نساء وفواكه وآراء لحسن داوود... رواية تحلُّل الجماعة بأحلامها المتبدّدة وطموحاتها المتداعية

الأحد 29 نوفمبر 202001:02 م

اتخذ الروائي اللبناني حسن داوود، في روايته "نساء وفواكه وآراء" (دار نوفل، بيروت) من كلية التربية في الجامعة اللبنانية، في عصرها الذهبي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مسرحاً ثم منطلقاً لاستعراض حيوات شخصيات مروا بها، قبل أن يغادروها منساقين وراء ما زرعه فيهم تواجدهم فيها في زمن التحولات الكبرى التي انتهت بنشوب الحرب اللبنانية في العام 1975، وذلك في بنية درامية توخت البساطة، بعيداً من الادعاء والتعقيد في السرد والبناء الدرامي.

يمكن القول إن لاختيار المكان (كلية التربية) رمزيته. فهذه الكلية التابعة للجامعة اللبنانية الحديثة العهد، والتي كانت تستقبل، بموجب امتحانات دخول، عدداً محدوداً من الطلاب في مختلف فروعها، شكلت في حينه وجهة للكثير من الطلاب من مختلف أرجاء لبنان. لكنها من ناحية أخرى، وبفضل مبناها الحديث نسبة إلى سائر فروع الجامعة قبل بداية إنجاز المدينة الجامعية في الحدث، شكلت نقطة استقطاب وجمع، يقصدها الشباب الجامعي من مختلف الفروع للالتقاء والاجتماع في الكافتيريا التابعة لها، وهذا ما جعل منها مركزاً محورياً للنشاطات الطلابية والسياسية، ومجالاً مفتوحاً أمام الناشطين الحزبيين حتى من غير الطلاب، كما يشير إليه الكاتب في غير مكان من روايته.

ولو أمعنا في الترميز نتوقف عند تسمية هذه الكلية وما توحي به من دور مهم لها كمؤسسة معنية بالقطاع التربوي، عبر إعدادها معلمين مجازين في مختلف الاختصاصات ليتولوا مهمة التعليم في المدارس الثانوية على مستوى الوطن، فتكون مهمتهم إذن بناء الإنسان/ المواطن بالطريقة العلمية السليمة على طريق بناء الوطن والدولة المتطورة. لكن المفارقة تتمثل في أن من سار من الطلاب في ركاب العمل السياسي و"الثوري" أسقط هذا الدور المفترض للكلية، "الكثيرون، أي ما تزيد نسبتهم بين الطلاب عن ثمانين بالمئة أو تسعين، أولئك الذين جاؤوا إلى الكلية لكي ينجحوا، هم بلا معنى. والذين يحضرون الصفوف وفي أيديهم أقلام يسجّلون بها ما يقوله الدكتور ليعيدوا كتابته في المسابقات هم بلا معنى..." ويطول هذا التصنيف ليطال معظم طلاب الكلية.    

من هذه الحاضنة يختار حسن داوود شخصيات روايته، مستعرضاً نشاطاتها ومساراتها في الوجه الأول للكلية، أي العمل السياسي، أكثر منه في الوجه الآخر أي العمل التربوي، ولافتاً إلى ما كان يحدو الشباب في دخولهم الجامعة في بيروت، وهو ما يوحي به عنوان الرواية "نساء وفواكه وآراء". فهم الآتون من مناطق ومشارب مختلفة ومتنوعة يتوقون إلى عالم الحرية والانفتاح السائد في بيروت وجامعاتها، عالم أحلام بالنسبة إلى شباب بهذه الأعمار، أحلام بالتحرر من ضغط المجتمعات الضيقة والمحافظة للانصراف بكل حرية إلى ملذات تخيلوها أو سمعوا عنها، ملذات جنسية (نساء) وملذات مادية أخرى، من سهر وشرب وميسر ونظم شعر(فواكه)، وصولاً إلى التمتع بحرية التفكير، وفق نظرة وموقف واحدهم بعد انخراطه في العمل الحزبي والسياسي، والعمل على أساسه (آراء)، "أما الآراء فهي قطعاً ليست ما جئنا نتعلمه في الكلية".

يستعرض داوود مواقف ذاك الجيل وسلوكياته عبر شلة من الشباب شكلوا فيما بينهم ما يُعتَبر "نادي شعراء". وفي بنية روائية بسيطة يستعيد علاقاتهم بمن حولهم ومساراتهم، في حبكة تصاعدية مشوقة تبلغ ذروتها في تصوير انهياراتهم المتتالية، وذلك عبر صوت حسان، الراوي الأول والأساسي في أربعة عشر فصلاً من فصول الرواية الاثنين والعشرين، ثم ابتداءً من الفصل الثامن، وبالتناوب بينه وبين أصوات الشخصيات الرئيسة، صوت محمد صافي في ستة فصول، ثم وداد ويوسف في فصل لكل منهما.

على مشارف الحرب 

كل من هذه الشخصيات مثّلت شريحة من جيل السبعينيات وهو على مشارف الحرب ثم في خضمها. يوسف الوافد من منطقة ريفية متعطشاً إلى حياة مختلفة تواكب ما يراه تطوراً وتطويراً لنفسه، عبر اهتمامه بالموسيقى والفنون "والتشبّه بأبطال الروايات والأفلام"، ذاهباً في "تغيير نفسه" إلى أقصى الحدود. يوسف هذا الذي بدا غير مهيأ لا جسدياً ولا نفسياً للمشاركة في الحرب، انقلب في ردة فعل نفسية، وانخرط كلياً في العمل الحزبي ولاحقاً في العمل الميليشوي، وخاض الحرب بكل جوانبها السيئة والسلبية، حتى بات له أتباع ومناصرون معجبون بشخصه ويأتمرون بأوامره. وقد لبسته شخصية الميليشوي الممتلئ بنفسه قوة وسلطة واصطناع شجاعة تجعله لا يهاب الموت. "وْلِكْ ليه بتخافوا هيك؟" عبارة صدرت عنه غير مرة، وظل حتى بعد عزله وعزلته يحاول إثباتها لمن هم حوله.

اتخذ الروائي اللبناني حسن داوود، في روايته "نساء وفواكه وآراء" (دار نوفل، بيروت) شخصيات مثّلت شريحة من جيل السبعينيات وهو على مشارف الحرب ثم في خضمها

محمد صافي هو الشخصية الرئيسة الأخرى، تميّز بين زملائه في الجامعة بنزعته التهكمية واستخفافه بالناشطين الحزبيين في اجتماعاتهم في كافتيريا الكلية، يتعمد إغاظتهم واستفزازهم بمواقف وآراء مبنية على منطق سياسي سليم إلى حد كبير، ليبرهن لهم، وأمام الجميع، خفّة ما يقومون به والخطأ الذي يرتكبونه في "مصادرة القرار عن الناس". ولم تكن مشاركاته في المظاهرات والاعتصامات إلا من باب مراقبة ما يجري وإثبات الوجود، على غرار تلك الكتابات التي شهدناها على الجدران إبان الحرب: "فلان مرّ من هنا". فعلى جسر البربير بعد إحدى المظاهرات، ثم في الكازينو حيث جرّ معه رفاقه للعب بمالهم أيضاً، وبعد خسارته يكتفي بالقول: إنما فعلنا ذلك لنثبت أننا كنا هنا، "صحيح أننا خسرنا لكننا لن ننسى أننا كنا هنا في الكازينو".

وفي الرواية شخصيات أخرى ثانوية يرصد الراوي تحولاتها الجوهرية، من زمن مبكر أو متأخر. منهم إبراهيم علواني الذي يبدو الأكثر يسراً بينهم، كونه الوحيد الذي يملك سيارة، ويستغل تفوقه هذا لاستدراج الصبايا وإغرائهن، لكنه سرعان ما يُغرم بصبية تكبره سناً وغير ذات جمال، يعلق بها ويتزوّجها منسحباً إلى حياته الخاصة.

ومن الشخصيات النسائية تبرز وداد، اللعوب أيام الجامعة، الساعية إلى إغراء الشباب ثم صدّهم، والمتحوّلة في مرحلة متأخرة إلى حياة لا تشبهها، تغيّر معتقدها وتتحجّب، وتعيش في بيئة تلائم خيارها الجديد، متأقلمة معها. ثم هناك بوليت الفتاة العطوب، خصوصاً بعد أن تعرّضت لاعتداء عنيف من مسلحي الميليشيا في منزلها في الحي الذي تقيم فيه، وبدل الهروب من محيطها هذا اختارت البقاء وسط معنّفيها، مستسلمة لواقع مرير ولمرض غريب لا تتضح لنا معالمه، ربما يكون نفسياً انعكس على صحتها الجسدية. ترفض السفر عند أهلها في فرنسا وتبقى برعاية ماهر ووداد، ثم تتعلق بحسان. تبدو عديمة الإرادة، منقطعة عما يحيط بها، منقادة لتعليماتهما، إلى أن يشتد عليها المرض ويحضر أخوها لينقلها إلى فرنسا. ويُضاف إلى هؤلاء شخصيات أخرى تلعب دور "الكومبارس" المكمل للمشاهد.

بين كل هؤلاء يبقى حسان، الراوي الأول والأساسي، هو الشخصية الرئيسة الذي ربطته بكل هؤلاء شبكة علاقات من أيام الجامعة وحتى ما بعد الحرب، وعبر هذه الشبكة ينقل إلينا بعين مراقبة ومحللة مجرى الأحداث والتحولات. وهو كواحد من المعنيين بالأحداث، يبدو متردداً وحذراً في مقاربة الأمور، كما عند انسحابه يوم دعاه يوسف، بنزعة سلطوية نوعاً ما، للمشاركة في التدريبات العسكريّة التي نظمتها الميليشيا. كما أنه في استعادته الأحداث في زمن القصة، ثم في زمن الحكاية، يسعى إلى فهم وتحليل ما جرى معه ومع من حوله، في محاولة منه لتفسير أو لتبيان أسباب ما جرى في الماضي، والتحولات التي أعقبت كل ذلك: انقلاب يوسف، حادثة صدّ وداد له بعد استدراجه إلى منزلها أيام الجامعة، تحجّبها وانسحابها إلى حياة لا تشبهها، مرض بوليت واستسلامها وتصرفاتها الطفولية المستغربة، تحول محمد صافي وانهياره.

رواية "نساء وفواكه وآراء" حكاية عن وطن يكاد يضيع من أيدي أبنائه... عن الأحلام المبددة والطموحات الخائبة والمتداعية

في كل ذلك يبدو الراوي حسان، ومن خلفه الروائي داوود، شاهداً على التحولات الكبرى التي أعقبت مرحلة "الزمن الجميل" الذي شهدته بيروت، كنموذج مصغَّر عن الوطن لبنان، ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي. ويمكن رؤية هذا الزمن الجميل على مستويين، مستوى الازدهار والانفتاح الاجتماعي بما يوفّره من حريات وحياة لاهية وسعيدة، ومستوى الحركات السياسية الثورية التي حَدَتْها الطموحات إلى تغيير سياسي وتحرير وطني، تمحورت حول الموقف من القضية الفلسطينيّة ومواجهة السلطة القائمة. وهو هذا الزمن الجميل الذي كان يجتذب أجيال تلك المرحلة ويدغدغ أحلامهم، فانخرطوا فيه كل على طريقته. ونكتشف مع داوود أن هذا الزمن الجميل كان محدوداً زمانياً، وأنه ما كان إلا مدخلاً إلى حالة التفكّك والاضطرابات التي انتهت بحرب عصفت بهم وبدّدت أحلامهم الدنيوية والسياسيّة. فلا بناء الإنسان عبر كلية التربية أعطى مفاعيله ولا الحركات السياسية حققت أهدافها ولا الحياة الدنيوية دامت، وإذا بالوطن يتشظّى كما تشظّى أبطال الكلية في الرواية كل إلى مآلٍ انحداري مخيّب.

 المصير النهائي

واللافت هنا أن الكاتب لم يركّز على تصوير المصير النهائي المتوقع لأبطاله، موت محمد صافي وبوليت بمرضهما، أو مقتل يوسف على يد حزبه اغتيالاً أو في معركة، بقدر ما ركّز على رصد التحولات الدقيقة والجذرية في حياتهم، مبيّناً حالة التساقط أو التحلل النفسي والفكري التي ستقودهم إلى مصائرهم النهائية. وكما سلّط الضوء على حالة التحلل الفردية هذه، كذلك أراد إبراز وتأكيد تحلل وتفكك كلية التربية، كنموذج جماعي مصغر عن البلد، وكموئل وحاضنة للأفكار والمشاريع البنائية والتطويرية والتغييرية التي باءت بالفشل. فبعد نيِّفٍ وأربعة عقود على الحرب اللبنانية، لم تعد كلية التربيّة هي هي، لا ببنائها ولا بناسها ولا بطلابها ولا بمشاريعها ربما. إنه زمن الطموحات وقد ولّى، وهو ما نلمسه في الفصل الأخير على لسان زوجة ابراهيم علواني، التي تعبّر عن توقها إلى إقامة جمعة ولقاء لطلاب ذاك الزمن الجميل، لكن الواقع الجديد يمنعها من ذلك، فنراها تحدث نفسها متحسرة: "ما بيصير ننسى هيديك الإيام..." و"كأن شيئاً لم يكن".

يرصد داوود هذه التحولات ويرويها، متحاشياً الأسلوب التقريري الجاف. فمع أن أحداث الرواية تدور في أجواء التربية والسياسة والحرب، نجده يتلافى كلّيّاً الخوض في تفاصيل هذه النواحي، خصوصاً في طروحات الأطراف الحزبيّة الفكرية والإيديولوجية التي احتدم الصراع حولها بين أصحابها في تلك الحقبة.

وهو يروي بأسلوب بسيط يتميَّز به، عبر جمله المقتضبة وما فيه، كما في سائر أعماله، من قوة حبكٍ وجمال تعبير. يترك للعين أو الأذن أن تلتقط أدقّ التفاصيل المعبرة عما يجول في خاطر شخصياته، أو عمّا يعتمل في دواخلها، "إيماءة" و"رفع حاجب" وكلمة من هناك: "وصل... وصل" ترتفع الأصوات في انتظار القائد يوسف، معبرة عن حجم التقدير والإعجاب التي بات يحظى بها بين أزلامه. يغوص بنا فيها إلى أعماق الشخصيات موفِّراً تكلف الوصف والإطناب. ولا تخلو الرواية من وصف دقيق وممتع، كما في مشهد وصف المظاهرات وانتظامها، أو في مشهد انتظار وصول يوسف إلى اللقاء المقام على شرفه، حيث تبدو لنا تفاصيل المشهد وكأنها منقولة عبر كاميرا سينمائية. ذلك، إضافة إلى ما في أسلوبه من بعض الأشكال التركيبية اللغوية التي تشكل نوعاً من معالم خاصة بطريقته في الكتابة، مثل "في أثناء ما كانت" و"مستمرّ من أيام ما كانا"، "وفي لحظة ما كنت" (وغيرها)، ما يجعل قراءته سهلة وممتعة.

"نساء وفواكه وآراء" هي رواية الجماعة في علاقاتها فيما بينها ومع محيطها، وفي تحولاتها ومآلاتها. هي لوحة تفاعلية جامعة عن وطن يكاد يضيع من أيدي أبنائه. هي حكاية الأحلام المبددة والطموحات الخائبة والمتداعية. ولعل فيها، من حيث أراد داوود أو لم يرد، رسالة إلى شباب لبنان الثائر اليوم على أوضاع الوطن، والداعي إلى التغيير، لتنبيههم إلى ما يمكن أن يترصَّد بهم إن هم ضيّعوا البوصلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard