً، معتبرة أن السودان قد ينظر لهذا الصراع بوصفه فرصة لإعادة إشعال النزاع الحدودي مع إثيوبيا في مثلث الفشقه، حيث توجد مناطق تحتلها إثيوبيا.

ومع ذلك، رجحت أن السودان لن يخاطر بالدخول في حرب إثيوبيا في التحالف القوي بين أديس أبابا وأسمرة، بل قد تعرض السودان التوسط بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تيغراي.

الصومال

ينظر باحثون إلى الحرب في إثيوبيا على اعتبارها تهديداً محتملاً للصومال وفرصة للجماعات المتطرفة لزيادة نشاطها في منطقة القرن الإفريقي.

مع بداية الصراع، سحبت إثيوبيا 600 جندي من قوات حفظ السلام المشاركة في قتال حركة الشباب في الصومال، ومن المتوقع أن تنسحب كينيا أيضاً عام 2021 الذي من المقرر أن يشهد انتخابات برلمانية ورئاسية.

بين الإمارات التي استثمرت المليارات والصومال التي يرتفع فيها تهديد "حركة الشباب" وتركيا التي لديها أكثر من 150شركة ومصر التي تتخبط مع مفاوضات سد النهضة وإسرائيل التي تتابع مصير 14 ألفاً من اليهود... كيف تتابع القوى الإقليمية تطورات الصراع في إثيوبيا؟

وبحسب خطة طرحتها إدارة الرئيس دونالد ترامب فمن المقرر سحب قوات العمليات الخاصة الأمريكية من الصومال خلال الشهرين المقبلين، وعليه فإن التحالف الدولي المناهض لحركة الشباب سوف يتعرض لانتكاسة خطيرة.

ويعتبر تقرير نشرته الباحثة فاندا فيلباب براون في معهد "بروكينغز" الأمريكي أن قوة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الصومال تعتمد على الكتيبة الإثيوبية، مشيرة إلى أن انسحابها قد يشجع أعضاء آخرين، مثل جيبوتي وبوروندي وأوغندا، على الانسحاب أيضاً.

ويذكر التقرير أن الأمن الصومالي يشهد تدهوراً بطيئاً منذ عام 2016، فيما يتزايد انتشار "حركة الشباب"، بما في ذلك في إقليمي بونتلاند وأرض الصومال حيث يتسع النفوذ الإماراتي.

تركيا

من الواضح أن تركيا تنظر إلى الاضطرابات الناجمة عن الصراع في إثيوبيا على أنها تهديد لمصالحها، لأن أنقرة ضخت في أديس أبابا ما يعادل نصف استثماراتها في إفريقيا.

بحسب وكالة "الأناضول" التركية، توجد في إثيوبيا أكثر من 150 شركة تركية تعمل في قطاعات البناء والنسيج والصناعة والخدمات والسياحة، مشيرة إلى أن قيمة الاستثمارات التركية تقدر بـ2.5 مليار دولار، أي ما يعادل نصف الاستثمارات التركية في القارة الإفريقية.

وقال الباحث السوداني في القرن الإفريقي إبراهيم ناصر إن المصالح التركية تتزايد في منطقة القرن الإفريقي، فضلاً عن التواجد العسكري ممثلاً في قاعدة عسكرية في الصومال، فيما لدى أنقرة رؤية لزيادة نفوذها عبر الاستثمار، وهو ما يتطلب استقراراً في الإقليم.

وأضاف ناصر، في حديثه لرصيف22، موضحاً أن تركيا تعتبر إثيوبيا عامل الاستقرار في الإقليم، كما أن هناك تنسيقاً وتفاهماً بين البلدين في الصومال حيث يؤيد آبي أحمد جهود أنقرة لتوحيد الدولة، وعليه تتفهم تركيا الحملة العسكرية في إقليم تيغراي.

حذرت مجموعة تقوم بحملات لإحضار اليهود المتبقين في إثيوبيا إلى إسرائيل من أن اليهود الذين ينتظرون في جوندار وأديس أبابا معرضون "لخطر فوري وحقيقي ومميت" و"يجب نقلهم جواً على الفور"

كان من اللافت أيضاً أن وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين سارع في بداية الصراع إلى الاتصال بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو ليطلعه على أهداف عملية إنفاذ القانون في تيغراي، على حد تعبير الوكالة الإثيوبية الرسمية.

مصر

تتابع وسائل الإعلام المصرية الصراع الحالي في إثيوبيا بشكل مكثف، في ظل رغبة غير معلنة بتدهور الأوضاع حتى تعجز أديس أبابا عن استكمال بناء سد النهضة، فيكون موقفها ضعيفاً في المفاوضات الجارية حالياً حول قواعد ملئه وتشغيله.

تلتزم السلطات المصرية بما يُعرف بـ"الصمت الاستراتيجي" حيال الأزمة في تيغراي، ولا تربط وسائل الإعلام علانية بين مفاوضات سد النهضة والحرب الأهلية الجارية.

يعتبر مستشار "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية" هاني رسلان، في حديثه لرصيف22، أن الحرب ما زالت دائرة ونتائجها بالنسبة لسد النهضة غير واضحة حتى الآن، مضيفاً أن التداعيات التي ستنتج عن هذه الحرب سيكون لها بالطبع تأثير.

وتابع معلقاً: "مصر تلتزم الصمت لأن السيناريوهات ما زالت مفتوحة، هل سيتحول تيغراي إلى حرب العصابات؟ هل ستظهر بؤر أخرى للتوتر؟ وما شكل علاقة آبي أحمد مع قومية الأمهرة التي تدعم الحرب؟ كل ذلك سوف يحدد طبيعة التأثير على أزمة سد النهضة".

إسرائيل

يوجد في إثيوبيا آلاف اليهود وهو ما يجعل إسرائيل تنظر إلى المواجهات الحالية بترقب، بعدما أفادت عدة تقارير إعلامية عن سقوط من بينهم قتلى بينهم جراء الصراع الحالي.

وتظاهر حوالي 200 إسرائيلي إثيوبي في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر أمام مكتب رئيس الوزراء في القدس المحتلة، للتنديد بـ "تباطؤ" الحكومة في مساعدة أقاربهم للهجرة إلى إسرائيل.

بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، ينتظر ما يصل إلى 14 ألف شخص من أصول يهودية في إثيوبيا المجيء إلى إسرائيل، لكن الحكومة كانت قد وافقت على نقل ألفي شخص فقط جواً في كانون الثاني/يناير عام 2021.

وقالت الصحيفة إن مجموعة تقوم بحملات لإحضار اليهود المتبقين في إثيوبيا إلى إسرائيل حذرت من أن اليهود الذين ينتظرون في جوندار وأديس أبابا معرضون "لخطر فوري وحقيقي ومميت" و"يجب نقلهم جواً على الفور".

وذكرت الصحيفة أن القتال بين حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي والجبهة أدى إلى مقتل أول ضحية من الجالية اليهودية في جوندار في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، يدعى جيرمو جيت، عمره 36 عاماً، وكان قد انتظر 24 عاماً للهجرة إلى إسرائيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard