"بكرا بس ترسب... خلّي مارادونا ينفعك"

الخميس 26 نوفمبر 202001:30 م

قدّمت سنة 2020 نفسها كواحدة من أشد السنوات فتكاً بمشاعرنا البشرية، أعطتنا شكلاً مصغّراً عمّا يمكن لأي إنسان أن يفقد طاقته عند المرور به. لم تكن الأخبار السيئة صديقة لنا في أي سنة بمقدار الشكل التي رافقتنا به خلال هذا العام؛انفجارات، وفيضانات، وحروب، وأوبئة لتزيد معها همومنا التي لا تنتهي.

في بدايتها خسرنا كوبي براينت وابنته عندما تحطمت طائرته ليعيش العالم إذ ذاك أسبوعاً كارثياً على ذلك الإنسان الذي كان مصدر للإرادة الصلبة وعدم الاستسلام وفي نهايتها جعلت من مارادونا مصدر حزن لنا بعد أن كان رجل الفرح والشغف.

 أثبتت الرياضة شيئاً واحداً هو أنها أهم من أي حاجة بشرية أخرى، تلك المشاعر التي تعطينا إياها لا يمكن لأي شيء آخر أن يقدّمها. نحن السوريون نعرف تماماً قدرة هذا الاختراع على التحكم بعواطفنا، في عام 2006 كان فريق الكرامة، ابن مدينة حمص السورية، على بعد 90 دقيقة فقط من تحقيق الإنجاز الذي بذل من أجله جهداً على مدار سنة كاملة جعلت من أحلامنا وتمنياتنا متوجهة نحو مكان واحد وهدف واحد ولكن الكرامة خسر كأس أبطال آسيا في آخر دقائق المباراة. فشلنا جميعاً ولكن عشنا الحلم بكل تفاصيله، لتعود عارضة عمر السومة التي اجتمع خلالها المجتمع السوري بعد أن كان أي تفصيل قادراً على زرع الخلاف بيننا، حلم آخر نحو سوريا في كأس العالم قد انتهى بالقائم، لتثبت الرياضة علو كعبها مرة آخرى في كم المشاعر التي تمدنا بها.

 كما أنه بالنسبة لأمهات بلادنا، جزء من شتائمهم وأحد طرق حديثهم للأطفال عند ممارستهم كرة القدم: "بكرا بس ترسب خلي مارادونا ينفعك"... كانت ردة فعلنا عند تلك الجملة هي الابتسامة، كنّا على يقين بأن مارادونا لن يتخلى عنّا

منذ صغري حتى اليوم تخليت عن الكثير من مشاعري تجاه هذه الكرة التي تجري على أرض خضراء. كانت تلك العواطف المرتبطة بها تصل بي إلى خيال واسع أقضي فيه معظم وقتي.

منتخب العراق أبطال آسيا عام 2007 وهم تحت غزو أمريكي خلف بلاداً منكوبة. كان منتخب بلاد الرافدين يلعب من أجل إسعاد شعبه فقط. ديديه دروغبا أوقف حرباً أهلية في بلاده ساحل العاج لم تستطع إخمادها أي دولة من دول العالم لكونه لاعباً يجتمع كل أبناء بلاده خلفه.

نحن كشعوب بحاجة إلى بطل/ة، بحاجة إلى ثائر يستطيع أن يجمعنا خلفه، نعيش لنحكي قصصه، نروي ميزاته جيلاً بعد جيل… كأن مارادونا لعب هذا الدور مؤقتاً، لكنه غادر هذه الحياة، يحيطه توافق بالآراء حوله، حول شخص واحد.  

 من هو مارادونا ليجمعنا حوله؟ 

نحن مجتمعات عاطفية بالفطرة، نرى ما يلمع ذهباً ولا يمكن أن يكون غير ذلك، مارادونا يتغنى به دكتور في المعهد العالي للفنون المسرحية وبائع متجول وحتى من حمل السلاح. كتب محمود درويش القصائد عنه،  كما أنه بالنسبة لأمهات بلادنا، جزء من شتائمهم وأحد طرق حديثهم للأطفال عند ممارستهم كرة القدم: "بكرا بس ترسب خلي مارادونا ينفعك"... كانت ردة فعلنا عند تلك الجملة هي الابتسامة، كنّا على يقين بأن مارادونا لن يتخلى عنّا.

هو تحفة، من الممكن أن تجد صورة له على حائط في بيت من بيوتنا أو في مطعم، جيل كامل يستمر حتى يومنا هذا بارتداء القمصان التي تحمل اسمه ورقمه "10".

الرياضة هي نقطة الوصل بيننا جميعاً، توالت أمم وحضارات وبقي مارادونا منذ بداية مسيرته إلى يومنا هذا رجل الشغف والمهارة، نستفيض بذكره وهو "إله كرة القدم" الرجل الذي هوى المخدرات والخمر لم يقدر أي شخص منّا على كرهه.

مارادونا هو من حرم إنجلترا مهد كرة القدم من لقبها في كأس العالم عام 1986 وآثار جدلاً بهدف استخدم فيه يده، التي انتشر على إثرها مصطلح " يد الله"، من استطاع خطف قلوب كل متابع كرة قدم بهدفه التاريخي في المباراة نفسها عندما راوغ نصف لاعبي فريق الخصم ليكون الهدف هو هدف القرن العشرين.

 دييغو أرماندو مارادونا رجلٌ حمل من التناقضات ما يكفي ليجعل نفسه معشوق العالم، شغفه الذي رافقه إلى نهاية عمره الستين. مشجع لمنتخب بلاده في كأس العالم 2018 من مقصورة رئيسية في روسيا يدخّن فيها السيجار ويحتفل بإصبعه الوسطى متوجّهاً بها إلى جميع من وقف ضد معشوقته الأولى، الأرجنتين. لطالما راودنا السؤال عن الشمس التي في وسط علم الأرجنتين، هذه الشمس التي لم يستطع أي جيل الحديث عنها سوى أنها شمس مارادونا.

نحن نحب مارادونا لأنه يعشق التحدي، صنع لمدينة نابولي الإيطالية تاريخاً جعل سكانها يذهبون إلى قبور الأموات ليخبروهم بما فاتهم في زمن مارادونا، وبأن مدينتهم لم تعد شهرتها مرتبطة بالبيتزا فقط بعد أن صنع دييغو الإنجاز لفريق المدينة المغمور حينها وأصبحت حياتهم جنة في عهده. أن تكون جزءاً من تاريخ بلادك ليس بالأمر السهل ولكن أن تكون مثل مارادونا هو أمر مستحيل، رجل الأرجنتين وبطلها محب ابن بلده، تشي غيفارا والشعب الثائر، قد رحل.

انطفأت الأضواء يوم أمس في ملعب ناديه "بوكا جونيورز" وبقيت مقصورته مضاءة بمفردها، أضاءت نابولي الشموع أمام ملعب فريقها وبقيت تعيش في الجنة التي صنعها مارادونا.

سيبقى حكاية عبر الزمن الطويل، تُصنع الوثائقيات عنه، تسمى الملاعب والأطفال باسمه، لقد كانت تخفق قلوبنا بقوة عند كل خبر يتحدث عن تدهور صحته، لتعود دقات القلب للانتظام عند أي صورة له وهو بحال جيدة

سيبقى حكاية عبر الزمن الطويل، تُصنع الوثائقيات عنه، تسمى الملاعب والأطفال باسمه، لقد كانت تخفق قلوبنا بقوة عند كل خبر يتحدث عن تدهور صحته، لتعود دقات القلب للانتظام عند أي صورة له وهو بحال جيدة.

صديق شوارعنا وكرة القدم البسيطة، من يملك "يد الله" في إنجازاته، نصير الفقراء والداعم الأكبر لهم في كل مكان وجد فيه.

سيجاور ملهمه تشي غيفارا في السماء نفسها، وسيتحدثان عن أمل الحياة الذي منحانا إياه في ثورتيهما وسيبقيان عنوانين واسعين نقف في ظليهما عند كل حق نعمل لأجله وكل أمل نسعى إليه.

للمناسبة، لم أشجع فريق الأرجنتين لكرة القدم يوماً، ولكن سأبقى أشجع مارادونا مدى حياتي. 

فلنشرب نخب مارادونا كلّنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard