لماذا اعتقد سلفي مغربي أن الأسماء الأمازيغية تهدد كيانه المتطرف؟

الخميس 26 نوفمبر 202002:40 م

خرج أحد السلفيين المعروفين في المغرب بتدوينة مستفزة على فيسبوك، معلقاً على صفحة من صفحات المقرر الدراسي لتلاميذ السلك الابتدائي في البلاد.

وتُظهر صفحة المقرر المدرسي رسمة فيها طفلة صغيرة تُحدث والدها عن صديقتها التي لا تصلي وتسأله ماذا تستطيع أن تفعل لأجلها، ليجييها الأب قائلاً: "ادعي لها بالهداية يا نوميديا". و"نوميديا" هو اسم علم أمازيغي. 

قد أدخلت الوزارة عمداً أسماء علم أمازيغية في المقرر من أجل تربية الأطفال في هذه السن المبكرة على تقبّل الآخر أياً كان جنسه أو اسمه أو انتماؤه، لكن السلفي بدل من أن يرى الموضوع من هذه الناحية، فضّل أن يجعل الأمر قضية دينية وقومية ويتهم الوزارة بمحاولة التفريق بين المغاربة عن طريق زرع القومية في الأطفال. إذ كتب في تدوينته على فيسبوك: "تأملوا بارك الله فيكم هذه الوضعية التي يراد ترسيخها في ذهن أطفالنا، ففضلاً عن مسألة ترسيخ التفرقة العنصرية، تعمد وضع شارات وأسماء معينة"، لأن الأسماء الأمازيغية والاختلاف عموماً في نظر الحسن بن الكتاني هدفها هو عنصرية ضد العرب والمسلمين، وحتى حرية اختيار أسماء أبنائك وبناتك، يعتبرها هذا الشخص تعدياً على مشاعره واضطهاد له. 

يأتي هذه لأنه يعتقد بالطبع أن كل من قرر ألا يسمي بالأسماء التي أدخلها المدّ الإسلامي إلى شمال إفريقيا المعروف بأمازيغيته منذ الأزل فهو عنصري يود أن يفرق بين مكونات المجتمع، ويثير الفتنة.

ويتابع الشيخ مستنكراً في تدوينته: "جواب الأب لابنته ليس هو الجواب المناسب لما أخبرته به متأسفة، وهو أن صديقتها لا تصلي. فكان المناسب أن يقول لها: بيّني لها خطورة ترك الصلاة وأنها ركن الإسلام الركين وعموده الذي لا وجود له بغيرها، لا أن يكتفي بطلب الهداية لها من الله تعالى بصورة الإنسان الذي لا يؤثر في مجتمعه ولا بيئته. وأخشى ما أخشاه أن تكون هذه الفكرة حاضرة والمقصود منها ثقافة 'الزم شأنك ودعك من الناس' وهي ثقافة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي به قوام الدين".


من المفارقة أن أمثال هذا الشيخ هم الذين يقاطعون المنتجات الفرنسية، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين يقول اليمين المتطرف الفرنسي إن أسماء كمحمد وعلي وفاطمة هي أسماء دخيلة على المجتمع الفرنسي، وإن من يعيش في فرنسا عليه أن يتطبّع بطبعها، ويسمي بأسمائها. فما الفرق إذاً بين يميني متطرف لا يرى في الإسلام إلا الإرهاب، ومسلم متطرف لا يرى في المختلفين عنه إلا الكفر والعداوة؟ 

وبالتالي، اعتبر الشيخ أن ما ظهر في المقرر الدراسي تساهلاً في التعامل مع طفلة تاركة للصلاة، فبدل أن ينصح الأب ابنته بتوبيخها وتغيير هذا المنكر بقلبها، ثم لسانها، ثم يدها إن استطاعت، يطلب منها أن تدعو لها بالهداية، وهذا ما لا يتناسب مع التوجه الفكري للشيخ السلفي، الذي يتأسف لأن وزارة التربية والتعليم تحاول زرع ثقافة عدم التدخل في شؤون الغير لدى الأطفال، وترك ثقافة حشر الأنف فيها فقط لأنه مختلف عنك.

من المفارقة أن أمثال هذا الشيخ هم الذين يقاطعون المنتجات الفرنسية، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين يقول اليمين المتطرف الفرنسي إن أسماء كمحمد وعلي وفاطمة هي أسماء دخيلة على المجتمع الفرنسي، وإن من يعيش في فرنسا عليه أن يتطبّع بطبعها، ويسمي بأسمائها. فما الفرق إذاً بين يميني متطرف لا يرى في الإسلام إلا الإرهاب، ومسلم متطرف لا يرى في المختلفين عنه إلا الكفر والعداوة؟ 

لماذا يصرّ هذا النوع من المتدينين على تمثيل دور الضحية مهما اختلفت الظروف، إذا قال فرنسي إنه يجب فرض الأسماء الفرنسية على المسلمين الذين يقيمون بفرنسا فهو عنصري لأنه لا يقبل بالغير، لكن إذا قرر مغربي أمازيغي أن يسمي بناته بأسماء توافق هويته وثقافته وجذوره التاريخية فهو عنصري أيضاً لأنه يتعمد إحياء أسماء كانت في المغرب قبل الإسلام.

كي لا تكون إرهابياً حسب منطق هؤلاء المتطرفين، يجب أن تؤمن أن المسلمين هم قوم الله المختار، وتحد من جميع حرياتك سواء تعلق ذلك بلباسك أو أكلك أو شربك، أو حتى اسمك، طبعاً كي لا تجرح مشاعرهم، لكن بالمقابل عليك أن تقبل أن يتم أمرك لالمعروف ونهيك عن المنكر متى اقتضت الحاجة، دون أن تتذمر وإلا أصبحت عنصرياً.

في حقيقة الأمر، وبعيداً عن السخرية من هذا الواقع المر الذي أصبحنا نعيشه حتى داخل الأسرة الواحدة، ما يجب على الشيخ الكتاني وأمثاله استيعابه هو أن عقدة الآخر التي يعانونها، وترغمهم على تصنيف الأشخاص حسب دياناتهم وأصولهم وملابسهم هي العنصرية الحقيقية التي تدفع باقي العالم إلى التوجس من هذه الديانة التي لا يتوقف بعض أصحابها عن تصنيف المختلفين عنهم وإلصاق النعوت بهم، هذا كافر وهذه نامص، وهذا متشبه بالنساء والآخر ديوث...، فإذا كان القرآن المصدر الأساسي للاسلام يقول  "يٰا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" فعلى أي أساس بنى هذا السلفي استعلاءه الديني، واقتنع أنه يملك الحقيقة المطلقة؟ 

اما يلزمنا في المغرب حالياً، بالإضافة للمقررات التعليمية الجديدة المتفتحة، هو دروس في محو الأمية الدينية ليس من أجل غير العارفين بالإسلام، بل بالضبط من أجل هؤلاء المتفقهين، الذين لا يرتاحون ولا يريحون لدرجة أنهم انتهوا من محاربة الأشخاص وتفرغوا اليوم لمحاربة الأسماء

ألا يستطيع هو ومن يشبهه أن يتدبرا في القرآن بعيداً عن آيات الجهاد والقتال، ويقتنعا مثلاً أن ختم الآيات بالأسماء والصفات الإلهية، والتأكيد أن الله هو العليم الخبير، السميع البصير، ما هو إلا تأكيد على نسبية الحقيقة التي لا يمكن أن يملكها سواه مهما بلغت درجة تدينه وعلمه ومعرفته؟ 

الخلاصة هي أن ما يلزمنا في المغرب حالياً، بالإضافة للمقررات التعليمية الجديدة المتفتحة، هو دروس في محو الأمية الدينية ليس من أجل غير العارفين بالإسلام، بل بالضبط من أجل هؤلاء المتفقهين، الذين لا يرتاحون ولا يريحون لدرجة أنهم انتهوا من محاربة الأشخاص وتفرغوا اليوم لمحاربة الأسماء.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard